الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

أنت السبب

تكاد مدينة بيروت الساحلية ومدارج مطارها الدولي تشبه تلك المدينة الأميركية في فيلم “هيتشكوك” من حيث تعرضها غير المسبوق لحركة نشطة من النوارس.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/01/20، العدد: 10518، ص(17)]

“في مدينة صغيرة اسمها بوديغا باي أمور مرعبة تحدث.. رؤية من رعب غير معقول.. عليك أن تشاهد بنفسك لكي تصدق”، هي الكلمات التي تتصدر الشريط الترويجي لرائعة “الطيور” للمخرج السينمائي ألفريد هيتشكوك المُلقب بـ”والد أفلام الرعب”.

اليوم، تكاد مدينة بيروت الساحلية ومدارج مطارها الدولي تشبه تلك المدينة الأميركية في فيلم “هيتشكوك” من حيث تعرضها غير المسبوق لحركة نشطة من النوارس، التي قال عنها مؤخرا أمين سر نقابة الطيارين اللبنانيين “مُخيفة وتختلف عن كل سنة”.

جاء كلامه واضحا ليدحض به محاولات تخفيف حجم الخطر الذي يتهدد سلامة الطيران من قبل المعنيين اللبنانيين المستغرقين في محاولة تبرئة مطمر الكوستا برافا من مسؤولية تزايد الطيور.

العديد من المواطنين لاحظوا مؤخرا ازدياد حجم طيور النوارس من جراء الولائم الشهية التي تقدم لها بكرم لا يبدو أنه ستكون له حدود في المدى القريب أو البعيد، وقد انعكس ذلك التردي البيئي في لوحات قدمها فنانون تشكيليون لبنانيون على مدى السنتين السابقتين، عندما قاموا بإدخال هذه النوارس “الما فوق واقعية” إلى فضاء لوحاتهم، وهي تقتات من موائد الفساد على الشاطئ اللبناني، أو تعبر سماء تختنق بالتلوث. نذكر من هؤلاء الفنان حسان الصمد وأسامة بعلبكي وبول كوبليان.

وتبقى لوحات حسان الصمد الأروع في هذا المجال، والتي قدمها ضمن معرض حمل عنوان “وفي اليوم الثامن”.

في فيلم هيتشكوك تصاعدت وتيرة الخطر المُحدق من الاستخفاف بحركة طيور النوارس إلى مواجهة أعنف مع غربان قاتلة هشّمت وجوه أهل المدينة وأدت إلى تشتتهم خارج مدينتهم، أما في بيروت فقد تجلى هذا الاستخفاف باكتفاء المسؤولين حتى الآن بمواجهة الآثار بدلا من إزاحة الأسباب، وذلك باعتماد أجهزة طرد الطيور عبر بث أصوات منفّرة لهم بدلا من إيجاد حل لأزمة النفايات.

يُشكك الخبراء في جدوى هذه الأجهزة مع طيور النوارس الذكية التي ستعتاد من دون شك على الصوت، لتعود فتعترض مسار الطيارات المُقلعة كما حدث مؤخرا مع إحدى طائرات شركة “طيران الشرق الأوسط”.

وإذا كان النشاط غير الاعتيادي للنوارس ومن ثم باقي الطيور في فيلم هيتشكوك يعود إلى أسباب ظلت مجهولة حتى آخر الفيلم، فإن جنون “النوارس” في بيروت معروفة أسبابه وأسياده في خضم “ما فوق واقعية” اعتاد فصولها اللبنانيون كجزء من سياق طبيعي لا مفر منه.

النسخة البيروتية، ومن دون شك، تتخطى نسخة هيتشكوك، لأن معرفة أسباب هيجان النوارس لم تخفض من وتيرة التشويق في البلد، بل صعدت من وتيرته وأوجدت امتداده في صور تخيلية وأعمال فنية مختزلة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

هناك وجه شبه آخر، يتجلى في كون الفيلم لا يقدم أي حلول للمشكلة ولا أي سبيل للفرار من الطيور القاتلة، إلا عبر الفرار من المدينة،. الفوضى هي سيدة الموقف في النسختين البيروتية والهيتشكوكية.

ما يزيد الطين بلّة أن هيتشكوك احتار لفترة في كيفية إنهاء الفيلم ليتركه مفتوحا على كل الاحتمالات، أي تماما كما يحدث في بيروت، المدينة الأجمل عالميا، لأنها مفتوحة على كل الاحتمالات.

الأروع والأطرف في كل ذلك، إذا جاز الكلام عن الروعة والطرافة أمام أزمة يعتبر لبنان في غنى عنها، هو أن في فيلم هيتشكوك توجّه إحدى السيدات التي فقدت صوابها من الرعب أصابع الاتهام إلى بطلة الفيلم قائلة “أنت السبب!”، أي السبب وراء جنون الطيور.

وفي حين وجد معظم النقاد السينمائيين أن نشاط الطيور في الفيلم يرمز إلى احتدام الرغبة الجنسية في مدينة نعمت بهدوء غير منطقي لفترة طويلة جدا من الزمن، فإنه في المقابل لا يمكن اعتبار الغريزة الجنسية هي المحركة لخفقان النوارس بالقرب من مطار بيروت، وهي بشكل مؤكد ليست مجرمة في قدومها للموائد التي تدعى إليها، فالمسؤولون وغرائزهم المعلومة “هم السبب”!

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر