½9 واقعية سوريالية لطفلة سورية أفقدتها الحرب عفويتها

مجموعة من الصور السوريالية تجتمع في شريط مصور واحد تحت عنوان “½9”، لتحكي قصة يعيشها الإنسان السوري، حيث بات راهنه اليومي أكثر غرابة من أن يدرك أو يقرأ بمنطقية كلاسيكية، ما جعل التوجهات في هذا الفيلم تذهب نحو نمط الفن الغرائبي الذي يستطيع أن يترجم غرابة الواقع، ولو في حدود بسيطة قد تفي بالغرض.
الجمعة 2015/08/21
9 سنوات ونصف السنة هو عمر الطفلة اليتيمة مها

“½9 ” فيلم قصير من إنتاج “بدايات” المؤسسة المعنية بدعم الشباب السوري والفلسطيني فنيا، وهو من إخراج فريق “سورياليزم”.

يحاول الفيلم أن يقترب من فتاة صغيرة اسمها مها وعمرها 9 سنوات ونصف السنة وهي إحالة العنوان، لتبيّن مدى تكيفها مع الحياة الطارئة بعد فقدان الأب والأم، والعيش وحيدة إلاّ مع صورة لعائلتها تذكرها بالألفة السابقة.

وبين الوثائقي والتخيلي، يغوص الفيلم في حياة مها، فتنكشف مساحة هائلة من الخيال لدى هذه الشابة، تساعدها على الاستمرار نحو الأمام، وتأخذ بيدها لمواجهة ظروف قدر صعب.

في اللقطة الأولى من الفيلم، تظهر مها خارجة من البحر، وكأنه فعل يجسّد حالة النجاة من المصير الذي انتهت إليه عائلتها. وعلى الشاطئ وما أن تصل إلى ملاذها، حتى تبدأ بتجفيف صورة تجمعها مع والديها بفعل غريب، حينئذ تبدأ رحلة السوريالية لتستمر حتى الثواني الأخيرة من العمل.

الكثير من المشاهد يغدو مألوفا كبوسترات أو لقطات من أفلام عالمية سبق وأن عالجت ثيمة الحرب، لكننا نقف هنا أمام النسخة السورية منها، والتي تضع بصمتها المحلية على كل تفاصيل الفيلم، كما لو أنها تبرز حلما مرة وتمثل كابوسا في مرات أخرى.

فما بين قسوة النظام ووحشية داعش تقف طفولة مها عاجزة عن الحياة الطبيعية، الأمر الذي تمّ التركيز عليه عبر مجموعة من الشخوص المرتدين للأقنعة الواقية من السلاح الكيماوي، وأولئك المرتدين للبدلة البرتقالية في انتظار الذبح.

ومثلما يتطرّق إلى معاناتها مع الوحدة والفقدان، يعالج “½9”، مسألة في غاية الشناعة لم يسبق لنا وأن لمسنا مثيلا لها عن قرب في حياتنا، ومع ذلك باتت تحدث كثيرا في الآونة الأخيرة، مع دخول السوريين في نفق الأزمة الاجتمـــاعية والاقتصادية الخانقة.

فمن خلال صورة بصرية تنضح جمالية، تمّ فضح استغلال الفتيات السوريات الصغيرات والزواج بهن لتأمين مأوى أو توفير طعام. وهذا ما انتشر فعلا، خاصة في المناطق المتضررة وفي المخيمات خارج حدود الوطن. ولعل ارتداء مها للبدلة البرتقالية وتكللها بطرحة العروس، بينما هي في انتظار رحيلها الأخير، إدانة واضحة لما يرتكبه هذا التنظيم الإرهابي في حق النساء، حتى الصغيرات منهن.

أما وسيلة مها في الدفاع عن نفسها خلال هذا المشهد، فكان عبر أداة طفولية تتماهى مع نزعة روحها البريئة، حيث استخدمت “مسدسا” يطلق فقاعات من الصابون، مفرغة طلقاته في وجه عريسها، لترحل إثر ذلك راكضة إلى مجهول جديد.

وكل هذا ضمن معالجة فنية سوريالية اعتمدت على قدرة الصورة على إيصال الحقيقة، بعيدا عن الأساليب النمطية للفيلم السينمائي، سواء في تسلسل الأحداث وتراتبها زمنيا، أو في منطقية اللقطة وواقعيتها.

16