الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

'الأيدي القذرة' في السياسة

الإسلام السياسي لم تتح له المدة الكافية التي تسمح له بفرض الطاعة على الناس وتمرير اختياراته المذهبية. فقد كان المحيط الاجتماعي في تونس وفي مصر غير متهيئ لقبول نظام سياسي مستبد محتكر للدين وناطق باسمه.

العرب د. إبراهيم بن مراد [نُشر في 2017/01/19، العدد: 10517، ص(9)]

تستعمل “اليد” في سياقات خطابية كثيرة مختلفة الدلالات: فهي تدل على السخاء في قولنا “اليد الطويلة”، لكن الاستعمال نفسه قد يدل على السرقة والاختلاس؛ وتدل على الإعانة والدعم في قولنا “اليد اليمنى”، وعلى البراءة من الفساد في قولنا “اليد النظيفة”.

وكثيرا ما يستعمل هذه العبارة الأخيرة السياسيون في حديثهم عن براءة ذممهم من الفساد، وقد يقرنونها بنظافة “الجيب” أيضا في حديثهم عن خلو جيوبهم من المال الفاسد.

ومن الاستعمالات التي شاعت في النصف الثاني من القرن العشرين مصطلح “الأيدي القذرة”، وقد أشاعه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بمسرحية فلسفية سياسية تحمل العبارة نفسها، نشرت سنة 1948 ومُثلت على المسرح في السنة نفسها. وتجري أحداثها بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية في بلد واقع في الكتلة الشيوعية اخترع له سارتر اسم “إلّيريا ” (Illyrie)؛ يحكمه حزب شيوعي هو “الحزب البروليتاري” ويرأسه زعيم دكتاتور مستبد لا يجد حرجا في القتل وسفك الدم اسمه هوديرر (Hoederer)، ولهذا الزعيم كاتب خاص مثقف شاب من وسط بورجوازي اسمه هوغو (Hugo) التحق بالحزب لإيمانه بمبادئه واختياراته المذهبية، وتشاء قيادة الحزب بإيعاز من قوة أجنبية التخلص من الزعيم بعد اتهامه بـ“الانحرافية” والتقرب من اليمين القومي، فتختار هوغو للقيام بالمهمة، فيقوم هذا باغتيال هوديرر، ويعاقب على فعله بسنتين سجنا.

ولكنه بعد خروجه من السجن يكتشف أن الحزب قد برّأ الزعيم المقتولَ وأعاد له اعتباره، ويتبيّن له أن ما قام به من اغتيال لم يكن بإرادة منه ولا باختياره بل كان “تنفيذا لتعليمات”، ورغم ذلك فإنه لم يُبرأ من الاتهام بالقتل، ويـُخير بين أن يجعل من سبب جريمته الدفاعَ عن الشرف فيبقى في الحزب، وأن يتمسك بإثبات تهمة الاغتيال على نفسه فيُتَخلص منه، فيتمسك بتهمة الاغتيال ويقضي على نفسه بالموت.

من أهم فقرات المسرحية وأقواها دلالة قول هوديرر لهوغو “كم أنت متشبث بنقاوتك أيها الشاب الصغير! كم أنت خائف من أن تُقذر يديك. فلتبق نقيا إذن! ما فائدة ذلك؟ ولماذا أتيتَ إلينا؟ إنما النقاوة فكرة درويش أو راهب، وأنتم المثقفون والفوضويون البورجوازيون تتخذونها ذريعة كي لا تفعلوا شيئا (..). أما أنا فإن لدي يديْن قذرتين إلى الكوعين. لقـد غمستهما في الـخُرْءِ وفي الدم”.

وللمسرحية أبعاد فلسفية وسياسية عميقة تعبر عن آراء سارتر في جملة من القضايا السياسية المتعلقة بمظاهر منها ما لا يزال قائما إلى اليوم. ومن هذه المظاهر نظم الحكم الاستبدادية التي توصف بـ”الكُليانية” والتي تسيّرها إرادة حزب واحدٍ مفرد مؤدْلَجٍ أو غير مؤدلج، أو إرادة حاكم عسكـري أو إرادة فقيه أو “مرشد” باسم الدين، وقد تتظاهر هذه الأنظمة اليوم باتباع التقاليد الديمقراطية في الحكم لكنها في جوهرها ضد الديمقـراطية وضد تطبيقها، وليس ما تتظاهر به من ديمقراطية إلا أقنعةٌ تتستر خلفها أو قشور تتدثر بها ليُبدي ظاهرها ما يخفيه باطنُها.

ولذلك فإنّ أيدي قادتها وقادة أحزابها المنفردين بالسلطة غالبا ما تكون أيْدِيًا قذرة إلى الأكواع. وينتج عن ذلك ما حدث في مسرحية سارتر من اغتيال سياسي ومن فساد في الحكم. وقد عرفت البلاد العربية النظام العسكري، ونظام الحزب الـواحد المؤدْلج وغير المُؤَدْلَج، والنظام الديني المؤدلج وخاصة مع الإسلام السياسي في مصر وفي تونس.

وهذه الأنظمة كلها ما كانت تنطلق من الواقع الذي تعيشه الشعوب والمجتمعات التي تحكمها لتغييره بالخروج به من السلبي إلى الإيجابي، بل كانت تنطلق في المقام الأول من قناعاتها السياسية الأيديولوجية لتطبيقها على المجتمع وفرضها على الناس.

ولكنها مع ذلك كانت تتفاوت في تعاملها مع السلبي والإيجابي في حياة المجتمع تفاوتا فرضته رؤاها الأيديولوجية إلى العالم: فهي إما رؤية تقدمية إذا كان الحزب المطبق للنظام علمانيا يستشرف المستقبل ويسعى إلى أن يتقدم بالمجتمع إلى الأمام، وإما رؤية “ماضوية” إذا اعتنق الحزب الإسلام السياسي خيارا مذهبيا، وصاحب الرؤية “الماضوية” لا يعنيه الانتقال بالمجتمع إلى مستقبل أفضل من الحاضر بقدر ما تعنيه العودة به إلى الماضي والأخذ بمقولات السلف في تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

ولم يَخْلَ سلوك الصنف الأول من الأحزاب من اعتماد الوسائل العنيفة لفرض الطاعة لها وفرض اختياراتها على الناس، وقد تقذّرت من أجل ذلك أيد كثيرة فيها.

أما الإسلام السياسي فلم تتح له في الحكم المدة الكافية التي تسمح له بفرض الطاعة على الناس وتمرير اختياراته المذهبية. فقد كان المحيط الاجتماعي في تونس وفي مصر غير متهيئ لقبول نظام سياسي مستبد محتكر للدين وناطق باسمه وكأن الدين ليس لله بل لبعض عباده، ثم إن النظام في البلدين قد ارتكب من الأخطاء الجسيمة من أجل التمكين والاستمرار في الحكم ما يُنبئ بما سيكون عليه المُسْتَقْبَل، فعجل ذلك برفض الناس له وإخراجه من الحكم.

والأخطاء الجسيمة التي ارتكبها الإسلام السياسي في تونس كثيرة، ومنها ما أصبح موضوع تندر على ألسنة التونسيين وأقلامهم. منها السياسي الذي أدى إلى انتشار الإرهاب في البلاد وإلى تصديره؛ ومنها الأمني الذي أدى إلى ممارسة الاغتيالات وخاصة الاغتيال السياسي؛ ومنها الاقتصادي الذي أدى إلى تكثيف الاقتراض من الخارج لسد ما وقعت فيه الدولة من العجز نتيجة التوظيف العشوائي وفتح خزينة الدولة للتعويضات؛ ومنها الثقافي الذي أدى إلى محاولةِ توجيه هوية التونسيين توجيها جديدا على أسس دينية، وإلى توافد الدعاة الدينيين على البلاد مبشرين بأفكار غريبة على المجتمع، وإلى انتشار الخيام الدعوية والمساجد المنفلتة التي تكفر من تشاء وتمنح الإيمانَ لمن تشاء؛ ومنها الاجتماعي الذي أدى إلى التبشير بوعود ومشاريع تنموية وهمية في الجهات المحرومة.

وقد بدأت الأخطاء منذ قبِل زعيم النهضة أن يشبهه أصحابه بالرسول (ص) عندما استقبلوه في المطار بـ“أقبل البدر علينـا”، ثم يوم تشبه به أيضا فقال في خطاب له أمام جماعته عن منتقديه ما قاله الرسول يوم فتح مكـة لمن كانوا قد ناوؤوه من قريش “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، وفي تشبّهه بالرسول إشعار بأنه فوق الخطإ والمحاسبة لأن ما يفعله إنما يفعله باسم الدين وانطلاقا من منزلته الدينية بين أصحابه، وقد كان يهيّئ نفسه ليصبح “المرشد العام” الذي تُسير البلاد بهديه وبتوجيه من حكمته.

وعدم الاعتراف بالخطإ ورفض المحاسبة من خصائص النظم الاستبدادية التي لا يعجز قادتها عن إيجاد التبريرات للخطإ مهما يكنْ كبيرا، وفي ذلك تأكيد لمقولة إن يد السياسي لا يمكن لها أن تكون إلا قذرة. وقد مر على انتقال الحكم عن الجماعة أكثر من سنتين.

وعوض أن يسمع الناس اعتذارهم عن الأخطاء التي أدت بالبلاد إلى ما هي عليه، فإنهم مازالوا يلحون في الـدفاع على ما قاموا به، ومازال أنصارهم وأتباعهم يكيلون في صحافتهم وعلى المنابر للمنتقدين التهم بالتحريف والمغالطة والتجني والعنصرية والاستئصال، بل قد يبلغ الرد درجة التهديد: فإن على التونسيين أن يختاروا أحد أمرين: إما التوافق معهم وعدم إقصائهم من السلطة وإما الحرب الأهلية، وهم سيحاربون من أجل استرجاع السلطة، فإذا استرجعوها بالحربِ استطاعوا غمس أيديهم في ما كان زعيم إلِّيريا يغمس فيه يديه إلى الكوعين.

كاتب وجامعي تونسي

د. إبراهيم بن مراد

:: مقالات أخرى لـ د. إبراهيم بن مراد

د. إبراهيم بن مراد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر