الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

عودة أولاد مبارك واكتئاب ما بعد الثورة.. عقدة عبدالناصر

من إنجازات عبدالناصر، التي لم يقصدها، أنه صار عقدة لغيره. صمد الرجل لحروب تشويه مستمرة منذ رحيله. عجز عن محو سيرته السادات ومبارك، وندد محمد مرسي بما جرى لإخوانه في الستينات من القرن الماضي.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/01/17، العدد: 10515، ص(9)]

لا مفر من الغضب، فلأسمه غضبا؛ تفاديا للفظ “الاكتئاب” الذي أصاب الكثيرين، ومسّني بعض منه، وكنت أظنني نجوت، لولا أن ضبطت نفسي واقعا تحت سطوة أعراضه، زاهدا في الأعمال الأدبية والفنية عن ثورة 25 يناير. فما جدوى أن تتغنى بزهرة في بستان حجبت عنه الشمس؟ فلأسمها “ثورة”، خلافا لأصدقاء شاركوا فيها وراهنوا عليها سبيلا إلى العدل والحرية والتغيير، فلما آلت إلى أعداء العدل والحرية، أعلنوا غضبهم على الفشل أكثر من نقمتهم على حسني مبارك، وندموا على الانخراط في الثورة، وقالوا إنها مؤامرة، واستشهدوا برغبة أميركية في تسليم مفاتيح مصر إلى وكيل جديد، بعد عجز حسني مبارك عن إدارة الدولة/ الشركة، وآن الوقت لأن يستبدل به قرين يرتدي ذقنا.

لم أعد أشاهد فيلما عن الثورة، وأتجنب قراءة الروايات والكتب عن وجهها المضيء، يمنعني عن المشاهدة والقراءة انقضاض هوام من غرف مظلمة لنهش العائدين من الميدان وعقابهم، وتعقّب خطواتهم التي صارت مسافات انكماش في النفوس على أحلام مجهضة. نال مبارك فور تنحيه لقب “المخلوع”، ومع صعود الآمال في التغيير ادعى الكارهون والمتربصون الصامتون انتسابهم إلى 25 يناير، وكتبوا عن روعتها، كلٌ يدّعي وصلا بثورة، من السيد يسين وجابر عصفور ويوسف زيدان، إلى أحمد موسى ومرسي عطاالله. وقد عادت الآن وجوه الدولة القديمة، وسياسات مبارك الاقتصادية، وخاب الأمل في تحسن أحوال المعيشة، وضاقت مساحة الحريات، وفي زحمة الخسارات حصل مبارك على لقب “اللص” بحكم قضائي نهائي، وبعد هذا كله أسدل هؤلاء الستار على 25 يناير، ولا يذكرون إلا 30 يونيو 2013، ويلتمسون ضوءا آخر في مسرح أخلي لصورة عبدالفتاح السيسي. ثم فاجأهم دخول ابنيْ مبارك، علاء وجمال الوريث السابق، إلى الكادر الأحد (8 يناير 2016)، في إستاد القاهرة خلال مباراة كرة القدم بين مصر وتونس.

كان مماليك مبارك ينظرون بالعين الأكثر حدة إلى ابنه جمال، يراهنون على الجواد القادم في الإبقاء على مناصبهم، فمرسي عطاالله الذي يتغنى حاليا بحكمة السيسي، سخّر “الأهرام المسائي” لعائلة مبارك، وتتبع خطى الوريث وأخيه، وحرص على متابعة أخبار صعود فريقهما “الصقور” لكرة القدم في دورات رياضية رمضانية، يحسم فيها الفوز قبل أن تبـدأ، على طريقة سيـف الإسـلام القذافي وعدي صدام حسين. أحتفظ بصور فوتوغرافية، نشرت في “الأهرام المسائي”، وحرص عطاالله على كتابة التعليق بيده، في إحداها يقف جمال بين حرس شداد يوم 13 ديسمبر 1998 “عندما بدأت ضربات الجزاء الترجيحية تعلقت كـل العيون بأقدام اللاعبين ووقف جمال مبارك يتابع الضربات بقلق واهتمام بالغين”، وفي صورة أخرى ترجع إلى يوم 13 يناير 1999، كتب عطاالله “علاء مبارك كابتن فريق ‘الصقور’ في صراع على الكرة مع محمد رمضان نجم الأهلي”.

في فيلم “بعد الموقعة” الذي أخرجه يسري نصرالله عام 2012، يستهين بالجلبة الثورية أحد رموز الدولة القديمة في منطقة “نزلة السمان” القريبة من الأهرام، حيث انطلقت موجة الثورة المضادة في “موقعة الجمل”. قال الرجل بثقة إن نظام مبارك سيرجع دون مبارك. آنذاك قلنا “هذا خيال مخرج، وسراب يعزي به الرجل المهزوم نفسه”. ولكن نظام مبارك عاد ومعه ولده جمال تحت الأضواء الكاشفة في الإستاد، رسالة رمزية للسيسي، وتذكير بأدوار قريبة العهد لمثقفين ومتثاقفين لهم رصيد لدى جمال الذي استدعاهم في صيف 2010، تحت لافتة لجنة الثقافة بأمانة السياسات في الحزب الحاكم. كانت أمانة السياسات برئاسة جمال أقوى من الحزب والحكومة، واكتسب المحظوظ بعضويتها حصانة جعلته فوق القانون، حيث القانون هو الشخص، والشخص فرد يحكم مصر من الباطن، بعلم أبيه أو من دون علمه، وغابت سلطة “الدولة”. ترأس مبارك الصغير اجتماعا لمناقشة مستقبل الثقافة في مصر، بحضور يسين وعصفور وفوزي فهمي ويوسف القعيد وغيرهم. انظر إلى مواقع هؤلاء الآن، وترحّم على شهداء الثورة.

في ذكرى 25 يناير نستدعي ثورة سابقة، أنجزها ضباط شبان قبل أن يفكروا في اسمها. أطلقوا على ما جرى ليلة 23 يوليو 1952 “الانقلاب” و”الحركة المباركة”، ولكن طه حسين لم يتردد في منحها اسم “الثورة”، ولم تكن لتنال شرف هذا الاسم لولا التفاف الشعب حولها وإيمانه بمبادئها، والأهم من ذلك كله تصديق الشعب لقائدها. بناء الثقة كاف لغفران الخطايا بما فيها هزيمة 1967. مات مبارك حيا، ولن يبقى منه في الذاكرة الشعبية شيء يـدل عليه، وبددت استعراضات أنور السادات ثمار النصر العسكري في أكتوبر 1973، أما جمال عبدالناصر الذي مات عـام 1970 والأرض محتلة، فيظل رمـزا للكرامة والوطنية والنزاهة الشخصية، ونسي الشعب حكمه الفردي بمن فيهم ضحايا المعتقلات، وارتفعت صورته في ميدان التحرير قبل خلع مبارك، بل في مظاهرات مناهضة لحكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والتي كان شعارها “يسقط حكم العسكر”، في مفارقة دالة، تستعصي على تبسيط المستشرقين العرب والمصريين.

من إنجازات عبدالناصر، التي لم يقصدها، أنه صار عقدة لغيره. صمد الرجل لحروب تشويه مستمرة منذ رحيله. عجز عن محو سيرته السادات ومبارك، وندد محمد مرسي بما جرى لإخوانه في الستينات قائلا “وما أدراك ما الستينات”، ثم اكتشف أن طيف عبدالناصر يسبقه إلى آسيا وأفريقيا، فلم يجد مهربا من الإشادة به، استثمارا لرصيده، لكي لا يخسر شعبا يحب عبدالناصر، في ذكاء سياسي يتجاوز تربية إخوانية تؤمن بكفر عبدالناصر، ولا تختلف كثيرا عن أيديولوجيا وهابية استدعت الدين في خلاف سياسي بين مصر والحجاز في الستينات، فجاء العنوان الرئيس لصحيفة “عكاظ” هكذا “عبدالناصر كافر بالإجماع”.

وحده السيسي لم يعلن ضيقه بعبدالناصر، ويصارح بالانتماء إلى مشروعه، ولكن عفاريت الزعيم، الذين يستدعون من خطبه استنكارا لما يجري في سوريا واليمن وغيرهما، استحضروا رفضه التام لشروط صندوق النقد، وعدم المساس بالمكاسب الاقتصادية لعموم الشعب، كما عثروا على تصريح لعبدالناصر الذي ولد في 15 يناير يقول “جزيرة تيران مصرية”، في رد بليغ على قول السيسي لممثلي الشعب، يوم 13 أبريل 2016 “نستبيح أرضهم؟”. ويبدو أن جبروت القبر يهد العرش.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر