الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

من 'حراقة' إلى مقيمين.. رؤية مغربية نموذجية في التعامل مع أزمة الهجرة

  • أمر العاهل المغربي الملك محمد السادس، الثلاثاء، الحكومة بتحسين ظروف اندماج المهاجرين ولا سيما الأفارقة منهم، وذلك بعد حوالي شهر من إطلاق الرباط الحملة الثانية لتسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين، في خطوة يرى خبراء أنها سياسة متقدمة ونموذجية في التعاطي مع أزمة الهجرة غير الشرعية التي تلقي بها ضفتا المتوسط ومواجهة تحدياتها، خصوصا في ظل الوضع الإقليمي والدولي الراهن وارتباطه بظاهرة الإرهاب التي باتت نقطة رئيسية في ملف الهجرة واللاجئين، بما يجعل الدول المطلة على المتوسط، سواء في الشمال أو الجنوب، مطالبة بمراجعة سياساتها في التعامل مع هذا الملف، خصوصا مع ما يشكله من تحديات تخص الأمن القومي لهذه الدول، والتي من بينها المغرب، باعتباره أقرب نقطة جغرافية من أوروبا وبلد عبور يصدر ويستقبل في نفس الوقت المهاجرين.

العرب محمد بن امحمد العلوي [نُشر في 2017/01/12، العدد: 10510، ص(6)]

تعامل مع الأمر الواقع

الرباط – خلال ترؤسه جلسة مجلس الوزراء في مراكش، أمر العاهل المغربي الملك محمد السادس الحكومة بتحسين ظروف اندماج المهاجرين، ولا سيما الأفارقة منهم.

وأثار الملك محمد السادس الانتباه إلى أن تحديد مدة صلاحية بطاقة الإقامة التي تمنح لهم في سنة واحدة، يطرح العديد من الإكراهات بالنسبة إلى هؤلاء، ويعيق اندماجهم ويعقد ظروف عيشهم داخل المجتمع كالحصول على سكن أو على قروض أو إقامة مشاريع.

ومن خلال هذه الملاحظة، التي جاءت في سياق تقييم ظروف سير المرحلة الثانية من عملية تسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين بالمغرب، والتي انطلقت قبل شهر، يضع العاهل المغربي الخطوط الحمراء على أهم العوائق التي تساهم عند تراكمها وعدم الانتباه إليها في زرع بذرة العنف في أوساط المجتمع المهاجر.

وفور انتهاء جلسة مجلس الوزراء، أعلنت وزارة الداخلية أنه تنفيذا لتوجيهات الملك الرامية إلى “تحسين ظروف اندماج المواطنين الأجانب بكامل أنحاء المملكة المغربية، خاصة الأفارقة” فإن مدة صلاحية بطاقات الإقامة ستنتقل إلى ثلاث سنوات، عوض سنة واحدة حاليا، وذلك بعد مرور سنة على تسوية الإقامة بالمغرب (ما عدا في حالة ارتكاب المعنيين أفعالا يعاقب عليها القانون).

وظل المغرب خلال العقدين الماضيين بلدا لعبور المهاجرين غير القانونيين الهاربين من ويلات النزاعات والفقر والجفاف في دول جنوب الصحراء في اتجاه أوروبا.وانضم إليهم أخيرا اللاجئون الهاربون من نزاعات الشرق الأوسط خصوصا السوريون. ومع تشديد المغرب وأوروبا المراقبة على الحدود، استقر الكثيرون في المغرب، لكن دون وضع قانوني، ما دفع الرباط في مرحلة أولى في 2014 إلى تسوية ملفات أغلبهم بإعطائهم أذونات إقامة.

وحسب الأرقام الرسمية، فقد استفاد نحو 25 ألف شخص، معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء ومن سوريا، من المرحلة الأولى من التسوية التي أطلقها الملك محمد السادس نهاية العام 2013.

كما أطلقت الحكومة المغربية استراتيجية وطنية لإدماج من تمت تسوية وضعهم القانوني، قائمة على 11 برنامج عمل من أهمها التعليم والصحة والسكن والتشغيل والمساعدة الاجتماعية.

وفي ظل المعادلات الصعبة والتعقيدات المحيطة بملف الهجرة، قال صبري الحو، الخبير المغربي في القانون الدولي وملف الهجرة، لـ”العرب”، إن المغرب قرر تسوية أوضاع المهاجرين فوق إقليمه، ليقدم درسا هاما في كيفية التعامل مع ظاهرة باتت تؤرق بشكل كبير مختلف دول العالم، وأساسا دول الاتحاد الأوروبي، التي لم تشهد من قبل خلافات عميقة كتلك التي تشهدها منذ فترة على خلفية أزمة الهجرة.

ويؤكد الخبراء أن التعاطي مع هذا الملف لم تعد تصلح معه العقليات القديمة، التي ترتكز أساسا على المنظومة الأمنية، أو إعادة المهاجرين إلى بلدانهم.

ورغم أن ظاهرة الهجرة غير الشرعية بين ضفتي المتوسط لا تعدّ أمرا مستجدا، إلا أن أعداد المهاجرين، أو ما يعرفون في اللهجات المحلية المغاربية بـ”الحراقة”، ارتفعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وما يزيد من خطورة الوضع ارتباط هذه الظاهرة بالجريمة المنظمة وبشكل أخطر الإرهاب؛ وبذلك أضحت الهجرة غير النظامية بين ضفتي البحر المتوسط ملفا حارقا لكل الدول المطلة على المتوسط اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا وسياسيا.

المغرب ينتهج سياسة متكاملة تبدأ بتوفير الإقامة القانونية وصولا إلى التشغيل والحصول على الامتياز الاجتماعي

ويقول عبدالواحد أكمير، مدير مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، لـ“العرب” إنه لا أحد يستطيع أن يزعم أن الذين يأتون كمهاجرين لن تتسلل معهم عناصر إرهابية أو عناصر إجرامية تهدد أمن البلدان التي تحل بها، والدليل أن أغلب العمليات الإرهابية التي سجلت في مختلف جهات أوروبا في السنة والنصف سنة الأخيرة، تورط فيها بعض الذين وصلوا متنكرين في صفة مهاجرين اقتصاديين أو لاجئين وهم في الأصل إرهابيون.

معضلة ثلاثية الأبعاد

حول مقاربة الرباط في التعامل مع ظاهرة الهجرة نحو الضفة الأخرى من المتوسط، أكد عبدالواحد أكمير أن المغرب تواجهه معضلة ثلاثية الأبعاد؛ فهو بلد يصدر الهجرة، وبلد يستقبل الهجرة، وبلد عبور للمهاجرين، وكل واحد من الأبعاد الثلاثة يقتضي مقاربة مختلفة من الناحية القانونية والاجتماعية والثقافية.

وهذا ما يفرض مجهودا كبيرا، واستراتيجية على المدى القريب والمتوسط. وفتح باب تسوية وضعية المهاجرين غير القانونيين مرتين في أقل من سنتين يبين حجم التحديات وصعوبتها.

وفي ما يتعلق بقضية الذين يعبرون من المغرب نحو الضفة الأخرى، أكد عبدالواحد أكمير أن هذا يتطلب توفر شركاء لهم نفس الإرادة.

والمغرب مندمج في هذا الإطار مع الاتحاد الأوروبي وأثبت فعاليته من حيث احترام الاتفاقيات وعلى رأسها اتفاقية ستراسبورغ حول حرية وشروط تنقل الأشخاص، التي وقعها مع الاتحاد سنة 2013، أو اتفاقية إعادة المهاجرين الذين مروا عبر المغرب، والتي وقعها مع إسبانيا سنة 1992.

وهناك تعاون أمني مكثف سواء في ما يتعلق بخفر السواحل أو مراقبة الأسيجة التي تفصل المغرب عن مدينتي سبتة ومليلة.

وكشف المعهد الملكي الإسباني (الكانو) أن وضعية الهجرة غير الشرعية حول سبتة ومليلة المحتلتين، قد تراجعت مقارنة بالاتجاه صوب إيطاليا، مشيرا إلى أن التقدم في مجال مكافحة الهجرة يعود الفضل فيه إلى التعاون وحسن النية المقدمة من طرف المغرب.

ومن هذا المنطلق، يجب حسب مدير مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، التنبه إلى أن المجهودات المغربية سمحت بالتوقف شبه النهائي للهجرة عبر القوارب، من منطقة مضيق جبل طارق؛ فجل المحاولات التي تمت سنة 2016، انطلقت من السواحل الشمالية الشرقية للمغرب نحو منطقة غرناطة، أو من غرب الجزائر نحو منطقة المرية شرق إسبانيا، ومن هنا حرصت البلدان الأوروبية على اعتماد المغرب كشريك استراتيجي، عند معالجة قضية الهجرة وعلاقته بالأمن القومي.

شرطي لحدود أوروبا

تحولت قضية الهجرة في العقود الأخيرة إلى مسألة أمنية بالدرجة الأولى، بعدما تم ربطها بالإرهاب والجريمة المنظمة.

وتدافع الدول الأوروبية عن أمنها القومي وهويتها بالحد من الهجرة ومواجهتها بأي وسيلة وعبر الإجراءات والآليات الأمنية وتنفق مبالغ مالية كبيرة في أنظمة المراقبة الإلكترونية لحماية الحدود، وفي استحداث مؤسسات، مهمتها مراقبة الحدود وحمايتها.

وأكد صبري الحو أن أوروبا تنتهج سياسة تجعل من حدود الغير حدودا وفاصلا لها لصد المهاجرين، ولهذا يتم الحديث عن أن المغرب ودول الجنوب المتوسطي شرطي لحدود أوروبا.

ويرى عبدالواحد أكمير أن ملف الهجرة قسّم أوروبا بشكل لم تعرفه من قبل، فانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان من أسبابه عدم موافقتها على سياسة الاتحاد في مجال الهجرة، والمفوضية الأوروبية في شؤون الهجرة تقف عاجزة أمام رفض بلدان الاتحاد الوفاء بالتزاماتها، سواء في ما يتعلق باحترام نظام الحصص في توزيع المهاجرين الذي صادق عليه البرلمان الأوروبي، أو في تطبيق الاتفاقيات المتعلق بالهجرة واللجوء وعلى رأسها اتفاقية دبلن.

ومن بين بنود اتفاقية دبلن، التي أنشئت في العاصمة الأيرلندية دبلن في يونيو 1990 ووقعت عليها 12 دولة من الاتحاد الأوروبي، ودخلت حيز التنفيذ في سبتمبر 1997، أن المهاجر يجب أن يبقى في أول بلد من بلدان الاتحاد الذي حل به.

وعلى هذا الأساس، تجد بلدان مثل إيطاليا أو اليونان أو حتى ألمانيا نفسها دون سند، وهو ما يجعلها بدورها تنتهج سياسة فردية تخدم مصالحها الوطنية على حساب مصلحة الاتحاد بشكل عام.

كاتب مغربي

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر