عزة أبوربيعة تحفر عميقا في سيرة المعاناة السورية

الحوت، هو الحكواتي الذي أوكلت إليه الفنانة أبوربيعة مهمة سرد صفحات من تجربتها في وطنها المأزوم منذ سبع سنوات.
الجمعة 2018/04/27
حوت أزرق منقذ من الأسر

بيروت – بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون-آفاق، قدّمت الفنانة السورية عزة أبوربيعة في صالة “رميل” البيروتية معرضا ضم 30 لوحة منفذة بتقنية الحفر تحت عنوان “أثر”، حيث غلب على الأعمال اللون الأسود الذي اخترق مع اللون البني القاتم أثلام لوحاتها، كما لمعت في بعض الأعمال أثار لونية باهتة تأرجحت على هوى تفاصيل الحكاية التي أرادت  الفنانة التعبير عنها.

واستخدمت الفنانة، ابنة مدينة حماة السورية، تقنية الحفر في معظم أعمالها التي حقّقتها بين سنة 2017 وسنة 2018 في محترف “آرت سين غاليري” في بيروت، محاولة من خلالها اختصار سيرة المعاناة السورية منذ بدايتها سنة 2011 إلى اليوم.

وليس الحوت الذي حفرت أبوربيعة أثار عبوره في أحلامها على إحدى لوحاتها الموجودة في الصالة باللون الأزرق والأسود، هو الحكواتي الذي أوكلت إليه مهمة سرد صفحات من تجربتها في وطنها المأزوم منذ أكثر من سبع سنوات، ومن ضمنها تجربة الأسر التي عانت فصولها هي والعديد من النساء في سجون النظام السوري، لكنه، أي الحوت، بالتأكيد هو المُنتشر في جميع أعمالها كرمز سحري للخلاص وللأسر على السواء.

وتسرد الفنانة قصة هذه اللوحة قائلة بأنها “تجسد حلما راودها وصديقاتها في المعتقل، فبينما كن ينتظرن إخلاء السبيل حلمن بحوت كبير يزورهنّ في المهجع، ويحملهنّ إلى الحرية”.

وتمّ الإفراج عن الفنانة بعد مرور خمسة أشهر على الاعتقال لتستكمل سردها الفنيّ لتفاصيل ما حدث، بداية بخروج الناس إلى الشوارع والهتاف في التظاهرات الشعبية، وإطلاق النار على المتظاهرين والاعتقالات، وصولا إلى ما جرى داخل السجون من قمع وتعذيب.

وحوّلت عزة أبوربيعة تجربتها، منذ بداية انخراطها في الثورة السورية حتى اعتقالها والإفراج عنها، إلى وثائقي يتحدّث عن واقع مأساوي، بالصورة والكلمات.

وتصدّرت لوحة الحوت الأزرق أشمل وأجمل أعمالها، لأنها صوّرت رمزيا البيئة الحاضنة لظروف الثورة بكل ما فيها من لمعات أمل وخلاص، ولحظات قنوط وموت.

واستطاعت الفنانة بتقنية الحفر أن تُخرج شفافية جلد الحوت المحروث بآثار الحفر المُشبع بحبر أسود من جوف زرقة لبحار مجهولة المعالم، تكاد الطيور التي تشبه الخفافيش تحلّق بأجنحتها الجارحة فوقها، لتشي من ناحية باقتراب شاطئ ما، من ناحية أخرى باقتراب ليل أوشك أن يطبق على المشهد المُصوّر برمّته.

وتكاد تلك اللوحة من بين جميع اللوحات أن تختصر نجاتها هي وقصصها الكابوسية على ظهر حوت أخرق، استطاع بالرغم من غثيانه المُتمظهر بشفافية جلده الذي غرزت فيه الفنانة أرجل أسرّة السجن التي استلقت عليه هي والعديد من السجينات السابقات واللاحقات، استطاع أن ينتشلها هي وقصتها الفردية/الجماعية إلى شكل حياة جديدة في بقاع أرض بعيدة عن سوريا.

وفي المعرض يجد الزائر نسخا عن كتاب مميز يحمل عنوان “أثر”، وهو بوح تشكيلي/نصيّ لعزة أبوربيعة، كتاب استطاع أن يلبي حاجاتها الثلاث: الحاجة إلى التأريخ، والتعبير الفني، وكتابة سيرة ذاتية متشظية ليس لأحد الحق أن يعترض أو يضيف عليها أو أن ينتقص منها شيئا من دون موافقتها. وضم الكتاب، الذي يبدو وكأنه كتاب سريّ عتيق، إضافة إلى معظم الأعمال الفنية المعروضة كتابات للفنانة محت بها الخط الدقيق الفاصل ما بين التأريخ العلمي والشخصي، هكذا تكون الحال عندما يدير الفن كفة سفينة كـ”سفينة الحوت”.

كتبت عزّة أبوربيعة في مقدّمة كتابها “بدأت الحفر والتسجيل عام 2011، ولكن سرعان ما بات المرسم غير متاح، إذ تواريت عنه لأسباب أمنية، لكن الفن لم يكن وحده كافيا ومرضيا بالنسبة لي في تلك اللحظات، فهناك الكثير من الأشياء التي نادتني في ثورة تسعى لبناء الهوية”.

لفحة ريح درامية
لفحة ريح درامية

وليس من الصعب العثور على أثر الفنان والحفار الإسباني فرانشيسكو غويا في جميع أعمال الفنانة، فبعض الأعمال بدت وكأنها مجرد استنساخ وتحويل لأعمال غويا إلى حقبة وأزمنة مختلفة تنضح بعذابات البشرية ووحشية الجلاد وحملت توقيع أبوربيعة، أما معظم الأعمال الأخرى، فأظهرت تمكّنها من اختراع نص خاص بها شديد الالتصاق بخصوصية لحظتها المعيشة.

ورافقت اللوحات شروحات لفحتها ريح درامية حينا وأحيانا جاءت توثيقية بحتة، نذكر منها “يضربونها لكي تجهض الطفل الذي تحمل.. سمر”، و”في غرفة من ثلاثة أمتار كنا خمسة عشر امرأة”، و”لا يستطيع الجلاد أن يبعد عني أحبتي في الذاكرة”.

وتقول الفنانة عن اختيارها لتقنية الحفر “على صفيحة نحاسية أحفر المشهد بأداة حادة.. أضع الصفيحة على المكبس وفوقها ورق من القطن الرطب، وبضغط عال جدا يدور المكبس ليضع كل ما حفرت على هذه الورقة، يبدأ الرسم بالظهور فأرى نتيجة ما حفرت، إنها عملية تشبه الولادة، على تلك الورقة تظهر كل الآثار التي تركتها على الصفيحة، الحفر لا يرحم.. ما من أثر تتركه إلاّ ويظهر في الطباعة، وهذا ما أريد أن أسجله في هذه الأعمال”.

واختيار عزة أبوربيعة لهذه التقنية ربما له سبب إضافي، وهو رغبتها في الانخراط بعملية تتطلب جهدا جسديا يعمّق من ذكرى ما اختبرته شخصيا، قبل أن تدعه يتحوّل في ثنايا المحفورات إلى ذاكرة جماعية تستقر في الوجدان حسّية وملموسة ولا لبس فيها.

كيف لا، وهي التي صرّحت في مقدّمة الكتاب بأنها “لا تريد للجيل الذي يليني أن يطفو بلا ذاكرة، كتبت على حائط مرسمي الحالي في بيروت: إن لم أرسم فلا معنى لوجودي، سأسجل ما عشت، وأترك هذا الأثر في أعمال الحفر.. في مرسم ليس بمرسمي وفي شقة ليست بشقتي”.

17