آثار المسلمين بعد سقوط غرناطة في كتاب جزائري

لطالما شغل موضوع مصير المسلمين بعد سقوط غرناطة، آخر معاقلهم العام 1492، اهتمام الباحثين في التاريخ الإسلامي والدارسين لأهمّ مكونات الحضارة العربية الإسلامية، وقد شكلت هذه المسألة محور الكثير من التساؤلات التي مازالت تطرح إلى يومنا هذا، لندرة الدراسات التي حاولت تقصي ماضي المسلمين الأندلسيين وهجراتهم الكبرى بعد حوادث محاكم التفتيش.
الجمعة 2016/10/28
تسليم غرناطة بعد تسليم أبي عبدالله الصغير مفتاح المدينة لفرناندو وإيزابيلا "لوحة للفنان فرانسيسكو بارديا"

الجزائر - قاد المسلمون في عام 711 ميلادي حملة عسكرية استمرت حتى عام 726 ميلادي، تحت راية الدولة الأُموية نجحوا خلالها في فتح مملكة القوط الغربيين المسيحية في “هسپانيا”، التي حكمت شبه جزيرة “إيبيريا” والتي عرفها المسلمون باسم “الأندلس”. وظل حكم المسلمين

للأندلس حتى الثاني من يناير من العام 1492 ميلادي، حينما سقطت مملكة غرناطة ليبقى التساؤل عن مصير أهل الأندلس وأبنائهم وأين هم اليوم، وهو ما أجاب عليه الكاتب والإعلامي الجزائري فوزي سعدالله في كتابه الجديد “الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم”.

معاناة المهجرين

يستعرض الكتاب الجديد، الذي صدر بداية الشهر الجاري عن دار النشر “قرطبة”، معاناة الأندلسيين المهجّرين قسرا من بلاد الأندلس (أسبانيا حاليا) إلى بلدان أخرى.

ويخصص الكاتب نصف مساحة مؤلفه لـ”الشتات الأندلسي في الجزائر” لكونه موضوعا لا يزال غير معروف في البلاد، حسب كاتبه. ويتناول الكاتب في إصداره مصير مسلمي أسبانيا في القرون الوسطى الذين يعرفون عادة باسم “أهل الأندلس”، وذلك منذ اللحظة التي سقطت فيها مملكة غرناطة الإسلامية في الثاني من يناير من العام 1492.

ويقول الكاتب فوزي سعدالله “إنّ مئات الآلاف من هؤلاء الأندلسيين تركوا وطنهم مُكرَهين إما نفيا وإما بقرار استباقي للاضطهاد الذي سوف يطال جميع المسلمين في شبه الجزيرة ‘الإيبيرية’ (أقصى الجنوب الغربي لأوروبا) من قبل الملوك الأسبان والكنيسة الكاثوليكية ومحاكم التفتيش”.

فكانت الوجهة- وفق ما ذكره الكاتب- المغرب الإسلامي، بما في ذلك الجزائر، بينما تشتت الباقي على دول العالم العربي والإسلامي ودول حوض المتوسط ومنها (فرنسا وإيطاليا والبوسنة والهرسك وتركيا وسويسرا)، ووصل آخرون إلى إيران والهند وباكستان ودول جنوب شرق آسيا.

الكاتب يخصص نصف مساحة مؤلفه لـ"الشتات الأندلسي في الجزائر" لكونه موضوعا لا يزال غير معروف

ويلفت المتحدث إلى أنّه بالرغم من الوضع المرير الذي عاشه الأندلسيون إلا أنّ أعدادا كبيرة بقيت في أسبانيا ولا يزال البعض إلى غاية اليوم.

وأجبر النظام الجديد تدريجيا الأندلسيين ابتداء من العام 1500 ميلادي على تغيير ألقابهم وأسمائهم ومُنعوا من استخدام اللغة العربية وممارسة الشعائر الإسلامية وكل التقاليد المرتبطة بها من أزياء ومأكولات والاحتفال بالأعياد الإسلامية والختان والغناء على الطريقة العربية الإسلامية.

ويؤكد سعدالله أنّه عبر طيات هذا العمل اقتفى آثار الأندلسيين حيثما حلُّوا، حيث اكتشف انتشارهم في جنوب أوروبا والشرق الأوسط بالإضافة إلى شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء، على غرار دول مالي والنيجر والسنغال، كما أنّ طلائعهم بلغت إمبراطورية غانا وأدغال أفريقيا.

وعن مراحل تأليف “الشتات الأندلسي” يوضح الكاتب الجزائري أن البحث استغرق أكثر من عقد من الزمن، حيث باشر الخطوات الأولى لإنجاز هذا الكتاب حوالي 2002 /2003 معتمدا على البحث البيبليوغرافي والشهادات الميدانية الحية لأحفاد الأندلسيين في الجزائر، فضلا عن شهادات الأسبان والإيطاليين والفرنسيين والأتراك والمصريين و”الشاميين” (من إقليم بلاد الشام) وغيرهم من العالمين العربي والإسلامي.

الدعم الجزائري

يسلط العمل الضوء على دور الجزائر في مساعدة المهجّرين الأندلسيين لكونها كانت امتدادا ديموغرافيا واجتماعيا وثقافيا وحضاريا للأندلس، مثلما الأندلس كانت امتدادا للجزائر ولكل الشمال الأفريقي.

ويعبّر سعدالله بقوله “كانت الأندلس عامرة بعلمائنا وقادتنا العسكريين وسياسيينا وكانت الجزائر ومازالت عامرة بالأندلسيين وأحفادهم”.

ويتابع “لا يجب أن ننسى أنّ عبدالرحمن صقر قريش المعروف بعبدالرحمن الداخل مؤسس مملكة بني أمية في قرطبة لجأ من اضطهاد العباسيين إلى مدينة تاهرت “تيارت” (حاليا) الواقعة في الغرب الجزائري”.

يبرز الكاتب الدعم الجزائري للأندلسيين في مؤلفه الجديد ليس فقط في أنّ بلاده فتحت لهم الأحضان وقدمت لهم كافة التسهيلات للانخراط في المجتمع أو المساعدة المادية والعسكرية بإرسال السلاح والمقاتلين لمساعدة الأندلسيين وأحفادهم الموريسكيين على استرجاع الأندلس والدفاع عن أنفسهم ودينهم، بل قامت أيضا بإجلائهم عندما استعصى استرجاع هذه الأرض.

كما كانت ترسل كتائب من “الكوماندوز” لاحتلال بلدات بأكملها في أسبانيا طيلة أيام وإغلاقها ريثما يتم إفراغها من مسلميها وعائلاتهم وإرسالهم إلى الجزائر، بحسب الكاتب.

كذلك، كان الجزائريون بمختلف مكوناتهم العرقية والقبلية حاضرين داخل كتائب “المقاومة الأندلسية” أثناء الثورات الموريسكية الكبرى كثورة ( 1569م- 1571م).

وفي ردّه على سؤال حول مدى اهتمام الباحثين والمؤرخين الجزائريين بموضوع “الأندلسيين وعلاقتهم مع الجزائر، تأسف الكاتب على أنّ هذا الموضوع لم ينل حقه من البحث والدراسة وإلا لكان الجزائريون مطّلعين على تفاصيله، رغم رغبتهم الشديدة في معرفة هذا الفصل الهام من تاريخ بلادهم.

14