الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

ندوة في بغداد عن أسباب تراجع الإقبال على المجلات الثقافية

أزمة التلقّي والقراءة أصابت الإنتاج الثقافي بالتراجع وتسبّبت في غياب العديد من المجلات الرصينة، وكذلك عدم وجود دعم للإصدار بصورة منتظمة.

العرب علي لفته سعيد [نُشر في 2017/09/14، العدد: 10751، ص(15)]

حين تكون الثقافة سلعة منافسة ضعيفة أمام سلع أخرى

حاولت ندوة أقامتها مؤسسة المدى للثقافة والإعلام في بغداد تحديد أسباب تراجع مستوى القراءة والتلقي للمجلات الثقافية وإغلاق العديد منها، بعد أن وجدت نفسها محاصرة بقلة التلقي وانخفاض الدعم الحكومي وتراجع اهتمام الحكومات المتعاقبة بالثقافة ككل، علاوة على انهيار أسعار النفط، وهو ما أثر بشكلٍ مباشر في استمرار هذه المجلات. وتوصلت الندوة إلى عدد من الخطوات يمكن من خلالها معالجة حالة التدهور التي أصابت المجلات الثقافية.

الندوة النقاشية كانت بحضور العديد من رؤساء تحرير المجلات الثقافية وعدد من الكتاب والصحافيين والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي العراقي، وقد جاءت هذه الندوة ضمن برنامج المؤسسة الذي تطلق عليه عنوان “نحاور”، وهدفت من خلاله إلى مناقشة الإنتاج الثقافي الورقي، سواء ما كان منه مجلات أو صحفا يومية وأسباب تراجع مبيعاتها وإغلاق بعضها، وذلك للوقوف على أسباب ذلك، ومحاولة طرح البدائل والحلول.

في البدء كانت الكلمة لمدير الندوة، وهو رئيس القسم الثقافي في صحيفة “المدى”، الناقد السينمائي علاء المفرجي الذي قال “إن غياب المجلات الثقافية عن الصدور أو تراجع أعداد نسخها المطبوعة، ليس ظاهرة عراقية فحسب بل عربية أيضا”.

وأضاف المفرجي “علينا دراسة أسباب ذلك إن كانت تعود إلى السوشيال ميديا واهتمام الشباب بهذه التقنيات التي توفر لهم الوقت والمال والاطلاع على أكبر قدر ممكن من المعلومات اليومية غير المرتبة على العكس من المجلات أو الصحف التي تحتاج إلى شراء، وتخصيص وقت للاقتناء، أم هي متأتية من عدم تقديم هذه المجلات لما هو جديد على مستوى العالم والثقافة، وأنها لم تعد تناسب استيعاب التطور الثقافي والتكنولوجي؟ أم بسبب أن المراكز الثقافية العربية التي تصدر عنها هذه المجلات لم تعد فعالة وهي في طريقها إلى الغياب، بسبب التحولات السياسية في العالم العربي، وكذلك الصعوبات الاقتصادية؟”.

المجلات الثقافية العربية مهددة بالانقراض ولا حل أمام القائمين عليها سوى تجديد طرق العمل بما يتماشى مع التطور التقني

ويطرح المفرجي رأيا آخر مفاده أن الحكومات لا تزال تسيطر على عملية إصدار المجلات والصحف لتحولها إلى مواضيع مؤدلجة لم يعد القارئ يطيقها. ويعيد ذاكرةً ليست ببعيدةٍ حين كانت المجلات الثقافية ذات رواج كبير في الشارع العربي، مثل “الأقلام العراقية” و”الفيصل السعودية” و”دبي الثقافية” و”الآداب البيروتية” و”الفكر العربي”، وغيرها من المجلات التي كان الجميع ينتظر صدورها.

ربما كانت هذه الأسباب التي طرحها المفرجي كفيلةً بطرح الحاضرين المشاركين لأسباب أخرى أو تأييدهم لما تم ذكره. فقد قال رئيس تحرير “مجلة الأقلام” القاص والروائي عبدالستار البيضاني “إن هذه الأسباب تحتاج إلى تحليلٍ للوصول إلى معرفة الجواب”، مؤكدا أنه لا أحد ينكر وجود تراجعٍ سواء على مستوى القراءة من قبل المتلقّين أو على مستوى الإصدار ذاته لعدم مواكبته للعصر. وأعطى مثالاً أن مجلة عراقية مثل الأقلام التي تصدر في العراق كانت تطبع خمسة آلاف نسخة، وكانت تنفد من الأسواق في الأيام الأولى، ولكن الآن صار العدد أقل من 500 نسخة، وهي لا تنفد.

وأشار البيضاني إلى أن أزمة التلقّي والقراءة أصابت الإنتاج الثقافي بالتراجع وتسبّبت في غياب العديد من المجلات الرصينة، وكذلك عدم وجود دعم للإصدار بصورة منتظمة. ويلفت الانتباه إلى مجلة مثل “ألف باء” في ثمانينات القرن الماضي، إذ كانت فيها 10 صفحات ثقافية، وكان الكتاب كثيرين، وكان هناك تحرج من نشر المواد، لأنها جميعاً تستحق النشر، ولكن بعض المجلات الآن تخصص صفحتين فقط، وهناك معاناة في نشر المواد التي تصل إليها وهو أمر مرتبط أيضا بأقدم مجلتين للأطفال وهما “مجلتي” و”المزمار”.

وقد أجمع الحاضرون من خلال تجربتهم على أن سبب قلّة الدعم والتمويل فضلا عن انتشار التقنيات الحديثة، أحد أهم الأسباب التي تقف وراء غياب المجلات، لكن الأمر لا ينحصر في هذا الجانب. وهو ما أكده الصحافي جمال العتابي، إذ لا يرى في تراجع الدعم السبب الوحيد لتراجع المجلات، مؤكدا وجود مجلات عربية تموّل بشكلٍ جيد، لكن قراءها تراجعوا بسبب التوجه نحو المواقع الإلكترونية.

من جهته تحدث رئيس تحرير مجلة “آفاق أدبية” الشاعر سلمان داود محمد عن غياب دعم الدولة ومنها وزارة المالية، كونها قلّصت التخصيصات أو السلفة التشغيلية للمجلة، مما أدى إلى تقليص الإصدار من شهري إلى فصلي ثم إلى ثلاثة أعداد في السنة الواحدة، فضلا عن تقليص عدد صفحات المجلة. ويؤكد أن الحكومة العراقية غير معنيةٍ بالواقع الثقافي من الأساس والجميع يعرف ذلك.

جميع المشاركين أكدوا على العديد من الأسباب واستمرت المناقشة أكثر من ثلاث ساعات لقضية تتجاوز كونها عراقية بل هي عربية أيضا، لتستخلص الندوة العديد من التوصيات قال عنها الناقد علاء المفرجي بأنها الحلول المرجوة لإعادة الروح إلى هذه المجلات الثقافية. أولها: دعم الدولة لإصدار المجلات الثقافية، وتبويبها بما يلائم حاجات المتلقي، وزيادة الحوافز والمخصصات الممنوحة للمثقفين المساهمين بها من كُتاب وغير ذلك، إضافة إلى إعادة النظر في طبيعة المجلات الثقافية، من حيث التقييم والتبويب.

كما أوصى المشاركون بالتركيز على أهمية التعامل مع المجلات الثقافية وبخاصة المجلات التابعة للدولة باعتبارها كيانات مستقلة، من حيث الكادر الفني وكادر التحرير، علاوة على ضرورة الاهتمام بتسويق المجلات الثقافية وصنع نظام تسويقي خاص بها. كما أوصى الحاضرون بضرورة الاهتمام بإدارات هذه المجلات إن كانت مجلات حكومية أو مجلات قطاع خاص، حيث يتم اختيار الأشخاص المختصين للوقوف عليها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر