«الفارس الأزرق» معرض عن الجانب المتعي المنشرح للتعبيرية الألمانية

أعمال فرانز مارك وأوغست ماكه الفنية ترفض الأكاديمية والقواعد السائدة وتسكنها رغبة تغيير الخلق الفني.
الاثنين 2019/06/17
حشد من الألوان المتوهجة

بعد معرضي “أبولينير، نظرة الشاعر” عام 2016، و”دادا أفريكا” عام 2017، يواصل متحف “أورنجري” بالعاصمة الفرنسية باريس الاحتفاء بحركات الطليعة الأوروبية، ويخصّص هذه المرة معرضا لحركة “الفارس الأزرق” الألمانية ولاسيما رأسيها فرانز مارك، وأوغست ماكه.

يقدم معرض “الفارس الأزرق” الذي يقام في متحف “الأورنجري” الباريسي حتى نهاية يونيو الجاري علمين بارزين من أعلام التعبيرية الألمانية وحركة “الفارس الأزرق” Blaue Reiter هما فرانز مارك (1880-1916) وأوغست ماكه (1887-1914)، هذان الفنانان الشابان التقيا أول مرة في معهد الفنون الجميلة بدوسلدورف، ثم عرضا أعمالهما الأولى في غاليري براكي بمونيخ عام 1910، وقد مثلت تلك الأعمال الجانب المتعي الملون والمنشرح للتعبيرية الألمانية.

كان لقاء حاسما في مسيرتهما التي تكاد تكون متماثلة، فكلاهما كان يرفض الأكاديمية والقواعد السائدة، وتسكنه رغبة تغيير الخلق الفني بدءًا بالتعبيرية وصولاً إلى التجريدية، ثم جمعهما اهتمام مشترك بالفن الفرنسي (سيزان، غوغان، بيير بونار، أندري دوران على سبيل المثال) وتياراته الحديثة كالتوحشية والتكعيبية والتجريدية، وكانا اكتشفاه أثناء زيارتهما إلى فرنسا، وأخذا منه رسم المناظر الطبيعية في الهواء الطلق.

ولكن التحوّل المفصلي الفعلي كان عند لقائهما بفاسيلي كادينسكي (1866-1944) عام 1911، وتأسيس مجلة “الفارس الأزرق”، حيث نحا أسلوبهما منحى راديكاليا، أكثر أسلوبية، فقد تخلى فرانز مارك عن الرسم في الهواء الطلق وبدأ يرسم خيوله الزرقاء التي استمدت منها المجلة اسمها، ويساند كادينسكي في تحرير مادتها، بينما كان أوغست ماكه يوفر المادة البصرية والإثنوغرافية مع دراسة عن الأقنعة الأفريقية.

وفي حديثه عن تلك الفترة، كتب فرانز مارك يقول في مجلة “الفارس الأزرق” عام 1912 “أمام هذه الأعمال الجديدة، ينتابنا شعور بأننا كمن يغرق في حلم يسمع خلاله فرسان القيامة يمخرون الهواء، وأننا نحس توترا فنيا يغمر أوروبا كلها”، وكانت تلك الفترة ثرية، يغذيها تبادل ثقافي وفني نشيط يبشر بعصر جديد، عصر الحداثة والطلائعية، برغم الظرف المنذر بالحرب ونقص المواد.

ولم يلبث الصديقان أن شرعا في تنظيم معارض عالمية في كولونيا وبرلين ومونيخ، مع المضي في تطوير تجربتيهما، كل على حدة، فأما فرانز مارك فقد تأثر بأعمال الفرنسي روبير ديلوني التي اكتشفها في معرض المستقبليين الطليان، واعتنق التجريدية، وأما أوغست ماكه فقد ابتعد تدريجيا عن روحانية كادينسكي الفكرية ليقيم علاقة أكثر جلاء بين الإنسان والطبيعة خصوصا بعد زيارته إلى تونس صحبة بول كلي.

ومثلما اتحدا في المسيرة الفنية، التقيا أيضا في المصير الفاجع، فقد تم تجنيدهما في الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، ولقي كلاهما حتفه على التراب الفرنسي الذي عشقا فنّانيه: أوغست ماكه منذ السنة الأولى لاندلاع الحرب في مقاطعة المارن، وفرانز مارك بعده بحوالي سنتين في فردان، حيث دارت أشهر المعارك وأطولها بين الجيوش الألمانية والفرنسية، ولم يمهلهما الموت ليتما مشروعا بدآه معا، وكان يبشر بأعمال بديعة وإضافات متميزة.

مارك وماكه سارا على خطى الفرنسيين في الثورة على الأنماط الأكاديمية السائدة، فتمردا على الرومانسية الطاغية في ألمانيا

والمفارقة أن من بين المقاتلين في الجبهة المقابلة فنانون وشعراء فرنسيون ممّن يشاطرونهما رغبة التغيير نفسها، أمثال جورج براك، ومارسيل دوشامب، وجاك فيّون، وأبولينير، وألان فورنيي صاحب الرواية اليتيمة “مولن الكبير” الذي قتل هو أيضا في بداية الحرب.

سار مارك وماكه إذن على خطى الفرنسيين في الثورة على الأنماط الأكاديمية السائدة، فتمردا بدورهما على الرومانسية الطاغية في ألمانيا، مع مجموعة من الفنانين الشبان كانت تنشط في مونيخ في تلك الفترة، وتعترض بشدة على الفنون الأكاديمية وقواعدها، وتدعو إلى ضرورة التحام الفنون بعضها ببعض، وتصوير الانفعالات الداخلية والمضامين الأيديولوجية، تمثلا لمتمرد آخر سبقهم هو إميل نولده (1867-1956)، ولكن بأسلوب مفرد.

وفرانز مارك مثلا اختار رسم خيول مدوّرة (لا تكعيبية) باللون الأزرق على خلفية وردية أو أخضر زمرّدي، مع تداخل للرقبة والقفا والكفَل، مثلما جنح إلى تصوير القوة الحيوانية الخام للثعالب والأفراس القزمة، والوحوش، والخيول البرية داخل أقواس قزحية بألوان سماوية أو قرمزيّة، أما أوغست ماكه فكان أقل اندفاعا من صديقه، إذ كان يميل إلى رسم المناظر الطبيعية وإن اختار ألوانا لها من القوة والتوهج ما يجعلها تبدو للناظر مهتزة، متموجة، وكأنه يشاهدها وهو في غير وعيه تماما.

ولم يكن اختيارهما ذلك الأسلوب وتلك الألوان مجانيا، فقد نشآ في عالم صناعي يسوده السواد والرمادي والبني، ولا أثر لأي لون آخر في تلك الفترة، إذ كانت المدن الألمانية تشهد تنمية صناعية غير مسبوقة، لا تكاد أي منها تخلو من المصانع والمناجم وما تخلفه من أدخنة تغطي فضاءها.

ويقترح المعرض مئة من الأعمال ما بين لوحات زيتية ورسوم، تسلط الضوء على مدى تقارب الصديقين، أعمال تتبدى فيها طريقة فنية فريدة في رسم الحيوانات، من العين البرتقالية لأرنب مذعور، إلى الثعلب الأزرق الداكن، مرورا بالكلب الأبيض البادي في خلفية زرقاء والنمر المطوّق بزرقة خفيفة في أسلوب يمتح من التوحشية والتكعيبية، ويأتلق فيه حشد من الألوان المتوهجة. والخلاصة أننا إزاء نجمين آفلين تشهد أعمالهما على التوهّج الإبداعي لتلك الفترة، وفنانين متمردين في مطلع قرن يتهجّى ذاته.

Thumbnail
15