آباء لا يرغبون في توريث أبنائهم المهن المرموقة

نجاح الآباء في أعمالهم لم يعد حافزا للأبناء فهم يشعرون باستقلال كبير عن الآباء، ويميلون تلقائيا إلى مخالفتهم في العمل لأن تحقيق الذات يتطلب تجنب التقليد.
السبت 2019/07/27
لا تكن مثلي.. رسالة الآباء لأبنائهم بعد تردي حال مهنهم

أثارت النتائج الجيدة لعدد كبير من طلبة الثانوية العامة منذ إعلانها قبل أيام في مصر ردود فعل صاخبة والحيرة لدى العديد من الأسر بشأن اختيار الكلية المرشحة لأبنائهم، خاصة في ظل توجه جديد يخالف الرغبة القديمة في توريث المهن المرموقة للأبناء بسبب طول فترة الدراسة ومشقتها، إلى جانب كون أغلب هذه المهن متعبة وغير مربحة.

القاهرة- في مصر اتجه الكثير من الآباء والأمهات إلى التفكير بصورة عملية، ودون اعتداد بتوريث المهن المتعارف عليها. وظهرت شريحة كبيرة من الأطباء والصحافيين والمعلمين تنصح أولادها بعدم سلوك طريق الآباء والأمهات، لأنها لم تعد مناسبة لمستقبلهم.

قال جمال منصور -وهو طبيب عظام يعمل في مستشفى حكومي بمدينة قليوب في شمال القاهرة- لـ”العرب” إن ابنه حصل على 98.6 بالمئة في الثانوية العامة وهو مجموع يؤهله للالتحاق بكلية الطب، لكنه أوصاه بألا يفعل ذلك، ويفاضل بين كليتي العلاج الطبيعي والصيدلة. وبرر ذلك بأن دراسة الطب شاقة وطويلة وصعبة كما أن المتخرج منها لا يحصل على أجر جيد يمكّنه من العيش بصورة كريمة.

وأشار منصور إلى أن خريجي كلية الطب تحديدا يستمرون في الدراسة طول عمرهم، وتصل فترات العمل إلى ساعات طويلة، صباحا ومساء، ويقل مدخولهم كثيرا مقارنة بآخرين يعملون في مجال البترول وصناعة الأدوية وبعض القطاعات التجارية.

وذكر أن الطبيب الذي لا يملك إمكانيات تساعده على تجهيز عيادة طبية خاصة به يتعرض لمعاناة شديدة، حيث يعمل براتب هزيل في واحد من المستشفيات الحكومية، ويضطر -تحت ضغط أعباء الحياة- إلى العمل في مستشفى خاص في وقت فراغه لتلبية احتياجاته.

ويؤمن الكثير من الآباء والأمهات بأن واجبهم نحو الأبناء يدفعهم إلى كشف السلبيات التي واجهوها في أعمالهم، وقد لا تكون مرئية لدى من لا يعملون فيها.

ما ينطبق على الطب ينطبق على مهن كثيرة أخرى، فالمعلم لم يعد يتمنى لابنه الآن العمل معلما والصحافي يحذر أبناءه من العمل في مهنة البحث عن المتاعب، وكذلك الكثير من المحامين والمحاسبين وأصحاب المهن المعروفة التي كانت مثار اهتمام الأسرة باعتبارها تمثل واجهة اجتماعية براقة.

قالت حنان عثمان -وهي صحافية تقيم في القاهرة وتعمل في مجال الصحافة منذ 28 عاما- لـ”العرب”، إنها حذّرت أولادها من التفكير في العمل الإعلامي عموما وقدمت لهم النصائح التي تثنيهم عن التفكير فيه كي لا يكررون تجربتها المرهقة.

ومن الغريب أن دراسة الإعلام ما زالت تحظى بالاهتمام، وتحتل كلياتها مرتبة متقدمة، وتحسب ضمن كليات القمة على الرغم من تدهور أوضاع الصحافة والإعلام في مصر، ولا تزال تحتل أولوية لدى بعض الأسر التي ترى فيها رمزا للشهرة.

أوضحت عثمان أن قطاعا كبيرا من أصحاب المهن المعروفة غير راضين عما حققوه في حياتهم، لذلك يخشون على أبنائهم من تكرار تجاربهم القلقة وينصحون بالتفكير بصورة عملية.

تحكم الآباء في الأبناء خرج عن نطاق السيطرة
تحكم الآباء في الأبناء خرج عن نطاق السيطرة

ازدهرت بعض المهن في مصر، مثل المهندس والطبيب والمحاسب، وشهدت في الماضي اهتماما وحرصا من جانب أسر كثيرة وإصرارا على توريث الأبناء لتلك المهن، وإعدادهم بما يتناسب مع هذه الفكرة. وأصبح أبناء الأطباء أطباء وأبناء المحامين محامين وأبناء المهندسين مثلهم والقضاة والضباط وهكذا.

اختلف الأمر مؤخرا بفعل اتساع انفتاح الأبناء نتيجة التطور التكنولوجي، وميل الكثير منهم إلى التحرر من قيود النصائح والتوصيات الأسرية والتصميم على مخالفة الآباء في أعمالهم كنوع من إثبات الذات.

يقول محمد لطفي، الطالب في السنة الثانية بكلية الحاسبات والمعلومات، إن أجيال ما بعد الربيع العربي أكثر تمردا على مهن الآباء، والأسر لا تتشبث بتوجيه الأبناء نحو مهن معينة، وأغلبيتها بدأت تتيقن من أن كل شاب -أو فتاة- قادر على اختيار مصيره دون توجيه مسبق.

لم يعد نجاح الآباء في أعمالهم حافزا للأبناء ولا يفرض التكرار، فهم يشعرون باستقلال كبير عن الآباء، ويميلون تلقائيا إلى مخالفتهم في العمل لأن تحقيق الذات يتطلب تجنب التقليد. وهذا أحد المعايير والقيم الجديدة التي بدأت تقلب موازين العديد من الأسر في مصر.

ويشير لطفي، لـ”العرب”، إلى أن الشباب يفضلون تحديد دراساتهم طبقا لرغبات وميول كل منهم، التي تتأثر بما يتلقونه من معرفة عبر وسائل متطورة قد لا تناسب جيل الآباء. يساهم التطور التكنولوجي السريع في إحداث تغيرات سريعة داخل سوق العمل، وبمرور الوقت تتراجع أهمية بعض المهن لصالح أخرى ترتفع شعبيتها.

ويلاحظ أن مهنة المدرس لم تعد مرغوبة في ظل التقدم الكبير للتعلم عن بعد بواسطة البرامج والتطبيقات. كذلك الحال بالنسبة لمهنة المحاسب والمترجم، حيث توجد بعض البرامج التكنولوجية التي تنجز العمل باحترافية شديدة.

ويرفض البعض من الأبناء توصيات الآباء بشأن تجنب تكرار مهنهم العملية، نظرا لمتاعبها أو قلة الطلب عليها وانخفاض مدخول العاملين فيها، لكن قد يؤدي الإلحاح على تجنب تلك المهن إلى التعلق بها بشكل أكبر.

 ويرى هؤلاء أن عدم نجاح الآباء في تلك المهن ليس عيبا في المهنة ذاتها، وإنما قد يكون تأثرا بعوامل أخرى خارج الحسابات التقليدية، وبرروا موقفهم بالإشارة إلى نماذج أخرى لأفراد ناجحين يعملون في المهن ذاتها التي يحذر منها الآباء. ويؤكدون أن أي عمل يمكن أن يحقق تميزا لصاحبه إذا أخلص له، والتحق به وهو متسلح بفكر خلاق، معتمدا على مهارات إضافية وجديدة.

الشباب يفضلون تحديد دراساتهم طبقا لرغباتهم وميولهم التي تتأثر بما يتلقونه من معرفة عبر وسائل متطورة قد لا تناسب جيل الآباء

وأوضح محمد سليم -وهو طالب بكلية الطب في جامعة الإسكندرية- لـ”العرب” أن والده يعمل طبيبا للعيون ونصحه بعدم دراسة هذا الاختصاص وتفضيل طب أمراض النساء والتوليد، لأنه أوفر حظا في العمل وأفضل عائدا، غير أنه اعتذر عن قبول نصيحة والده، وأصر على التخصص في طب العيون.

ورأى أن أزمة والده لم تكن في طب العيون كتخصص، إنما في قناعته بعلاج مرضى العيون بشكل تقليدي عبر النظارات والأدوية. وذكر سليم أن هناك دراسات جانبية متخصصة في الليزر وزرع العدسات يتلقاها إلى جانب دراسته الأكاديمية التقليدية في الجامعة، ما جعله يكرر تخصص والده لكن بشكل يتناسب مع تطورات العصر.

وأضاف أن مجال طب العيون تطور كثيرا، وهناك خبرات ومهارات إضافية يتضمنها ما يعرف بالهندسة الطبية، وهي مهارات يمكن اكتسابها لتغير من مستوى طبيب العيون وتجعله أوسع انتشارا وتأثيرا.

ويرى بعض الخبراء أن تحكم الآباء في الأبناء خرج عن نطاق السيطرة. وهو ما يفسر حالة التمرد التي يعيشها الجيل الحالي، فالقضية أبعد من الوصاية أو التوجيه الأسري وترتبط بوجود قدرة أكبر على الاختيار يفرضها الواقع وليس الوالدان.

21