آبل تتحدى الحكومة الأميركية: بداية عصر رقمي جديد

على خلفية رفض شركة آبل طلب الحكومة الأميركية فك تشفير نظام تشغيل آيفون على اعتبار تنفيذه أمرا خطيرا جدا “يفتح بابا خلفيا لهواتف آيفون” كما قال الرئيس التنفيذي للشركة، تيم كوك، دخل رؤساء عمالقة التكنولوجيا المعركة مع آبل ضد مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) لمحاربة محاولات السيطرة.
السبت 2016/02/20
الحفاظ على السمعة أولوية مطلقة

واشنطن- رفضت شركة آبل أمر المحكمة الفيدرالية ووزارة العدل الأميركيتين الذي يقضي بكسر حماية أحد هواتف الآيفون “آي فون سي 5” الخاص بسيد رضوان فاروق أحد مطلقي النيران في أحداث هجوم “سان براندينو” في ديسمبر الماضي، الذي قتلته الشرطة مع زوجته، تاشفين مالك.

وكانت قاضية التحقيق شيري بيم، من المحكمة الفيدرالية لمنطقة وسط ولاية كاليفورنيا، أمرت الثلاثاء شركة آبل بإنشاء برامج خاصة من شأنها أن تمكن السلطات الأمنية من النفاذ إلى المعلومات المحملة على الهواتف الذكية.

ولكن بعد ساعات، في بيان صادر عن رئيسها التنفيذي، تيم كوك، أعلنت شركة آبل رفضها الامتثال لقرار المحكمة. وتضع هذه الخطوة الشركة في مواجهة قانونية مع المحكمة، حيث أن الشركة تقول إنها حريصة على حماية خصوصية زبائنها، بينما تقول سلطات إنفاذ القانون إن تقنيات التشفير القوي تحمي مرتكبي الجرائم.

وقال كوك، في بيانه إن “الحكومة الأميركية طلبت من آبل أن تتخذ خطوة غير مسبوقة تهدد أمن مستخدميها”. وأضاف “نعترض على هذا الأمر، الذي يحمل عواقب أبعد بكثير من كونه قضية قانونية”.

وقال مكتب التحقيقات الفدرالي “أف بي آي” إن خبراءه لم يتمكنوا من النفاذ إلى البيانات على آي فون سيد فاروق، وأنه بمقدور آبل تجاوز ميزات الأمان التي وضعتها. وقال الخبراء إنهم يخشون من خطر فقدان البيانات بشكل دائم بعد 10 محاولات فاشلة لإدخال كلمة المرور بسبب ميزات أمان الهاتف. وقال ممثلو الادعاء الفيدرالي إن آبل رفضت تقديم “مفاتيح” لتقنية التشفير الخاصة بها طوعا. وقال كوك إن إنشاء “أبواب خلفية” لتجاوز معايير التشفير القوية لدى آبل، “هو أمر لا نملكه، وأمر لم نتعود على إنشائه”.

يد الحكومة قد تمتد إلى خرق الخصوصية وتطلب من آبل إنشاء برامج للمراقبة من أجل اعتراض الرسائل الخاصة بالمستخدمين، والنفاذ إلى سجلاتهم الصحية أو المالية

من جانب آخر، أعلن رئيسا شركتي غوغل وواتسآب الأميركيتين الخميس، دعمهما لموقف شركة الإلكترونيات الأميركية آبل. وفي مجموعة تغريدات نشرها الرئيس التنفيذي لغوغل سندار بيشاي عبر موقع تويتر، قال إن إجبار الشركات على السماح لأجهزة الأمن باختراق اتصالات مستخدمي الأجهزة الذكية يمكن أن يهدد حق المستخدمين في الخصوصية.

واعترف بيشاي بـ”التحديات الكبيرة” التي تواجهها أجهزة إنفاذ القانون في محاربة الجريمة والإرهاب، لكنه وضع خطا فاصلا بين تقديم شركات التكنولوجيا للبيانات إلى هذه الأجهزة بناء على أمر من المحكمة، وبين إجبارها على السماح لهذه الأجهزة بقرصنة بيانات وأجهزة الزبائن. وكتب “يمكن أن يصبح هذا سابقة مزعجة”.

أما الرئيس التنفيذي لشركة واتسآب جان كوم فكتب على فيسبوك “يجب ألا نسمح بهذه السابقة الخطيرة. حريتنا اليوم على المحك”. من جانبه، وصف البيت الأبيض، الأربعاء، القضية بأنها “أولوية وطنية مهمة”. وقلل المتحدث جوش أرنست من خطورة الطلب قائلا إن المحققين يطلبون ببساطة طريقة لاختراق ذلك الجهاز تحديدا.

وغرد المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأميركية إدوارد سنودن واصفا القضية «بأهم قضية تقنية خلال السنوات العشر الماضية»، وأضاف “أف بي آي” تصنع عالما يلجأ فيه المواطنون إلى آبل للدفاع عن حقوقهم، بدلا من أن يكون العكس.

وفي بيان لهما نشرته صحيفة الغارديان، الخميس، قالت فيسبوك وتويتر “نحن ندين الإرهاب ونتضامن مع ضحاياه، ولكننا سنواصل التصدي لمطالب إضعاف أمن أنظمة الشركات لأن هذه المطالب ستشكل سابقة خطيرة وتعرقل جهود الشركات لتأمين منتجاتها”. وتساءل محامو هذه الشركات: إذا أُقرت هذه السابقة فما الذي يمنع القاضي من إجبار آبل أو غوغل على في تحميل برنامج تجسس على هاتف مشتبه فيه؟ وانتقد الكاتب مايك هاريس من صحيفة إندبندنت طلب أف بي آي لأنه بذلك سيراقب كل أميركي يستخدم آيفون سواء كان بريئا أو مذنبا بأي جرم.

يذكر أنه في عام 2014، أعلنت شركة آبل وشركة غوغل عن إعادة تصميم البرامج الخاصة بهما مع اعتماد تقنية التشفير “القرص الكامل” (القرص الصلب للهواتف الذكية)، ونتيجة لذلك لم تعودا قادرتين على فتح منتجاتهما، وأصبحت هذه التقنية مستخدمة في 96 بالمئة من أنظمة تشغيل الهواتف الذكية في جميع أنحاء العالم. وقد وضع ذلك الشركة في مواجهة مع الشرطة والمدعين العامين، الذين يريدون من الشركة إنشاء مفتاح رئيسي يمكن استخدامه لتجاوز الشفرة التي يضعها المستخدم.

ولاحظت شركة آبل أيضا، أن مكتب التحقيقات الفيدرالي بدلا من أن يطالب الكونغرس بتمرير تشريعات لحل معركة التشفير، اقترح ما يبدو أنه قراءة لرواية من قانون “أول رايتس آكت” لعام 1789. وهو القانون الذي يتيح للقضاة “إصدار جميع الوثائق المناسبة التي من شأنها أن تساعد بحثهم القضائي”.

سندار بيشاي: السماح لأجهزة الأمن باختراق الأجهزة الذكية يهدد حق الخصوصية

وكتب مارك زويلنغر، أحد محامي شركة آبل، في رسالة حول قضية ذات صلة في أكتوبر أن قانون “أول رايتس آكت” لا يمكن تفسيره بـأنه “إجبار للشركة على الاستحواذ على أي جهاز خارج الحيازة والسيطرة وإجراء خدمات على هذا الجهاز، بحيث لا يمكن للشركة أن توفر هذه الخدمات كجزء من أعمالها، وربما تكون هناك وسائل بديلة للحصول على المعلومات المطلوبة للحكومة”.

من جهتها، تقول الحكومة إنها لا تملك تلك الوسائل البديلة. وقال كوك في بيانه إن مطالب الحكومة “تقشعر لها الأبدان”. وأضاف “إذا كان بإمكان الحكومة استخدام قانون “أول رايتس آكت” لتجعل من فك شفرة الآيفون الخاص بأي مستخدم أكثر سهولة، فإنه لديها القدرة على النفاذ إلى جهاز أي شخص لالتقاط بياناته الخاصة. قد تمتد يد الحكومة إلى خرق الخصوصية وتطلب من آبل إنشاء برامج للمراقبة من أجل اعتراض الرسائل الخاصة بالمستخدمين، والنفاذ إلى سجلاتهم الصحية أو المالية، وتتبع مواقعهم، أو حتى النفاذ إلى ميكروفون هواتفهم أو الكاميرات دون علمهم”.

يذكر أن قضية الحال في هجوم سان برناردينو هي الحالة الأكثر وضوحا، ولكنها ليست الأولى. ففي أكتوبر الماضي، أعرب جيمس أورنشتاين، القاضي الفيدرالي في بروكلين، عن شكوكه حول إمكانية أن يطلب من آبل تعطيل أحدث ميزات الأمان الخاصة بآيفون، مشيرا إلى فشل الكونغرس في حل هذه القضية رغم إلحاح وزارة العدل.

وكان الكونغرس قد ناقش ما إذا كان تعديل قانون الاتصالات لعام 1994 سوف يشمل شركات التكنولوجيا مثل آبل، فيسبوك وغوغل. وقال القاضي أورنشتاين إنه سوف يدرس الطلب الموجه لآبل لفتح الهاتف عندما يوافق الكونغرس على تغيير الفصل القانوني. لكن ما تزال هذه الحالة معلقة.

ورغم أن آبل تصوّر معارضتها للأمر القضائي على أنها دفاع على خصوصية المستخدمين، إلا أن من بين دوافعها هو الحفاظ على سمعتها كشركة رائدة في مجال التشفير، في الوقت الذي تتزايد فيه المخاوف حول سرقة المعطيات الشخصية، والجرائم الإلكترونية والمراقبة الإلكترونية من جانب وكالات الاستخبارات ووكالات تنفيذ القانون. وتقول آبل إن إنشاء مفتاح رئيسي يمكن أن يجعل الأجهزة ضعيفة من الناحية الأمنية وبالتالي يمكن للقراصنة اختراقها.

18