آباء وأمهات ينافسون أبناءهم على امتلاك مفاتيح العصر الرقمي

الهاتف الجوال وسلسلة الأجهزة الذكية تجعل من مهمة الأم عسيرة وتضاعف من الوقت المهدور على حساب رفاهية ونمو الأطفال.
الأربعاء 2019/11/20
عالم يأسر الجميع

في عالم الأمس، كان يتم إلقاء اللوم على التلفزيون وجهاز التسجيل والراديو في تعكير انسيابية الحياة اليومية وبساطتها، اليوم أيضا تبدو الأجهزة التقنية والهواتف الذكية هي التي تلعب الدور الرئيس في إفساد النشء، إذا ما اعتمدنا آثارها السلبية فقط من وجهة نظر متخصصين، لكن أطفال الأمس الذين تسنى لهم المرور السريع على ألعاب الفيديو وبعض المنتجات التقنية حتى في أبسط صورها الأولية، أصبحوا الآن آباء وأمهات يتسابقون مع أبنائهم لامتلاك مفاتيح أبواب العصر الرقمي.

يحرص الآباء والأمهات في العصر الحديث كل الحرص على الاحتفاظ بسلسلة مفاتيح أبواب العصر الرقمي كلها، ثم يضعون القواعد المجحفة بنظر الأبناء للسيطرة على مخارج استخدامها، وسبلها وأوقاتها،

وينسى الآباء في خضم انشغالهم هذا بتوزيع الأدوار أنهم أصبحوا من أكثر مريدي هذا العالم التقني حماسا وتطرفا في الاستخدام غير المعقول وغير المبرر، وإهدار أوقات مهمة كان من المفيد أن يستغلوها في أعمال أكثر فائدة، أو على الأقل إنجاز ما تراكم منها، والأهم من كل ذلك الحرص على تقديم سبل الرعاية والاهتمام لأبنائهم.

يشير تيم ديفيد؛ الكاتب الأميركي المتخصص في مجال علوم الاتصال الإنساني في العمل والحياة، إلى أنه من المفيد أن يرانا أطفالنا ونحن نخضِع أنفسنا للقواعد الأساسية التي تلزمنا جميعا في استخدام هواتفنا الذكية مثلا.

ويتابع “على الرغم من أننا كأشخاص بالغين لا تنطبق علينا القواعد ذاتها التي تتعلق بتحديد وقت واتجاه استخدام الأجهزة الذكية بالنسبة للصغار. لكن هذا لا يعني بأننا غير مقيدين وبأننا نستطيع أن نتجاوز الحد الفاصل بين التصرف العقلاني واللاعقلاني، فهناك على الدوام حدود”.

ويضيف “يجب أن تكون مثاليا أمام أبنائك؛ حاضرا، أن تمنحهم اهتماما كاملا وليس مجزءا أو قاصرا”.

من المفيد أن يرانا أطفالنا ونحن نخضِع أنفسنا للقواعد الأساسية التي تلزمنا جميعا في استخدام هواتفنا الذكية

أغلب الأمهات، تحديدا، يعانين من شعور بالذنب تجاه أبنائهن، على الرغم من تواجدهن في المنزل أغلب الوقت، إلا أن أذهانهن مشغولة عادة بمكان آخر تماما ويحدث هذا بسبب المسؤوليات الكثيرة الملقاة على عاتقهن؛ تحضير الطعام، تنظيف المنزل، متابعة الواجبات المدرسية للأطفال، غسل الملابس، تدقيق بريد الرسائل اليومي، دفع الفواتير، إضافة إلى مسؤوليات عملهن الخاص ولاسيما إذا كانت الأم تعمل من المنزل فيتضاعف عليها الجهد، حيث تكون مشتتة بين واجباتها المنزلية وواجبات العمل.

وعلى الرغم من كل هذا، فإن بعض الأمهات يبذلن ما بوسعهن ليكن حاضرات الذهن مشاركات وجدانيا في كل ما يتعلق بتفاصيل حياة الأبناء داخل المنزل، في محاولة لتخطي حاجز المسؤوليات الروتينية التي تلبي احتياجات الأسرة ماديا. لكن هناك دوما ما يسهم في عرقلة هذه الانسيابية وجهود الأم لخلق التوازن بين مسؤولياتها ورعاية أطفالها معنويا، فجهاز الهاتف الجوال وسلسلة الأجهزة الذكية تجعل من هذه المهمة عسيرة وتضاعف من الوقت المهدور على حساب رفاهية ونمو الأطفال الانفعالي.

تقول ليز ماثيز، باحثة أميركية في علم النفس وأستاذة متخصصة في علم النفس السريري “أشعر دائما وكأني تحت سيطرة قائمة المهام المتعددة التي تعمل في ذهني طوال الوقت، تلك المهام التي تتراكم طوال الليل والنهار ترهقني وتشوش أفكاري”.

الهاتف سببا في تراجع التفاعل الإجتماعي داخل الأسرة
الهاتف سببا في تراجع التفاعل الإجتماعي داخل الأسرة

وتضيف “أشعر وكأنني لا أستطيع الاستمرار في أن أكون على رأس عملي المنزلي والمهني على حد سواء، بينما يتنامى لدي إحساس بأن أطفالي يزدادون غضبا يوما بعد يوم وبأني لا أقوم بواجباتي تجاههم كما يجب، لا أستطيع تلبية احتياجاتهم من الانتباه والرعاية والمتابعة بصورة كافية أو حتى مقبولة. فأنا لا أقوم بفعل شيء طوال الليل والنهار سوى النظر مرارا إلى قائمة المسؤوليات التي تنمو باستمرار وتزداد فقراتها تباعا”.

وأوضحت ماثيز قائلة “أعلم أني لست الوحيدة بهذه المشاعر، أنا محبطة وكذلك أطفالي، أرتكب الأخطاء ولا أقوم بواجباتي على أكمل وجه ولهذا يتوجب علي أن أغير من هذا الواقع، فأنا بحاجة إلى أن أكون أكثر حضورا، وعندما أكون في المنزل مع زوجي وأبنائي، من المهم أن أترك كل المهام المؤجلة؛ تصفح البريد الإلكتروني، الإجابة على الرسائل والمكالمات الهاتفية، وبدلا عن ذلك من المفيد أن أركز ذهني في التفاعل معهم، مع كلماتهم وأفكارهم ومشاعرهم، لهذا السبب خرجت بخطة مفيدة”.

وتؤكد ماثيز أن “أفضل ما يمكن فعله هو أن نضع أجهزتنا الإلكترونية بعيدا عن متناول أيدينا، وخاصة أن أغلبنا يذهب طوال الوقت ليتفحص جهاز اللابتوب أو الهاتف الجوال دون سبب أو حاجة فعلية وكأن شيئا غامضا يدفعه إلى ذلك، حتى أصبحت لدينا عادة تشبه الإدمان”.

وتقول موضحة “بدلا من النظر إلى هاتفي في الوقت ذاته الذي أجيب فيه على تساؤلات صغيري بنعم غير حقيقية، ينبغي أن أغلقه وأحمل نفسي على حديث حقيقي أتبادله مع أبنائي أسمع منهم ما يودون قوله، أرى تعابير وجوههم وابتساماتهم وأبادلهم مشاعر صادقة وجها لوجه”.

وتعدّ لغة الجسد أهم عنصر في التواصل العاطفي مع الأبناء أو أفراد الأسرة الواحدة عموما، وحين استفحل استخدام الأجهزة الإلكترونية والهواتف الذكية تراجعت عملية التفاعل الاجتماعي بصورة ملحوظة، فأصبح أغلب الناس يتحدثون مع شركائهم في العيش من خلف حاجز نفسي مساحته شاشة الكمبيوتر أو الهاتف، فإذا ما قطعت أفكار أحدهم بضع كلمات تناثرت من جانب في حوار عائلي استجاب لها مرغما وعلى مضض بإيماءة من الرأس أو إشارة إيجاب من بضع كلمات، في الوقت الذي تستغرق فيه نظراته كليا داخل شاشة جهازه الشخصي وتدون فيه أصابعه حديثا إلكترونيا آخر مع الأصدقاء أو أصحاب العمل؛ عالم افتراضي آخر استعاض به عن عالمه الحقيقي.

21