الاربعاء 17 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10872

الاربعاء 17 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10872

حوار مع الشاعر جيمي سانتياغو باكا: أميركا التي لي

  • جيمي سانتياغو باكا شاعر أميركي من أصول هسبانيّة وأميركية أصليّة، ولد في 1952. تخلّى عنه والداه وهو في الثانية من عمره، فتعهدته جدته بالرعاية عدة سنين، قبل أن تودعه للعيش في ميتم. يهرب من الميتم وهو في الثالثة عشرة ليعيش حياة الشوارع، حتى يُقبَض عليه وهو في الحادية والعشرين من عمره بتهمة حيازة المخدرات، فيقضي في السجن ست سنين ونصف السنة، ثلاثة منها في عزلة مشددة. هناك، في زنزانته الصغيرة علّم نفسه القراءة والكتابة وبدأ في نظم الشعر. كان يبيع تلك القصائد لزملائه مقابل السجائر. وفي لحظة ما، أقنعه أحد رفاقه السجناء بأن يرسل بعض ما يكتبه إلى مجلة “مَذَرْ جونز” التي كانت تشرف على تحريرها، آنئذ، الشاعرة المرموقة دنيس ليفرتوف؛ فلم تتوان ليفرتوف البتّة، آن قرأت تلك القصائد، عن نشرها فورًا، ثم ما لبثت أن راحت تراسل باكا باحثةً له، بعد ذلك، عن ناشر لكتابه الشعريّ الأول “مهاجرون في أرضنا نحن” الذي سرعان ما تلقفه النقاد بمديح كبير. وفي العام 1987 نالت سيرته الملحميّة المنظومة شعرًا “مارتن والتأملات في الوادي الجنوبيّ” “جائزةَ الكتاب الأميركي”، في فئة الشعر فذاع صيته ليحصل في العام 1989 على “جائزة التراث الهسبانيّ في الأدب”. من كتبه الأخرى: هزّات أرضية شافيه (2001) وأضرم النار في هذا الكتاب (1999) وفي طريق الشمس (1997) وقصائد الهضبة المستوية السوداء (1995) وقصائد مستلّة من فناء بيتي (1986) وما الذي يحدث (1982). كما كتب سيناريو فيلم، قائم على تجربته الحياتية، بعنوان “محكومون بالشرف”، الذي أصدرته هوليوود في العام 1993 بعنوان “دمٌ داخل ودمٌ خارج” من إخراج تيلر هاكفورد. وصدرت له في العام 2009 روايته “كأس ماء”.

العرب  [نُشر في 2018/01/14، العدد: 10869، ص(13)]

جيمي سانتياغو باكا: اللغة وسيلة للحفر في جبل الحياة

الجديد: تخلى عنك أبواك حين كنتَ في الثانية من عمرك، وفي سن الثالثة عشرة هربت من الميتم، لتعيش حياة الشوارع، ثم يحكم عليك -وأنت في الحادية والعشرين- بتهمة حيازة المخدرات، فتودع السجنَ المشدد، حيث تعلمّت هناك القراءة وبدأت في كتابة الشعر. هل لك أن تستفيض في الحديث عن هذه التجربة، وكيف “أنقذك” الشعر من ذلك “العالم”؟

سانتياغو باكا: لا شيء ينقذك من أيّ شيء البتّة. منحتني الكلمات منظورًا أرى من خلاله، فأحظى بوجهة نظر مختلفة. لقد تعلّمت لأرى الأشياء على نحو مختلف. إنّ فكرة “أن يُنقَذ المرء” -الفكرة برمّتها- مفهوم نخبويّ، وهراء لفظي في حدود اللياقة الأدبية أو الكياسة السياسية. يتوجب عليك أن تعمل جاهدًا لتشبّ وتكبر، أن تناضل كي تتعلم كيف تتعامل مع المواقف بطريقة مختلفة، “أن تُنقَذ” من مرض مزمن لفكرة أن يولد المرء من جديد التي يستخدمها المسيحيون لتبرير تزمّتهم وتعصبّهم الأعمى.

لست يائسًا وحزينًا. فأنا أكتب الآن، ولقد كتبت طيلة أربعين سنة، ولقد تجنّبت الشلليات الأدبية لأكون شاعرًا، فالشعراء لا يتزلّفون ولا يتملقون أنفسهم أمام أقرانهم الأدباء، إنهم يكتبون ومنهمكون في الحياة بكامل جوارحهم ضاربين الصفح عن أن يكونوا مشهورين أو ذائعي صيت أو أيّ شيء من هذا القبيل.

يتوجب عليكَ، لكي تكون شاعرًا حقيقيًّا أن تغيظ الناس، أن تزعجهم. ألّا تكون لديك أجوبة، بل أن تكون الحاضرَ الشّاهدَ، أن تكتب وتحيا وتجازف، وأن تطلق ساقيك للريح كي تحطّم هرميّةَ الحمقى الذين يعدّون أنفسهم أذكياء؛ أنْ تَبُسَّها بَسًّا. أنظر من حولك، وشاهد الخراب الذي منحتنا إيّاه شطارتهم؟ أنظر من حولك وشاهد كيف يحلّون المشاكل عن بُعْد، كي لا يوسّخوا أيديهم. الشعراء يتّسخون ويَدْرَنُون. يصبحون سافلين ولئيمين.

الشعراء يعانون. الشعراء لا يَغْتنون ولا يتودّدون إلى المُنعِمين وواهبي العطايا، ولا ينحنون ولا يذلّون أنفسهم بأنْ يصبحوا متملّقين ومداهنين ولاعقي أحذية، ولكنّهم يخطئون ويمتلكون ماضيًا غامضًا، يشتهون بلهفة ويكرهون، وإنهم لوحيدون ومفعمون بالحياة وبالحيوية وبالشغف. إنهم يعملون مع الأطفال والآباء والمساجين، ولا يتشبّثون بالجاه والمكانة الزائفة، إنهم لا يتملكون تأمينًا على الحياة ولا يقبّلون وجنات القائمين على دوائر اللغة في الجامعات، إنهم يثورون ضدّ المشاريع المزيّفة، إنهم آدميّون بكل ذنوب الصقر العالق في المصيدة، وبكلّ مسرّاته أيضًا.

الجديد: أنت، إذن، تؤمن بالدور الاجتماعي الذي يقوم به الشاعر؛ أن يكون منهمكًا من الناحية السياسية، أن يناضل، ولا يخضع لـ”هرميّة الحمقى” التي سببت كل ذلك الدمار الذي من حولنا. أن يكون الشاعر، علاوة على كل ذلك، شاهدًا على عصره؟ بأيّ معنى تعتقد بأنّ القصيدة يمكن أن تكون أثرًا، ودليلًا، حين “لا يكون ثمّة من يشهد للشاهد”، على حدّ تعبير بول تسيلان؟

سانتياغو باكا: لست متأكدًا من أنني أفهم ما ترمي إليه، فليست القصيدة “شاهدة” بالنسبة إلى الشاعر فحسب، وإنما لكل أولئك الذين يقرأونها. إنها، بعبارة أخرى، تعيش “حياتَها الشاهدة” التي تخصها هي وحدها، أي أنّ القصيدة تتجاوز السائد ولا تقتات على حرفة الشعر، بقدر ما تنذر نفسها للتغيير متجذرة في صلب جوهر الوجود اليوميّ للمرء ذاته، فتصبح ظاهرة نابضة بالحياة شاقّة طريقها في كل ما هو حيٌّ ويتنفّس في الحياة نفسها.

فالقصيدة الجيّدة قائمة بذاتها، منقطعة النظير، ولا تمنح نفسها إلى رجعيّة الزمن الراهن، ولا تسير على هَدْي الحاضر وأفانينه السائدة، إنها قائمة في حدّ ذاتها كتمثال حريّة تُعظّم قلوبَ الناس في كل العصور. ويتحقق كلّ ذلك دون الاعتماد على المحسوبيّة وبالتحرر من الفذلكة الأدبية.. بلا قيود تحدّها، حرّة وطليقة، كما هي، لا تخضع لمغريات ودوافع لا تناسب قوتها السحرية؛ فهي، بعبارة موجزة، تدين بوجودها، كما الفصول، إلى طرائق القانون السماوي.

الشعراء لا يتزلّفون ولا يتملقون أنفسهم أمام أقرانهم الأدباء، إنهم يكتبون ومنهمكون في الحياة بكامل جوارحهم ضاربين الصفح عن أن يكونوا مشهورين أو ذائعي صيت

الجديد: هذا يعني بأنّ كل شيء مرتبط بقوّة الكلمات وبالحرية الداخلية التي تمنحها للبشر؟ إنّه “هدير الشِّعر”؛ و”الاقتحام من أجل الارتقاء الروحاني بالنفس التي تجلجل قفص الخوف”؛ و”النزوع إلى المخاطرة وفقد كلّ ما نملك؛ عافّين أنفسنا عن كل الفتات العابر الذي يتراكم عبر الثقافة الزائفة؛ ذاهبينَ، خفافًا، غبر مبالين، في مغامرة الحياة: عراة كما ولدتنا أمهاتنا”؟

سانتياغو باكا: ذكاء منك أن تستخدم إجابتي في صياغة سؤالك. ولكنني لست متأكدًا من الإجابة على هذا السؤال سوى بالإشارة، على وجه الاختصار، بأنّ طاقة الحياة توجد تحت كلمات منضوية في نسق معيّن مقترح، فقد تكون هاجعة ولكنها حين يرتبط بعضها قريبًا من بعض في فضاء بينها، فإنها تنجذب محدثة جاذبية تجذب أرواحنا إليها، وهناك في رقصة الروح والكلمات المقدسة، تلك، يحدث التحوّل، ويبدأ التبرعم، فتكون النتيجة زهرة أدبية.

الجديد: من أول من قرأت من الشعراء؟ وكيف تعرفت على كتبهم؟

سانتياغو باكا: سرقت من كاتب سجن المقاطعة أول كتاب قرأته، حين كنت في انتظار ترحيلي (أنظر كتابي “العمل في العتمة”، فلقد كتبت عن ذلك).

الجديد: هذا يعيدنا إلى إجابتك على سؤالي الأول، حين قلتَ “لا شيء ينفذك من أيّ شيء البتّة”، وإنّ “فكرة أن يُنقَذ المرء” -الفكرة برمّتها- مفهوم نخبويّ، وهراء لفظي في حدود اللياقة الأدبية أو الكياسة السياسية”.. في حين أنّك تقول في مقالتك “التعرف على اللغة” (من كتابك الذي أشرت إليه، “العمل في العتمة”) إنّكَ قد “أصبحت حرًّا عبر قوّة اللغة”. إنّ هذا النوع من “الحريّة” هو الذي قصدته في حديثي عن كيف يمكن للشعر أن ينقذ المرء في هذا العالم.. “إعادة الولادة”، تلك التي مكّنتك من التعلّم في ذلك السجن، كيف تقرأ لأول مرّة في حياتك، وكيف تكتب أولى قصائدك.

“إعادة الولادة” التي -حين قرأت شعراء من أمثال نيرودا وأكتافيو باس- مكّنتك من اكتشاف أنّ “قراءة لغتهم كانت بمثابة السحر الذي حرّرك من نفسك، وحوّلك إلى شخص آخر، ونقلك بعيدًا إلى أماكن أخرى”؟ فهل هذا النوع من “الخلاص” مفهوم نخبوي -على حدّ قولك- وهراء لفظيّ في حدود اللياقة الأدبية أو الكياسة السياسيّة؟

سانتياغو باكا: أنت محق، وما قلته صحيح، لقد أنقذني الشعر، ولكن ضع في الحسبان بأنّ التجربةَ متقلّبة/مزاجيّة، وانسيابيّة.. والتَّيْهُوْرُ [الكتلة الضخمة] يبدأ بحصاة. يعشق الناس فكرة أنّ الشعر أنقذني، فهي فكرة تتأقلم مع منطقة ارتياحهم، إنّ فكرة قدرة الأدب على الخلاص تتناسب مع جبلّة أولئك الذين يمتلكون وظائف ويؤمنون بالأدب ويستطيعون القراءة، قراءة كتبهم الخاصّة، ويعيشون حيواتهم الخاصّة. لقد أنقذني الشعر حين احتجتُ إلى الخلاص في زمان ومكان معيّنين، ولكنّه لم ينقذني من الخيانات، من الفقر، من الحنَق، ومن الجور أو العنصريّة.

القصيدة الجيّدة قائمة بذاتها، منقطعة النظير، ولا تمنح نفسها إلى رجعيّة الزمن الراهن، ولا تسير على هَدْي الحاضر وأفانينه السائدة، إنها قائمة في حدّ ذاتها كتمثال حريّة تُعظّم قلوبَ الناس في كل العصور

لقد استخدمت اللغة سلاحًا للمناورة، لفهم الرعب الذي ينطوي عليه حزني؛ فلقد كان الشعر، الذي هو الكلمات، أكوابًا من صفيح طافحة بدموعي، شربتها حين عطشتُ. لا يكفي الشعر كي يشفي جروح الحروب، ولا يكفي لحجب عزلة المرء؛ إنه يفعل ذلك من وقت إلى آخر، عند الضرورة، كما يفعل السراب تجاه التائه في الصحراء. تؤمنُ، فيقود ذلك الإيمان رحلتك، وينقذك من الجلوس منتظرًا، ينخرك اليأس، إنه يأخذك قُدُمًا، أعمقَ، إلى داخل نفسك، ولكنّه لا يظلّ ساكنًا، فهو ليس أداة توازن واستقرار، فقوّته السحرية تتدفّق حين يكون المرء في غاية الضياع، وفي غاية الاحتياج.. يسبغ عليك حريّةً لتهرب من منطقة الحرب الرهيبة لظروفك الخاصّة، ولكنه لا يُبعِدك عن عديد مناطق الحروب الأخرى التي تنتظر خلف التلة الأخرى والتلة والأخرى والأخرى..

يمدّك الشعر بحبل لتشدّ به نفسك وترفعها إلى الأعلى، أو تشنق به نفسك، إنه يحرّرك لتصبح مدمنًا، سكّيرًا، إنّك الآن حرٌّ لأن الشعر أنقذك، وسمح لك بأن تكذب وتغشّ وتسرق وتدمّر نفسك، إنّه يخلّصك من جُبْنك، ومن عجرفتك التامّة، إنه يخبرك بأن تستخدم هذه اللُّقْيَا الجديدة في فعل ما تشاء، فكل ما قد يؤذيك، أو يتلفك، هو الآن رهن مشيئتك، بحريّة وبلا أيّ قيود.. يجرّدك الشِّعرُ من حلّة المُرتِّل (قارئ القُدّاس) ويمنحك أعواد الثقاب كي تحرق الكنيسة وطواغيتها السماوية.

الجديد: يشار إليك كـ”مستيزو Mistizo” (الخلاسي الذي يجمع بين التراث الإسباني وتراث سكّان أميركا الأصليين) وتقدم نفسك، في كثير من أعمالك، بوصفك لامنتميًا (outsider)”، على حدّ وصف كاثرين هاردي. أعتقدُ بأنّ صفة “اللا انتماء outsideness“، هذه، هي ما دفعتك إلى أن تولي اللغةَ اهتمامًا بالغًا وواعيًا؛ ليس بوصفها طريقة “للاقتصاص من خيانات الحياة بأكملها، وتصفية مرارة الظلم والاستبداد وتطهيرها” فحسب، بل كطريقةِ تحرُّرٍ تُحوّلُ النفس الجوّانية لتكون قادرة على “الهروب، والانغماس، مطلقةَ العنان؛ معانقةً الأرضَ والكون أو جاحدةً بهما”؟ هنا، تصبح قوة الكلمات قوّةَ التاريخ ذاته؛ التاريخ الذي يقودك إلى الرحلة الطويلة صوب نفسك الحقّة؟ أليس كذلك؟

سانتياغو باكا: أعتقد بأنّ ذلك صحيح. أظنّ بأنّ “اللّاانتماء”، في أيّ زمن أو عصر، هو طريقة الوجود الوحيدة، العاقلة والمنطقية. وأرجو أن لا يسمح الله بأن أخضع وأهادن -سواءً بالصمت أو السلوك- ببيع ما أملكه من فضائل وأخلاق، بضاعةً رخيصة، في سوق الحوائج المستعملة، إلى الزّومبي الأثرياء.. فلا شيء للبيع، فأنا لا أملك أيّ شيء للبيع.

إنني أحبّ اللغة بقدر ما أحبّ زوجتي التي تستيقظ غضبانة وسعيدة، والتي تطبخ أطباقًا شهيّة في بعض الأحيان، فيما تسمّمني في أحايين أُخَرى، والتي تبدو جميلة وبشعة، والتي أكرهها وأعشقها مثل كلّ الأشياء التي في الحياة، ليست التجربة الحقيقيّة ساكنة، لا تتغيّر، كما يعيش معظم الأميركيين حيواتهم اليوم؛ فالذين يعيشون حياة جامدة -أو العنصريّون أو المتعصّبون أو الجشعون الذين يكدّسون الأموال- يتزاحمون بالمناكب ليجنوا مزيدًا من المال، ومزيدًا من المال.

يمدّك الشعر بحبل لتشدّ به نفسك وترفعها إلى الأعلى، أو تشنق به نفسك، إنه يحرّرك لتصبح مدمنًا، سكّيرًا، إنّك الآن حرٌّ لأن الشعر أنقذك، وسمح لك بأن تكذب وتغشّ وتسرق وتدمّر نفسك، إنّه يخلّصك من جُبْنك

ما أريد قوله هو أنّ نزعة “اللّاانتماء”، هذه، موجّهة ضدّ الحياة نفسها؛ اسأل أيّ شجرة أن تراقب أيّ عامل عاديّ في أيّ نهار، وسوف تجده مصدّقًا بكل ورقة خضراء تستحيل شاحبة وتسقط من فوق الأغصان. إنني أعشق الحياة، إنني أعيشها. إنني أستثمر حياتي. اللغة وسيلة أستخدمها للحفر عميقًا في جبل الحياة، فأكتشف على الدوام الذهب الخالص، والطرق الجديدة التي سوف أسلكها والنباتات الجديدة والحيوانات.

لقد توقفت عن الكتابة لاثنتي عشرة سنة -أو لعلّي شعرت حينئذ أن الكتابة سوف تكون عبثيّة- ولكنني عدت الآن إلى الكتابة ثانيةً، بمتعةٍ وقفزات عظيمة من الحب والإيمان، حيث أنهيت للتوّ تأليف رواية جديدة ومخطوط جديد من الشعر. كما أنني أتطلع إلى إنجاز كتابين آخرين، رواية وسيرة، كنت أحملها في قلبي لعقد من الزمان، فثمّة جبال يتوجب تحريكها.

الجديد: هل كانت فترة الانقطاع عن الكتابة، تلك.. بسبب عدم القدرة على الكتابة، أم كانت خيارًا شخصيًّا؟ ولو كانت خيارًا شخصيًّا، فهل كانت “خيار” الذي لم يَعُد مؤمنًا (في تلك اللحظة بالذات) بِـ”دور” الشاعر (إن كان ثمّةَ دورٌ!) بوصفه “صوتًا حُرًّا” ضدّ كل ذلك “الضجيج السّافر الهادر” الذي لا يكفّ عن مطاردة أحلامنا بـ”حياة أفضل”؟ كما لو أنّ “الواقع”-بكلّ “جوره” و”مصائبه” و”مرارته”- قد قهرنا جميعًا؟

سانتياغو باكا: بل بسبب بعض المسائل الشخصية والمشاكل المالية، فاحتجت إلى الابتعاد كي أُجدّد منظوري إلى الحياة. كلّا لم أفقد الإيمان بدور الشاعر، فإنني دائمًا أؤمن بدور الشاعر كصادح بالحقيقة، يهديه الله، إنّه رجل القبيلة ذو الرؤية المتوحّدة..

الجديد: أوجدت، في العام 2004، مؤسسة “شجرة الأرز″، وهي مؤسسة غير ربحية تهدف إلى “خلق حياة جديدة عبر الكتابة”، تعمل مع المراكز المجتمعية والسجون ومراكز الاعتقال والمدارس بتنظيم ورش عمل لـ”تحسين حيوات” أولئك المحرومين (والذين حرموا) من الحصول على تعليم مناسب. متى خطرت ببالك هذه الفكرة الرائعة؟ وإنني أعتقد بأنه ليس من السهل تحسين “الشرط الإنسانيّ”، آخذين في الحسبان حقيقة أن ثمة عدّة مواضيع تشتمل عليها سيرورة العثور على “معنى الحياة”، كالهويّة والقيم. كما أنها تشتمل على السؤال الكبير المتعلق بالحدود الفاصلة بين “المعرفة الجديرة بالتصديق”. ففي أيّ معنى تعتقد بأنّ مشروعك التثقيفيّ قد نجح في تحقيق مثل ذلك العمل الشاق؟ أمن خلال تبنّي الكوجيتو الديكارتي “أنا أفكر، إذن أنا موجود”، أم إنه ينصب أكثر على المسألة الأفلاطونيّة المتعلقة بـ”ما هي العدالة”؟ ماذا كانت العقبات، التحديات، والطموحات؟

سانتياغو باكا: دائمًا ما لازمتني فكرة مؤسسة “شجرة الأرز″ المؤسسة غير الربحية التي تعمل على تحديد احتياجات أولئك الشعراء والكتّاب الذين يحتاجون إلى التحرّر من الجنون اليومي، ولكنني لم أتمكن من كسب أموال كافية لتشييد المنتجع إلّا في الآونة الأخيرة، فأصبح الحلم حقيقة. لدينا مساجين يعملون على مساعدة المعلّمين، ونمتلك مكتبة متنقلة تخدم المجتمعات النائية، كما أننا نساعد المعلّمين على تنظيم الورش، ونقدم إلى الآخرين كتبًا مجانيّة، ونفعل أشياء أخرى. ولكننا دائمًا ما نفتقر إلى المال، لأنني أمنح كلّ ما أستطيع، وأصرف على المشاريع من أموالي الخاصة. لقد جابهتنا عوائق كثيرة، ولكنني لا أسعى إلى شفاء العالم من أمراضه، فأنا أؤمن بكل بساطة بالعمل مع الناس لفعل ما أستطيع لمساعدتهم على إدراك الجمال الكامن في سعيهم إلى تحقيق ذلك.

أنهيت للتوّ تأليف رواية جديدة ومخطوط جديد من الشعر. كما أنني أتطلع إلى إنجاز كتابين آخرين، رواية وسيرة، كنت أحملها في قلبي لعقد من الزمان، فثمّة جبال يتوجب تحريكها

الجديد: لقد عايشت العنصرية في أميركا، في بعض تحوّلاتها المختلفة، منذ أيامك الأولى في الميتم حين اعتادت الراهبات على إخراج الأولاد البيض من غرفهم الباردة والذهاب بهم إلى حيث توجد التدفئة. ولقد أصبح واضحًا، في الآونة الأخيرة، بأننا نشهد وجود “معضلة عنصرية حقيقيّة” في الولايات المتحدة، وبأنّ “العنف العنصريّ قد كان محبوكًا في نسيج الثقافة الأميركية” نفسها، وبأننا نواجه “فجوة ثقافيّة” -على حدّ تعبير توني موريسن- بين تجليّات الخطاب “العنصريّ” المهيمن و”إعادة تعريف شروط التاريخ الأميركي في العنف ضدّ السود/والملوّنين”؟ هل تعتقد بأنّ العنصريّة، في القرن الحادي والعشرين، خاصّة في ظل الحقبة الترامبيّة، هي معضلة “حقيقيّة”؟ وهل ثمّة دور يمكن أن يلعبه الأدب في النقاش المحتدم الدائر حول العنصريّة في الثقافة الأميركية اليوم؟

سانتياغو باكا: نعم، بالطبع، ثمة معضلة عنصريّة. وهي مختلفة قليلًا بالنسبة إلى السود والأميركيّين من ذوي الأصول المكسيكيّة، فبينما يتمتع السود والبيض بعلاقة فريدة، فإنّ علاقة مخيفة تربط بين البيض والأميركيين من ذوي الأصول المكسيكية وتجنح بهم إلى طريق جانبيّة؛ لأننا كنا هنا على هذه الأرض حين وصل البيض، فلقد أعدموا الآلاف منّا واغتصبوا أرضنا وأحرقوا بيوتنا وقتلوا عوائلنا، ثمّ منحت أرضنا إليهم عبر الاستحقاقات السياسية بصورة رسميّة، ومن ذلك الموقع الحقود صاغوا كذباتهم وبرّروها من القتل وتشويه الأعضاء، والنهب والسلب والاقتصاص غير القانوني من المدنيّين.

لقد غرسوا، في دماء شعبي وجثثهم، بذورَهم وولدوا أطفالهم وحصدوا ثرواتهم. إن وظيفتنا في الحياة أن نريهم، بالقدوة والمثال، كيف نكون إنسانيّين، وكيف نكون رحيمين وذوي بصيرة، لأنّهم ليسوا، بطرائق كثيرة، سوى آكلي لحوم بشر، مستولدين. إننا، بالنسبة إليهم خلاسيّون أصليّون من أهل البلاد الأصليين، ولدينا الكثير لنتشاركه، ولكنّ وسائل الإعلام لا تكفّ عن التعتيم على جمالنا؛ بوسمنا كسولين وغير جديرين بالثقة، وأننا لصوص، ومجرمون.. إلخ، تكمن معضلتنا في ضرورة ألّا نكف عن تذكير أنفسنا بجمالنا وذكائنا وعاطفتنا. ولكننا ننسى ذلك أحيانًا ونتصرف مثل الانتهازيين الجشعين الذين يفتكون بكل شيء.

الجديد: تحدّثت، في قصيدتك “ثانيةً ومرّة أخرى” (من كتابك “قصائد لوتشيا”)، عن جنون الشرق الأوسط وعن اللاتسامح الديني المسيطرين على نشرات الأخبار. ألا تعتقد بأنّ كثيرًا من جنون الشرق الأوسط ناجم عن السياسية الخارجية للولايات المتحدة الأميركية؟ فأميركا لا تكفّ عن شن الحروب وإذكائها: غزو أفغانستان والعراق، على سبيل المثال، وسفك الدماء المتواصل في سوريا؟

سانتياغو باكا: نعم، سياستنا الخارجية مجنونة، ومنتفخة غرورًا، كقرادة تقتات على مصّ ثروات الآخرين. فلا سياسة خارجيّة إن لم يكُن ثمّة في المسألة ثروات معدنية واستراتيجية عسكرية. فوجود سياسية خارجية قائمة على السلام الحقيقيّ هي أشبه بحيوان نادر؛ سلحفاة طائرة. ولكن، مرّة أخرى، فإنّ دولًا أخرى تعاني من القمع المحليّ، والطغاة، والنزاع الداخليّ، ومرض الرغبة في الحصول على كل شيء على حساب ألّا يحصل الآخرون على أيّ شيء. يتوجبّ علينا أن نبذل كلّ ما في وسعنا لنكبح جشعنا واستغلالنا وتلاعبنا المؤسساتيّ بديمقراطيتنا، على نحو لم يكن أسوأ مما هو عليه الآن.

سياستنا الخارجية مجنونة، ومنتفخة غرورًا، كقرادة تقتات على مصّ ثروات الآخرين. فلا سياسة خارجيّة إن لم يكُن ثمّة في المسألة ثروات معدنية واستراتيجية عسكرية

الجديد: نشهد حضور الجسد الأنثويّ في أعمال (خاصة “رسائل ماريبوسا”) كوسيلة “لقراءة لغة جديدة”، اللغة التي تقودك إلى “أرض يقطنها أناس عثروا في آخر المطاف/على لغتهم الأمّ”! إنه الاحتفاء الوحشيّ بجسد المرأة، ليس بوصفه طوطمًا لـ”الجسد الكهربيّ” (كما هو عند والت ويتمن) وإنّما أيضًا بوصفه طوطمًا للطبيعة ذاتها؛ العالم المغمور عميقًا في دواخلنا (“العصيّ على الوصف الذي نعثر عليه في الأزهار/أو في ذهب الأيّام المشمسة/أو في ممالك نراها في القمر”). هنا، لا يصبح الإيروتيكيّ “حلمًا”، بل “واقعًا” لذلك الحلم الذي يحلم به كل امرئ؛ “واقع″ تلك اللغة التي تمنعنا من أن نكون “منكسرين من الداخل”، وتصون الحياة من أن تصبح تلك “الرقصة القَبَليّة المحمومة الطويلة”؟

سانتياغو باكا: لست أدري كيف أجيب على هذا السؤال، سوى القول بأنني -وخلافًا لما يروّج في وسائل الإعلام المرئيّة والصحافة المطبوعة والقنوات الإذاعية والكتب التعليميّة والأدب- لستُ رجلًا مهووسًا بالقوّة والهيمنة، لستُ جزءًا من النزعة الذكورية الشائعة، لا أسيء معاملة المرأة، ولا أتحرّش بها، ولا أنتمي إلى أيّ من تلك الصور الشيطانية التي يصوّرنا عليها المجتمع حين نكون هامشيين.

ويحتاج المهيمنون في المجتمع إلى تلطيف شعورهم بالذنب تجاه ضربهم لزوجاتهم والتودد إلى النساء واغتصابهنّ، لأنهم رجال بيض أقوياء ومتنفذون، فأنا لستُ، ولم يسبق لي أن كنت، ذلك النوع من الرجال، إنني أعشق النساء، بوصفهنّ ندًّا وصنوًا على الدوام، ولكنني احتجتُ إلى بناء لغة لم تستخدم كسلاح بالطريقة التي يحاول البيض تعليمنا إيّاها؛ إنهم لا يستخدمون اللغة إلّا لخداع ثقافتها المسلحة وألفاظها المسلحة.. إلخ. لقد عملت مع النساء اللواتي في حياتي جنبًا إلى جنب، وذهبن إلى السجن معي، وقاسين الأمرين على أيدي قضاة فاسدين، وتعرّضن إلى التعذيب معي.. وذلك هو ما يصيب المرأة البيضاء الآن، فهل هذا خبر جديد؟

إنها أخبار قديمة بالنسبة إلينا نحن الملوّنين، فلا أحد يتحدث عن نحو 3000 فتاة وامرأة مكسيكيّة تعرضن للاغتصاب والقتل على طول الحدود.. حتى إنهم لا يأتون على ذكر ذلك البتّة في الصحف القوميّة.. ولكن حين تتعرض امرأة بيضاء إلى التحرش تصبح المسألة خبرًا قوميًّا.. فثمّة الكثير من الرياء المتشدّق به في حادثة هارفي واينستين الهوليووديّة (فثمّة واحدٌ، مثله، في كل زاوية!) فكثير من المخرجين، ونجوم السينما ومدراء الأعمال والناشرين حيوانات ضارية مفترسة، إنّه سرّ متأصّل.. والآن يبدو أنّه حتى الببغاء الزاعق، في الكتيبة البيضاء، كان يتحرش بالنساء.

الجديد: منْ الشعراء/الكتّاب الذين تتابع أعمالهم؟ وما رأيك في الحالة الشعرية في أميركا اليوم؟

سانتياغو باكا: الشعر مزدهر في مجالات كثيرة في أميركا، فالأميركيّون شعب رائع. نحن نعشق الشعر بشغف، نبقيه حيًّا، ونديم حياتَهُ، على الرغم من الطاعون السياسي الذي يجتاح أرضنا وقلوبنا. إنني أقرأ كل شاعر الآن، وأحبّ أعمال شعراء كثيرين، عالميين ومحليين.

الجديد: وهل أنت مطلع على الأدب العربي؟

سانتياغو باكا: كلّا.

الجديد: ولا حتى أعمال محمود درويش ونجيب محفوظ؟

سانتياغو باكا: ولا حتى درويش ومحفوظ.

الجديد: لماذا؟

سانتياغو باكا: لم أقرأ الكثير سوى في الفترة الأخيرة، أقصد بأنني قرأت بعض الكتب، ولكنني لا أعدّ نفسي قارئًا، أمّا الآن فكل شيء تغيّر، فأنا أقرأ ثلاثة كتب في الأسبوع على أقل تقدير. فلقد توقّفت عن القراءة، دفعة واحدة، لنحو عشر سنين أو أكثر، وهذه مدة طويلة.. ربما لخمس عشرة سنة أو عشرين.. لم أقرأ الكثير… ولو كان ثمة شيء قرأته، في تلك الفترة، فقد كان مقصورًا على الشعر، والشعر، والشعر. سبق لي أن قرأت بعض أشعار السوريّ معتز طوبار، الذي ترجم قصائدي، لقد فقدنا الاتصال ببعضنا خلال النزاع الدائر في الشرق الأوسط. أتمنى أن أعثر عليه ثانية، فلقد كان شخصًا في غاية اللطف.

الجديد: ذكرت صديقك السوريّ معتز طوبار الذي ضاع في الدياسبورا السوريّة؟ فهل ثمة من كلمة تقولها بشأن هذه المأساة اليوميّة، حيث يقتل الآلاف من الأبرياء، أطفالاً ونسوة، فيما أميركا (شرطيّ العالم) لا تفعل شيئًا لإنهاء هذه الحرب الدمويّة.. آخذين في الحسبان حقيقة أنّ للإدارة الأميركية مصالح عميقة في ألاّ تنتهي هذه الحرب؟ هل ثمّة من كلمات أخيرة توجهها لصديقك السوريّ؟

سانتياغو باكا: ليس ثمة الكثير ممّا أقوله، فهي مأساة تفوق الخيال، تفوق القدرة على التصور والفهم، إنها تعمي عيون القلب.. بياض العمى يهجم على العيون جراء أسيد القسوة الآدميّة، جراء الغضب بأننا قادرون على ارتكاب مثل ذلك العنف ضدّ أناس أبرياء. وأما بالنسبة إلى معتز طوبار، تلك الروح الشفيفة، وذلك الصوت الذي تدفق من الأزهار، وصاحب القلب الذي تغنّي فيه آلاف الأصوات متناغمة دفعة واحدة عن الرأفة والرحمة، إنّ إسكات مثل ذلك القلب هو جريمة لا تغتفر ضدّ الإنسانية جميعها، ضدّ كل الأزهار والجذور والبذور، وضدّ كل ما يهبّ ويتحرك، إنني لا أكف عن التفكير به، فهو ملتصق بقلبي كما ترتبط الطائرة الورقية بالريّح.

الجديد: وهل ثمة من كلمة أخيرة توجهها إلى القارئ العربيّ؟

سانتياغو باكا: أعد نفسي، خلال السنيّ القادمة بأن أحصل على كتب الأدب العربي المنشورة في العقد الأخير، خاصة الكلاسيكيات بالطبع. فلا أعرف لماذا لم أقرأ الأدب العربي لغاية الآن؟ فعلى المرء أن يهيئ نفسه لقراءة الأدباء العظام، ولقد هيّئت نفسي لذلك.

أجرى الحوار بالمراسلات: تحسين الخطيب

ينشر الحوار بالاتفاق مع مجلة "الجديد"الشهرية الثقافية اللندنية

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر