الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

رحيل بيتر هول عملاق المسرح البريطاني

  • الكثير من المسرحيين العرب اليوم تأثروا بالواقع المليء بالحروب والعنف، فأنتجوا أعمالا شبيهة بما أنتجه فنانو أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة ما تعلق منها بالعبث، أو ما يعرف بـ”مسرح العبث”، الذي تبلور بشكل مختلف خاصة مع المخرج البريطاني بيتر هول.

العرب محمد يوسف [نُشر في 2017/09/14، العدد: 10751، ص(14)]

الأب الروحي للفنانين الشباب

نعت الأوساط الثقافية والفنية البريطانية رحيل الفنان والمخرج المسرحي بيتر هول مؤسس فرقة “شكسبير الملكية”، والذي توفي الثلاثاء عن عمر ناهز 86 عاما. وقد وصفت الهيئة البريطانية الراحل بـ«ذائع الصيت أثر على الحياة الفنية في بريطانيا القرن العشرين تأثيرا لا يضاهيه مثيل».

عملاق المسرح

منذ البدايات لفت بيتر هول الأنظار إليه مع تقديمه لأول عرض مسرحي في بريطانيا لرائعة صموئيل بيكيت “في انتظار غودو” عام 1955 على “مسرح الفنون” في لندن.

المسرحية تمثل من أولها إلى آخرها حلقة مفرغة تتحرك فيها قصة انتظار لا طائل منها، إذ تدور الأحداث حول شخصيات عدمية ومهمشة، غارقة في العزلة تنتظر شخصا، أو هكذا يبدو لنا، يدعى غودو، ليغيّر حياتهم نحو الأفضل. وتعد هذه المسرحية من الأعمال المؤسسة للمسرح العبثي، إذ تكتنفها نزعة سوداوية وسخرية متناهية، تتكثف باستخدام التلاعب بالألفاظ أو بأحداث التوتر. وهي من الأعمال التي أثرت كثيرا في أغلب المسرحيين العالميين وحتى العرب أنفسهم.

تواصلت مسيرة هول بنفس الزخم الذي جعل منه رائدا من رواد المسرح البريطاني المعاصر. فقد أسس وهو في عمر التاسعة والعشرين فرقة “شكسبير الملكية”، التي تعتبر أبرز الفرق المسرحية البريطانية الحديثة، نظرا إلى التمازج الناجح الذي حققته بين المسرح الكلاسيكي والمسرح الحديث، إذ قدمت للمسرح البريطاني الكثير من الأعمال المؤسسة لمشهد مسرحي يقوم على التواصل بين القديم والجديد، وبقيت الفرقة تحت إدارته حتى سنة 1968.

كان بيتر هول مؤمنا بدور المسرح وأهميته في مناصرة القضايا المحقة وكان شديد الإيمان بالمسرح كأداة أصيلة للتغيير

وبعدها شغل هول منصب رئاسة “المسرح الوطني البريطاني” بين عامي 1973 و1988، وتمكن خلال هذه المدة من تحقيق رؤيته في تشكيل نسيج مسرحي فريد يمنح الفرصة للشباب والمواهب ويقدم للعالم رؤى جديدة للتراث المسرحي الكلاسيكي. وقد أنتج المسرح الوطني في عهده أكثر من 300 عمل مسرحي.

وبعد هذه المرحلة انطلق هول في إنشاء عدد من الفرق المسرحية منها فرقة “بيتر هول”، خالقا بذلك حراكا مسرحيا هاما ومؤسسا لمشهد مغاير تماما مانحا الأجيال الجديدة فرصة للتعبير عن رؤاها، وتقديمها جنبا إلى جنب مع الأعمال الكلاسيكية المهمة. إذ عرف هول بدعمه اللامحدود للفرق الفنية الناشئة وللفنانين الشباب.

وقد لقب هول بـ”عملاق المسرح البريطاني”. ولد لعائلة فقيرة سنة 1930، وشغف بالمسرح منذ الطفولة خاصة مع سماعه لأعمال موزارت، وفي سن المراهقة أيضا، قبل أن يحصل على منحة لدراسة المسرح في “كامبردج”.

وبعد التخرج، بدأ مشواره الفني كمخرج مساعد منذ عام 1954، وتزوج من النجمة الفرنسية ليزلي كارون عام 1956 قبل أن ينفصلا بعدها بتسع سنوات.

امتدت تجربته الاحترافية على مدار نصف قرن حافل بالعطاء وبالاشتغال على مسرحيات أضحت من أيقونات الكتابة المسرحية في القرن العشرين فقدم أعمالا عرفها المشاهد وبقيت في ذاكرته ووجدانه كـ”الأرض الحرام” و”العودة للوطن” لهارولد بنتر، و”أماديوس” لبيتر شافر.

كذلك قدم للعالم الكثير من الممثلين الذين عملوا تحت إدارته وأضحوا نجوما وصلت شهرتهم إلى أصقاع العالم، نذكر منهم جوني دنش وفانيسا ريديغريف وأنتوني هوبكنز ولورانس أولييفيه وداستن هوفمان، وكثيرون غيرهم.

الشغف الموازي للمسرح عند السير هول كان الولع بالأوبرا، فعرف هول كواحد من أهم صناع الأوبرا في عاصمة الضباب، فكان مخرجا للعديد من الإنتاجات، منها أعمال لفاغنر وموزارت على وجه الخصوص.

كما أنه شغل منصب المدير الفني لمهرجان “غليندبورن للأوبرا” بين 1984 و1990 والتي عرفت بالسنوات الذهبية للمهرجان الأوبرا الشهير. وقدم أعماله في ما يزيد عن خمسين دارا للأوبرا حول العالم.

السير بيتر هول، كما يلقب أيضا في بلاده، كان مؤمنا بدور المسرح وأهميته في مناصرة القضايا المحقة

أكتاف عملاقة

كان “السير بيتر هول”، كما يلقب أيضا في بلاده، مؤمنا بدور المسرح وأهميته في مناصرة القضايا المحقة، وكان شديد الإيمان بدور المسرح كأداة أصيلة للتغيير. وبجانب عمله الإخراجي الذي جعله يحظى باهتمام واحترام قل نظيرهما، كان هول كاتبا ومنظرا للمسرح فأصدر أحد عشر عنوانا نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر “المسرح الضروري”(1999)، و”ظاهرا بالقناع” (2000)، و”نصيحة شكسبير للممثليين”(2003).

وفي عام 2011، أصيب بيتر هول بفقدان الذاكرة أو ما يعرف بالخرف، لكنه اليوم يثبت لمجايليه وطلابه ومتابعيه أن الأثر الذي تركه سيمكث طويلا في ذاكرة الفن المسرحي الذي وهبه الراحل معظم سنين حياته عملا وتأليفا وتنظيرا وحياة.

وقد علق الكاتب المسرحي البريطاني السير ديفيد هير حول خبر رحيل هول قائلا «بيتر هول لم يكن المعماري الرئيسي لمسرح مرحلة ما بعد الحرب فحسب، إنما هو المؤسس لفرقة مسرح شكسبير الملكية والمسرح الوطني البريطاني، لكنه في المقام الأول كان هو من أصر على أن المسرحيات الجديدة تنتمي إلى العروض الكلاسيكية، مانحا الأعمال الشابة والطليعية ذات المنزلة وذات المسارح التي تعرض عليها الأعمال الكلاسيكية. لقد كانت فكرته هو في عرض مسرحيات هارولد بنتر إلى جانب أعمال شكسبير. إن كل كاتب مسرحي بريطاني يدين له بذلك».

وبدوره قال مدير المسرح الوطني البريطاني روفوس نوريس في بيان له ”نقف جميعا على أكتاف العمالقة، ولقد دعمت كتفا بيتر هول المسرح البريطاني بأكمله كما نعرفه اليوم“.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر