آثار العقوبات الأميركية تجتاح جميع مفاصل الاقتصاد الإيراني

الحكومة الإيرانية تحظر تصدير معجون البندورة في خطوة ضمن سلسلة من خطوات التدخل لمحاولة الحد من الاضطراب الاقتصادي الذي كان وقودا للاحتجاجات الشعبية.
الجمعة 2018/10/12
الأسواق الإيرانية نحو المجهول

تفاقم انتشار آثار العقوبات الأميركية في جميع مفاصل حياة الإيرانيين قبل أسابيع من إكمال قطع آخر شرايين الحياة الاقتصادية، حيث أدى انهيار الريال إلى غليان الأسعار وإرباك حركة تجارة التجزئة في وقت يرى فيه محللون أن درجة تفاقم الركود ستتوقف على مدى تشدّد واشنطن في تطبيق العقوبات.

لندن- يكشف انحسار تجارة معجون البندورة (الطماطم) الكثير عن أثر تجدد العقوبات الأميركية على إيران باعتباره سلعة أساسية أقبل بعض الناس على شرائها خوفا من اختفائها رغم أنه لا يعكس بوضوح المؤشرات الاقتصادية السلبية للبلاد.

ومع أن إيران تصنع ما تستهلكه من معجون البندورة من محصولها المحلي فقد بثت العقوبات التي أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرضها الفوضى في الإمدادات.

ودفع انخفاض قيمة الريال بنسبة 70 بالمئة هذا العام إلى الإقبال على شراء العملات الأجنبية، ما جعل الصادرات أكثر قيمة بالعملة المحلية بدلا من بيع المنتجات في السوق المحلية.

واتجهت البعض من المتاجر إلى تحديد حد أقصى لمشتريات المعجون المستخدم في الكثير من الأطباق المحلية وباعت بعض خطوط الإنتاج إنتاجها بالكامل مع إقبال الناس على الشراء.

وردّت الحكومة بحظر تصدير هذه السلعة في خطوة ضمن سلسلة من خطوات التدخل لمحاولة الحد من الاضطراب الاقتصادي الذي كان وقودا للاحتجاجات الشعبية وانتقاد الحكومة هذا العام.

مهرداد عمادي: الاقتصاد الإيراني سيمر بفترة تقشف مماثلة لفترة الحرب العراقية الإيرانية
مهرداد عمادي: الاقتصاد الإيراني سيمر بفترة تقشف مماثلة لفترة الحرب العراقية الإيرانية

غير أن سياسة الحكومة بخصوص هذا الأمر لم تفلح. فقد أكد مسؤول في هذه الصناعة لوكالة رويترز أنه يجري تهريب البندورة إلى الخارج. وقال محمد مير رضوي، رئيس اتحاد صناعة التعليب في إيران، لقد “سمعنا أن شاحنات تمتلئ بالبندورة مازالت تخرج من البلاد خاصة إلى العراق”.

وأضاف “يضعون صناديق البندورة المنتجة في الصوب الزراعية من فوق ويخفون البندورة العادية تحتها”، مشيرا إلى ثغرة تتمثل في إعفاء البندورة المزروعة في الصوب.

وهذه أحد السبل التي تضر بها العقوبات المواطن الإيراني العادي بينما يستفيد من يمتلك العملة الصعبة. وكانت واشنطن قد أعادت فرض عقوبات على تجارة العملة وقطاعات المعادن والسيارات في إيران بعد انسحابها من الاتفاق النووي.

وفي ضوء سريان العقوبات الأميركية على صادرات النفط الإيرانية الشهر المقبل، فإن الإيرانيين يخشون أن تدخل بلادهم حالة ركود ربما تكون أسوأ من الفترة بين عامي 2012 و2015.

وقال مهرداد عمادي، الخبير الاقتصادي الإيراني الذي يرأس وحدة تحليلات المخاطر بقطاع الطاقة بشركة بيتاماتريكس الاستشارية في لندن، إن “ثمة توافقا بدأ يظهر على أن الاقتصاد سيمر بفترة تقشف مماثلة للفترة المسجلة خلال الحرب الإيرانية العراقية”.

وتشهد مجموعة من السلع قفزات سعرية لا سيما الواردات مثل الهواتف المحمولة وغيرها من الإلكترونيات، لكنها تشمل سلعا أساسية أيضا. فقد ارتفع سعر زجاجة الحليب من 15 ألف ريال في العام الماضي إلى 36 ألفا الآن.

وبلغ سعر علبة معجون البندورة زنة 800 غرام في المتاجر نحو 60 ألف ريال في مارس وأصبح الآن 180 ألف ريال، أي 1.24 دولار بسعر الصرف الرسمي، ما دفع الأسر إلى التكالب على شرائه وتخزينه. وزاد سعر البندورة لأكثر من 5 أمثاله مقارنة بالعام الماضي.

وتقصر لافتات رفعت على الأرفف في بعض المتاجر مشتريات كل زبون على علبتين فقط. ويوضح موقع “ديجيكالا” الإيراني للتسوق الإلكتروني أن أنواع المعجون التسعة غير متوفرة ويشير إلى أن الأنواع الباقية “ستصل قريبا”.

ويقول رضوي إنه مما يزيد الضغوط ارتفاع سعر العلب لأربعة أمثاله. وقد سعى التجار الذين يستوردون المواد اللازمة لصنع العلب إلى شراء الدولارات بسعر الصرف الرسمي، الذي يستخدم على نطاق ضيق.

وطلبت السلطات الإيرانية من كافة التجار استخدام سعر صرف آخر أعلى من الرسمي، الذي تم اقراره في وقت سابق. وقد تسبب هذا الأمر في تأخر شحنات بعض المواد إلى المصانع.

9 أنواع من معجون البندورة اختفت من المتاجر الإيرانية، بسبب تهريبها للعراق وتخزين التجار لكميات منها

وتشنّ الحكومة حملات متكررة على التلاعب في الأسعار وتأمر أصحاب المتاجر بالبيع بأسعار أقل، غير أن بعضهم لا يبيع سلعه على الإطلاق اعتقادا منه بأن الأسعار سترتفع في نهاية الأمر من اشتداد أثر العقوبات.

وبرهنت إيران، وهي منتج كبير للنفط ولديها اقتصاد متنوع، على أن قطاعات الزراعة والصناعات التحويلية والتوزيع يمكن أن تتجاوز فترات الحرب والعقوبات الطويلة.

وارتفع مؤشر سوق طهران للأوراق المالية بنسبة 83 بالمئة هذا العام مع الارتفاع الشديد في أسهم شركات التصدير. وكذلك ارتفعت أسعار العقارات في المدن مع إقبال الإيرانيين على تحويل مدخراتهم إلى سوق العقار بدلا من الاحتفاظ بالعملة المحلية المتناقصة قيمتها.

وجاء هبوط العملة الذي دفع بالسوق غير الرسمية إلى مستوى 145 ألف ريال مقابل الدولار من 42.9 ألف ريال للدولار في نهاية العام الماضي، وفقا لموقع “بونباست.كوم”. وربما يكون ذلك قد دعم النظام المالي بشكل من الأشكال.

وتواجه البنوك وصناديق المعاشات صعوبات كبيرة بسبب تراكم الديون. وقال عمادي إن “انخفاض الريال إلى 190 ألفا مقابل الدولار أواخر سبتمبر حقق للحكومة أرباحا هائلة غير متوقعة عما بحوزتها من الدولارات”.

جون بولتون: عودة العقوبات كان لها أثر مدمر على اقتصاد إيران والأمر سيزداد سوءا
جون بولتون: عودة العقوبات كان لها أثر مدمر على اقتصاد إيران والأمر سيزداد سوءا

ويبدو أن طهران ضخت بعض هذه الأرباح في البنوك العاجزة عن سداد التزاماتها لدعمها، لكن بينما البيانات الرسمية عن الأشهر القليلة الماضية لم تنشر بعد، يعتقد عمادي أن الاقتصاد يمر بحالة ركود قد تشتد حدة في الأشهر المقبلة.

وتنبّأ صندوق النقد الدولي هذا الأسبوع بأن الاقتصاد الإيراني سينكمش بنسبة 1.5 بالمئة هذا العام وبنسبة 3.6 بالمئة في العام المقبل قبل أن يتحسن ببطء.

وسيجعل ذلك الركود أقل حدة من الذي شهدته البلاد في 2012 عندما انكمش الاقتصاد بنسبة 7 بالمئة وأبعد كثيرا عن الضرر الذي لحق بها في الحرب مع العراق في ثمانينات القرن الماضي عندما انكمش بنحو الربع.

كما توقع الصندوق أن يقفز معدل التضخم إلى ذروة تتجاوز 34 بالمئة العام المقبل ليعود في فترة وجيزة إلى مستواه في 2013. وسيتوقف مدى الركود الاقتصادي الحالي بفترات سابقة من الأزمات الاقتصادية في إيران على تشدد واشنطن في استخدام العقوبات في دفع الدول الأخرى لقطع تجارتها مع طهران.

وقال مسؤولون أميركيون إن العقوبات ستكون أشد من التدابير العقابية التي فرضت بين عامي 2012 و2015. ويهدف المسؤولون إلى تقليل الصادرات النفطية الإيرانية بشكل أكثر حدة والإخلال بالصادرات لإيران من مراكز تجارية مثل دبي بدرجة أشد.

ونسبت رويترز لمستشار ترامب للأمن القومي جون بولتون، قوله في أغسطس الماضي “أعتقد أن عودة العقوبات كان لها أثر مدمر على اقتصادهم وأعتقد أن الأمر سيزداد سوءا”.

10