الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

فرنسا والمهمة الصعبة في مالي

رغم بعض المكاسب التي تسعى فرنسا إلى إبرازها على الصعيد الإعلامي في حربها ضد الجماعات المسلحة في منطقة الساحل ومالي، إلا أنها تظل محدودة في غياب أي أفق للحل السياسي.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2017/01/18، العدد: 10516، ص(8)]

في الوقت الذي يتباهى فيه الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بسجله في محاربة الإرهاب في مالي، على بعد أشهر قليلة من مغادرته قصر الإيليزيه، فإن الأوضاع الأمنية في البلاد ما فتئت تزداد تعقيدا بفعل تداخل عوامل عدة في تأجيج الصراع.

ومنذ بدء عملية “برخان” في شهر أغسطس من العام 2014 التي قادتها باريس مع خمسة بلدان في المنطقة لتعقب الجماعات المسلحة في شمال مالي ومنطقة الساحل، فإن الحصيلة تراوحُ ما بين نجاح عسكري محدود وفشل سياسي واضح، بسبب الإخفاق الذي مني به اتفاق يونيو 2015 بين باماكو والجماعات المتمردة، بعد أن انقلبت هذه الأخيرة عليه وعاودت عملياتها الهجومية ضد القوات الفرنسية والقوات التابعة للأمم المتحدة.

وقد شهد العام الماضي أعنف الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة في مالي ومنطقة الساحل، إذ نفذت فروع تنظيم القاعدة في غرب أفريقيا أكثر من مئة عملية إرهابية كان القسم الأكبر منها في مالي نفسها.

وتشير المعطيات الصادرة عن قوات حفظ السلام الدولية العاملة في مالي بتفويض من الأمم المتحدة إلى سقوط 80 قتيلا من قواتها منذ إعلان تنظيم القاعدة الحرب في شمال مالي بتحالف مع مسلحي الطوارق عام 2013، بهدف فصل شمال البلاد عن جنوبها.

وخلال العام الماضي وحده قتل نحو 27 عنصرا من القوات التابعة للأمم المتحدة، ما جعل مالي المنطقة الأكثر خطورة بين كل المناطق التي تعمل بها قوات حفظ السلام في العالم.

انطلقت عملية “برخان” قبل عامين بين فرنسا من جهة وموريتانيا ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد من جهة ثانية، عقب نهاية عملية “سرفال” التي قادها الجيش الفرنسي في العام 2013 لصد هجومات الجماعات الإسلامية المسلحة التي سيطرت على إقليم أزواد وكانت تريد دخول العاصمة باماكو.

وخلال الفترة الماضية سجلت العملية بعض النجاحات المحدودة، تمثلت في القضاء على عدد من أبرز رؤوس الجماعات الجهادية، مثل علي أغ وأدويسين، المسؤول في فرع تنظيم القاعدة، الذي تم قتله قريبا من مدينة كيدال، التي تشهد أعنف الهجمات من المسلحين، وأمادا أغ أحمد المعروف باسم عبدالكريم الطوارقي، الذي يتهم بوقوفه وراء اغتيال الصحافيين الفرنسيين في إذاعة فرنسا الدولية شمال مالي، وإبراهيم أغ إناولين، المسؤول الميداني في جماعة أنصارالدين، والمالي عمر ولد حاماها الملقب بـ”اللحية الحمراء”، أحد أقارب مختار بلمختار، زعيم جماعة المرابطين.

وحسب وثائق المخابرات العسكرية الفرنسية، التي كشفت عنها صحيفة “لوموند” قبل أسبوع، فإن هذا العدد من الأهداف التي يطلق عليها “الأشخاص ذوي الأهمية الفائقة” في مخطط مكافحة الإرهاب لدى باريس، ليس سوى القليل من قائمة تضم 17 فردا يتم تعقبهم من لدن القوات الفرنسية الموجودة في مالي.

بيد أن بلمختار، الذي يعتقد أنه يختبئ في ليبيا، يُعد الهدف الأكبر، إذ تنسب إليه أكثر الهجمات دموية في الجزائر وباماكو وواغادوغو، وكانت غارة أميركية قد استهدفته في يونيو من العام الماضي، كما استهدفته غارة فرنسية في نوفمبر من نفس العام، لكنه تمكن من الإفلات من الموت.

تعقيدات الوضع في مالي ترتبط بالمعطيات القبلية والعشائرية، ووجود حدود مشتركة مع سبعة بلدان أفريقية، ما يعطي للجماعات المسلحة فرصا أكبر للتسلل والانتشار.

وتجد هذه الجماعات في القوات الفرنسية العدو المشترك الذي يسهّل عمليات التحالف التكتيكي في ما بينها من أجل تنفيذ هجمات أكثر دموية داخل البلدان المشاركة في عملية “برخان”، إذ يساعد التواجد الفرنسي هذه الجماعات على ترويج خطاب الحرب الصليبية ضد المسلمين، ما يمكنها من التلاحم في ما بينها على الأقل مرحليا.

ورغم بعض المكاسب التي تسعى فرنسا إلى إبرازها على الصعيد الإعلامي في حربها ضد الجماعات المسلحة في منطقة الساحل ومالي، إلا أنها تظل محدودة في غياب أي أفق للحل السياسي؛ فالجماعات المسلحة لم تنخرط بعد في أي حوار مع الحكومة المالية، ومهمة تشكيل قوات مشتركة للمراقبة الأمنية بين الطرفين تبدو اليوم هدفا بعيدا، وفي الوقت الذي كان الوجود الفرنسي يظهر وكأنه الحل الأخير لمشكلة العمليات الإرهابية، بات يبدو للمراقبين أنه جزء من المشكلات في وضع معقد، ما يجعل الأزمة في الساحل على رأس الملفات المطروحة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر