الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

رؤية العبادي والملتقى بغداد

اختيار عنوان حوار بغداد، مقدمة مفتوحة ومتحررة لطروحات سياسية وتغريد خارج طبقة الإيقاعات لفرقاء العملية السياسية، وهم في الرؤية العامة طبقة سياسية منسجمة في تموضعها داخل زنزاناتها الخاصة وامتثالها لسجنها الأكبر

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2017/01/18، العدد: 10516، ص(9)]

تحت شعار “خيارات ما بعد الانتصار”، وعلى مدى يومين، أقام المعهد العراقي لحوار الفكر بالتعاون مع مجلس النواب وجامعة بغداد مؤتمر حوار بغداد. الانتصار هنا مفردة بديلة أراد منها المُنَظِمون التأكيد والإصرار أو التفاؤل المسبق، وهذا شيء إيجابي، بنتائج ما بعد معركة الموصل أو تحرير الموصل، أي خيارات ما بعد القضاء على تنظيم داعش.

اختيار عنوان حوار بغداد، مقدمة مفتوحة ومتحررة لطروحات سياسية وتغريد خارج طبقة الإيقاعات لفرقاء العملية السياسية، وهم في الرؤية العامة طبقة سياسية منسجمة في تموضعها داخل زنزاناتها الخاصة وامتثالها لسجنها الأكبر، وتعاونها مع إدارته العليا المنغلقة داخل أسواره؛ ما بقيَ يدور حول احترام حرية الحوار مع النفس حتى لو كان هذا الحوار خارج منظومة الأوامر أو القوانين الحاكمة وإلزامية تطبيقها.

الحوار المذكور بوجهين، وجه يخاطب بمنتهى الشفافية الحاضرين وهم من المدعوين كضيوف على حكومة العراق أو المهتمين وكذلك وسائل الإعلام؛ الوجه الآخر بلا حياء أو حياة يخاطب عناصره الخاصة بتعصب ويكاشفها بحقيقته ويفرش لها نتائج تطبيقات حُكمِه. رئيس وزراء العراق حيدر العبادي وجد في الحوار فرصة لطرح رؤيته إلى المستقبل ومن 7 نقاط، وهي خطوة لمشاركة العالم كل في رؤيته لبرنامج استشرافه لغد بلاده، وخططه في خدمة تسويق الإبداع والفكر والبحث العلمي والحريات العامة والاستثمار في التعليم وبمنافسة مشروعة في التنمية الحديثة الشاملة.

حيدر العبادي يستغرب من تخوف الآخرين الذين معه في العملية السياسية من مرحلة ما بعد داعش، ولم يكتفِ بذلك، بل استعار من وجهه الآخر سـؤالا أكد فيه اتهامه للمجهولين “الذين يعرفهم كعادته” بعدم خوفهم على أهل المدن التي احتلها تنظيم داعش ومعاناتهم وعذابهم من إجرامه؛ هكذا وببساطة قام بتقسيم المجتمع ومن يؤشرهم كقيادات مع داعش أو ضد داعش، رغم أن الجميع يقاتلون على حجم قدراتهم وما سمح به العبادي وحكومته لهم أو ما سمح به الأمر بالمعروف لقادة الحرس الثوري.

35 مليار دولار هي مجمل الخسائر في البنى التحتية بسبب داعش، كما أحصاها العبادي قبل طرح رؤيته، مع إطلاق بشرى سارة على طريقة الأجهزة الأمنية بعد تغطيتها للزيارات الدينية المليونية وحماية الزائرين، في وقت تصدر فيه العام 2016 أرقام القتلى والجرحى في الاختراقات الأمنية الكبرى، وما يثار حولها من جدل يعقبه صمت القبور بعد هذيان التبريرات؛ 35 مليارا خسائر إجرام داعش وتواطؤ نوري المالكي زعيم حزب الدعوة في احتلال الموصل وغيرها من محافظات العراق المطلوبة دما لوليهم الإيراني الفقيه، 35 بالمئة من شعب العراق تحت خط الفقر، كما أعلنت ذلك برلمانية كردية أي بزيادة أو بطفرة نوعية في تنمية الفقر، مقابل نصف هذه النسبة في إقليم كردستان.

العبادي يطرح رؤيته للمستقبل، وننسى أنه يتحدث في حاضر حوار بغداد وله خيارات ما بعد الانتصار، ولكي تكتمل الرؤية ثمة إضافة "إبعاد مؤسسات ودوائر الدولة عن التدخلات السياسية والمحاصصة"

رؤية بـ7 نقاط، بدأها بـ“إعادة الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية وتمكين النازحين من العودة إلى ديارهم”. ديالى وصلاح الدين والمدن والأقضية والنواحي التي كانت منكوبة بداعش تشهد عن عدد الذين عادوا إلى مناطقهم، وخاصة من الذين تم تهجيرهم من الميليشيات الطائفية الإيرانية ونعني به التغيير الديموغرافي الممنهج وما رافقه من إبادات وإرادات مازالت تتسيد الموقف في الأماكن ذاتها، وتستهدف حتى قوى الأمن النظامية ومنها مقتل عدد من ضباط الشرطة قبل مدة قصيرة لمجرد أداء واجبهم بمنع سيارة لجهة متنفذة من المرور؛ أما عن الخدمات الأساسية فالأمراض والأوبئة وما تتناقله الوكالات عن عجز الجهات المختصة من رفع الألغام في البيوت المهدمة والشوارع ومعها أيضا الجثث المتفسخة من قتلى تنظيم الدولة الإسلامية وغيرهم، فيجعل أي حديث عن عودة الخدمات استخفافا بمصائر المواطنين، لأن الخدمات وخاصة رفع النفايات حتى في المحافظات المستقرة تعتبر مشكلة يومية.

الفقرة الثانية في الرؤية هي “الالتزام باحترام الآخر والتعايش السلمي مع جميع الشركاء في الوطن المختلفين دينيا ومذهبيا وفكريا واحترام مقدساتهم”، ودون تفصيل تبدو كلمة الآخر تتقدم من الوجه العنصري لتحتل مكانها في حوار بغداد لتؤكد لنا الاختلاف الديني والمذهبي والفكري، أما الالتزام فلا يمكن أبدا تقريره كرغبة أو إرادة طرف حاكم هو ذاته محكوم باستبداد جميع صفات الاختلاف.

الفقرة الثالثة “عدم السماح بعودة المظاهر الشاذة التي كانت سائدة في العراق في مرحلة ما قبل احتلال داعش للمدن، وهي حالة التحريض والتوتر والتخندق الطائفي والقومي البغيض على حساب المصالح العليا للبلاد”. وهنا يتحدث بصيغة الماضي وكأننا انتقلنا إلى حاضر مختلف متناسيا من كان يحكم البلاد، أليست هي الطبقة السياسية بعينها؟ ومنهم من يعترف بفسادها “دون استثناء” عندما استأثروا بالمال والسلطة والتحريض ومازالوا، هل ثمة مصالح عليا في بقية ما تبقى من البلاد؟

رابعها “عدم السماح لداعش وأي تنظيم إرهابي وإجرامي بالعودة من جديد والتغطية عليه في المدن المحررة أو السماح بنمو خلايا إرهابية”. لنقرأ كم مرة وردت الأوامر بـ”عدم السماح” لندرك قيمة الرؤية في البراءة من الدولة الفاشلة عندما تتصور الحكومة أو النظام السياسي أنهما قادران على ترجمة إرادتهما اللغوية في واجهة الرؤية، وهي تعاني من انفصام شبه تام بينها وبين وجهها الآخر، ثم إلصاق الإجرام بأي فرد أو مجموعة وحتى الإرهاب لا يحتاج لقانون أو قضاء أو إجراءات، فالتهم الكيدية أو المداهمات أو الاختطافات وما يتبعها من تطورات إلى استخدام حتى السلاح الجوي لمجرد الاشتباه.

الفقرة الخامسة في الرؤية “إقامة علاقات حسن جوار مبنية على المصالح المشتركة مع دول الجوار والإقليم”. واضح أين تتجه بوصلة جودة العلاقات مع دول الجوار ومعها المصالح المشتركة إلى درجة أن العراق أصبح لسان إيران وحنجرتها ووسيطها وجاسوسها في كل اجتماع عربي، ومازال العرب يتعاملون مع حكامه كقادة لدولة عربية، وبالأمس فقط تابعنا تصريحات زعيم حزب الدعوة الحاكم وتجاوزه على أبسط الأعراف الدبلوماسية بين الدول وإعلانه المستمر عن جاهزية حشده الطائفي لأي مهمة خارج الحدود العراقية، وفي أي دولة عربية حسب أوامر المرشد.

الرؤية السادسة “حصر السلاح بيد الدولة وإلغاء المظاهر المسلحة بشكل نهائي”، وفعلا حصرت الدولة السلاح بيد الميليشيات الطائفية، وأقرت لها قانونا لإدامة المظاهر المسلحة بيدها وهي ذات يد الدولة؛ معالجة تبناها الوجه الآخر من حوار بغداد ورؤية حيدر العبادي.

سابعا وعلى وفق طلاسم الرقم 7 في تاريخ حضارات وادي الرافدين والإنسانية أيضا “الاستمرار بكل قوة وعزيمة وبتعاون الجميع لمحاربة الفساد بجميع أشكاله وصوره لأنه أكبر حاضنة للإرهاب والجريمة”. المنظمات المعنية، والأميركية منها على وجه الخصوص، تعرف أسرار المشاريع الوهمية والتعاقدات والسرقات والملكيات الشخصية التي لا تداريها كشوفات الذمم المالية لكل المسؤولين، ولا من أين لك هذا، أو قانون العيب الذي تبناه في يوم ما الرئيس المصري أنور السادات مستلهما إياه من رواية للأديب سهيل إدريس بنفس العنوان؛ العراق في قائمة أفقر الدول وأسوأ بلدان العالم في معايير الأمن والجريمة والصحة والتعليم، ويتذيل قائمة حقوق الإنسان، لكنه للأمانة يتصدرها في الفساد المالي واستمراره.

رئيس الوزراء يطرح رؤيته للمستقبل، وأنا أنسى أنه يتحدث في حاضر حوار بغداد وله خيارات ما بعد الانتصار، ولكي تكتمل الرؤية ثمة إضافة وهناك دائما من يحب أن يضيف “إبعاد مؤسسات ودوائر الدولة عن التدخلات السياسية والمحاصصة”. الرؤية مستمرة والإبعاد مستمر؛ وملتقانا بغداد.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر