آبي أحمد الحائز على نوبل للسلام يختم ولايته على وقع أعمال عنف متصاعدة

العنف السياسي والعرقي يعصف بإثيوبيا مع اقتراب الانتخابات.
الجمعة 2021/06/04
أعمال العنف حوّلت أتاي إلى مدينة أشباح

عندما تولى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد السلطة قبل ثلاث سنوات وعد بالتخلي عن الماضي الاستبدادي وبإجراء انتخابات تكون الأكثر ديمقراطية على الإطلاق. لكن آبي الحائز على نوبل للسلام لم يف بوعوده واختار أن يختم ولايته على وقع أعمال عنف سياسي وعرقي متصاعدة عصفت بالعديد من المناطق في البلاد، وهو ما سيلقي بظلال سلبية على السباق الانتخابي. ويتوقع متابعون أن تحول الاضطرابات الأمنية والمشاكل اللوجيستية دون إجراء الاستحقاق في موعده المقرر في يونيو الجاري.

أتاي (إثيوبيا) – حين دوّى إطلاق النار في صباح ذلك اليوم من أبريل، احتمت جينيت ويبيا بزوجها وضمت إليها ابنتها البالغة سبع سنوات، وهي تصلي من أجل أن يبقى بيتها بمأمن من أعمال العنف الإثنية التي عادت تعصف بمنطقتها في وسط إثيوبيا.

وبعيد الساعة الثامنة، خلع حوالي عشرة مسلّحين باب منزلها في بلدة أتاي وقتلوا زوجها غير آبهين لتوسّلها إليهم.

وزوج جينيت هو من ضمن حوالي مئة مدني قتلوا خلال موجة من أعمال العنف اجتاحت مؤخرا المدينة الواقعة في إقليم أمهرة، فأدت إلى إحراق أكثر من 1500 مبنى فيها وتركت شوارعها مكسوة بحطام متفحّم بعدما كانت تنبض بالحياة.

وشكّلت أعمال العنف الإثنية وصمة على ولاية رئيس الوزراء آبي الحائز على جائزة نوبل للسلام 2019، وهي تلقي بظلالها على الانتخابات التشريعية المقبلة التي يخوضها للفوز بولاية جديدة.

وحدّد موعد الانتخابات في الـ21 من يونيو، غير أن الهيئات الانتخابية تعتبر أن الاضطرابات الأمنية والمشاكل اللوجيستية تجعل من المستحيل تنظيمها في هذا الموعد في 26 دائرة على الأقل، من بينها أتاي.

وقبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات، لم تكن قد برزت مؤشرات على خوض حملات فيما تعتزم الكثير من أحزاب المعارضة مقاطعة الاقتراع الذي وصفته بأنه “مهزلة”.

جيش تحرير أورومو ينفي أي وجود لعناصره في المنطقة، ويؤكد أن السلطات تتهمه زورا لتبرير “تطهير إثني” تنفذه بحق الأورومو

وتوقع متابعون أن تبرز عدة أزمات أمنية تجعل من المستحيل إجراء الاقتراع في مساحات شاسعة من البلد، وهو ما حصل فعليا مع تصاعد العنف الإثني بشكل خاص.

وإذا كان هدف آبي هو توحيد الإثيوبيين البالغ عددهم 110 ملايين نسمة والموزعين على عدد كبير من المجموعات الإثنية، فإن ذلك يبدو مستبعدا للغاية في مدينة أتاي الزراعية، على سبيل المثال.

ويشير المحللون إلى أن إصلاحات آبي السياسية بعد سنوات من حكم بيد حديد، أدت إلى تفاقم القومية الإثنية والصراع على السلطة.

وتحول النزاع إلى أعمال عنف عندما أرسل رئيس الوزراء الإثيوبي جنوده إلى تيغراي للإطاحة بالحزب بعدما اتهمه بمهاجمة معسكرات للقوات الفيدرالية، لكن العملية التي وصفت بحملة عسكرية مقتضبة تحولت إلى حرب طاحنة.

وبموازاة ذلك تفاقمت أعمال العنف الإثنية مع مقتل المئات منذ مارس في هجمات في إقليم أمهرة وتزايد أعداد القتلى في مناطق متوترة أخرى.

وتضم إثيوبيا عشرة أقاليم فيدرالية تتمتع بحكم شبه ذاتي، ومقسمة إلى حد كبير على أساس عرقي. وكثيرا ما تثير الخلافات السياسية والنزاعات حول الأراضي، أعمال عنف بين الأقاليم وداخلها.

وعلى سبيل المثال، فإن غالبية سكان أتاي الـ70 ألفا من إثنية الأمهرة غير أن المدينة محاذية لعدة قرى سكانها من الأورومو.

وأوضح رئيس البلدية أغاغينو ميكيتي أن المدينة شهدت ما لا يقل عن ست موجات من أعمال العنف الإثني بين الأورومو والأمهرة، أكبر إثنيتين في إثيوبيا، منذ وصول آبي إلى السلطة عام 2018.

وتقول جينيت ويبيا المنتمية إلى الأمهرة، إن مجرد سماع لغة الأورومو يبعث فيها خوفا خارجا عن سيطرتها، إذ تستعيد مشهد زوجها ينزف على أرض المطبخ في منزلهما.

وتقول “هم الذين فعلوا ذلك بزوجي، لا أريد أن أراهم أو أسمعهم بعد الآن”.

الوصول إلى الأراضي

إصلاحات آبي السياسية بعد سنوات من حكم بيد من حديد أدت إلى تفاقم القومية الإثنية والصراع  على السلطة
إصلاحات آبي السياسية بعد سنوات من حكم بيد من حديد أدت إلى تفاقم القومية الإثنية والصراع على السلطة

يعتبر رئيس البلدية أن أعمال العنف تعكس التوتر القائم حول استخدام الأراضي الخصبة في المنطقة التي تنتشر فيها زراعة القمح والذرة والذرة البيضاء.

وأسفرت المواجهات في مارس وأبريل في أمهرة عن سقوط أكثر من 400 قتيل ونزوح 400 ألف شخص، بحسب رئيس فريق الوساطة الإثيوبي إندالي هايلي الذي رفض توضيح أعداد الضحايا بحسب الإثنيات.

ورأى أغاغينو أن سعي رئيس الوزراء إلى تليين النظام المتسلط الذي اعتمده الائتلاف الحكومي السابق أوجد فسحة سياسية اغتنمها القوميون العنيفون.

وقال “حصل تساهل بعد وصول آبي إلى السلطة، تحت شعار الانفتاح على الديمقراطية”، مضيفا “ليس هناك صرامة في تطبيق القانون”.

وعلى غرار جينيت ويبيا، يلقي أغاغيتو بقسم من المسؤولية عن أعمال القتل على جيش تحرير أورومو، المجموعة المتمردة التي صنفتها السلطات “منظمة إرهابية” في مايو.

غير أن جيش تحرير أورومو ينفي أي وجود لعناصره في المنطقة، ويؤكد أن السلطات تتهمه زورا لتبرير “تطهير إثني” تنفذه بحق الأورومو.

ولا يؤمن العديد من سكان أتاي الأورومو بضلوع جيش تحرير أورومو في أعمال العنف، ومن بينهم بورو الذي لم يكشف سوى عن اسمه الأول لأسباب أمنية.

وأوضح بورو أن أعمال العنف بدأت في 19 مارس بعد أن قامت قوات الأمن الأمهرة بقتل إمام من الأورومو أمام مسجد، ومنعت انتشال جثته.

وتابع في تصريحات صحافية “لم يأت الأمر من العدم، كانت تدور حرب، وكان كل معسكر يهاجم الآخر”.

وأيا كانت المسؤوليات، فإن أعمال العنف حولت أتاي إلى مدينة أشباح.

وتم تخريب المستشفى ومركز الشرطة، ولم يبق من المتاجر سوى واجهات محطمة وبقايا مبعثرة تذكّر بنشاطها الماضي، فيمكن رؤية علبة أحذية محترقة هنا ولافتة صالون تجميل ممزقة هناك.

وفرّ معظم السكان ولا يمكن رؤية جمع إلا عند توزيع أكياس القمح التي تقدمها السلطات.

عمليات قتل مسيّسة

Thumbnail

تؤكد اللجنة الانتخابية أن أتاي ستصوت على غرار الدوائر الـ25 التي تشهد أعمال عنف، قبل بدء الدورة البرلمانية الجديدة في أكتوبر.

لكن السلطات لم تباشر أي تحضيرات، كما أن السكان لا يبدون أي حماسة للتصويت.

وقالت هوى سيّد (19 عاما) “لماذا نصوّت؟ لا نكترث إطلاقا لهذه الانتخابات. خسرنا منازلنا”.

وقد تنعكس مجازر أتاي على عمليات التصويت في مناطق أخرى من إثيوبيا، إذ أثارت تظاهرات في أمهرة، فيما يتحدّث بعض الناشطين عن “إبادة”.

وتؤكد “جمعية الأمهرة في أميركا”، مجموعة الضغط المتمركزة في واشنطن، أن أكثر من ألفي شخص من هذه الإثنية قتلوا في العشرات من المجازر التي وقعت منذ يوليو 2020.

وقال العضو في حركة الأمهرة الوطنية المعارضة ديسالين شاني إنه “بالنسبة إلى أشخاص مهددين في وجودهم نفسه، أعتقد أن مسألة أمن الأمهرة في كامل أنحاء إثيوبيا ستحدد اقتراعهم”.

وفي المقابل، اتهم المتحدث باسم إقليم أمهرة غيزاشو مولونه الأحزاب المتخاصمة “بالسعي إلى تسييس عمليات القتل وتحقيق مكاسب منها”.

وشاركت جينيت ويبيا في التظاهرات. وقالت “كنت سعيدة بوجودي هناك، أردت أن أندّد بالأذى الذي ألحقوه بنا وأطلب من الحكومة وقف إبادة الأمهرة”.

غير أنها لم تتخل عن فكرة أن يتمكن الأمهرة والأورومو من العيش معا بسلام في المستقبل.

وروت أنه بعد قتل زوجها، احتضنها جيران من الأورومو لفترة وجيزة مع ابنتها بانتظار أن تتوقف أعمال العنف، وهي بادرة تذكرها بحقبة هانئة تود أن تعود. وختمت “كنا في الماضي نعيش كلنا معا مثل عائلة”.

6