آجر توزر فن معماري فريد بألوان رمال الصحراء

السبت 2014/05/10
توزر تتميز بطابع معماري يفوح من ثناياه عبق الحضارة

توزر(تونس) – تمتاز مدن محافظة توزر التونسية بجدرانها الصفراء المزيّنة بـ”الآجر”، بما في ذلك جميع بناياتها الحكومية، مما جعلها تتميّز بطابع معماري خاص يجلب إليها آلاف السياح سنويا.

يملك الشاب التونسي، عنترة الغربي، مهارة عالية في صناعة “الآجر” (نوع من الطوب الأصفر) الذي يعد أحد أبرز مقومات الفنّ المعماري القديم المتجدد بواحات الجنوب التونسي، وإحدى أبرز العلامات المميّزة لمعمار جنوب المتوسط.

ومنذ أكثر من 20 عاما، يستيقظ “عنترة” كل صباح باكرا ليتجّه إلى ورشته بمنطقة “عين المرزوقي” في الضاحية الغربية لمدينة توزر (بوابة الصحراء التونسية)، حيث يباشر عمله في صناعة الآجر، وفق الطرق التقليدية التي تعلّمها عن أجداده منذ الصغر.

وتعدّ منطقة “عين المرزوقي” التي تُعرف أيضًا بمنطقة أفران “طهي الآجر”، المنجم الأساسي لصنع هذا النوع المميّز من الآجر منذ مئات السنين.

وتمتاز مدن محافظة توزر الواقعة جنوب غرب تونس قرب الحدود الجزائرية، وعدد من المحافظات المجاورة لها، بجدرانها الصفراء المزيّنة بـ”الآجر”، بما في ذلك جميع بناياتها الحكومية، مما جعلها تتميّز بطابع معماري خاص يجلب إليها آلاف السياح سنويًا.

وقد فرضت بلديات هذه المدن منذ سنوات قانونًا يفرض استعمال الآجر بنسبة لا تقلّ عن 30 بالمئة من مجموع المنشآت والبنايات والجدران المقامة.

ويتقن عنترة منذ سنّ الـ 16 فنّ صناعة الآجر عن والده، حتى بات اليوم أبرز الحرفيين المزوّدين للمنطقة وكامل البلد بالآجر، مستعينًا في ذلك بخبرة تقدّر اليوم بـ20 سنة من المهارات اليدوية في هذا الاختصاص المعماري التراثي الفريد من نوعه في العالم.

يصنع عنترة ورفيقاه يوميًا بأيادٍ ماهرة أكثر من 500 قطعة من الآجر

يباشر عنترة عمله رفقة زميله سليم وأخيه محمد، بإعداد خلطة مميّزة من أجود أنواع الطين لإعداد قوالب مختلفة من الآجر، التي يصفٌفها بشكل منتظم تحت أشعة الشمس، بعد أن يذّر عليها الرماد، حتى تجّف بشكل يحول دون تشقّقها ودون أيّة راوسب ملحية تنقص من جودتها.

ويصنع الشاب التونسي ورفيقاه يوميًا بأيادٍ ماهرة خبرت استعمال الطين وتطويعه، أكثر من 500 قطعة من الآجر تكون ثلاثية الأبعاد (طول 25 سم، عرض 10 سم، ارتفاع 3.5 سم)، وبعد أن تجفّ تحت أشعة الشمس الحارقة بمنطقة توزر يقوم بصقلها بسكين حاد يسوّي فيها أي إعوجاج.

وبعد جمع حوالي عشرة آلاف قطعة من الآجر ( تقريبًا مرّة كلّ شهر) يقومون بإشعال أحد الأفران الكبيرة المجاورة لورشتهم، بطهي قطع الآجر في درجات حرارة تصل إلى ألف درجة مئوية ويستعملون في ذلك جريد النخل وجذوره المنتشرة في واحات توزر.

وفي هذا السيّاق، يقول عنترة: “كل شيء في توزر مرتبط بالنخلة”، مشيدًا بعمق الرابط الوجودي بين سكّان المنطقة مع النخلة التي تمثّل أحد عناصر بقائهم في هذه المناطق الصحراوية القاحلة.

ويقوم العاملون بمنطقة “عين المرزوقي” باستخدام من 5 آلاف إلى 6 آلاف جريدة نخيل لإشعال الفرن الواحد (حوالي 60 فرنًا بالمنطقة) من أجل طهي 10 آلاف قطعة آجر طينية.

وبعد الطهي تحتاج قطع الآجر حوالي خمسة أيام حتى تبرد، وإخراجها من عمق الفرن، الذي عادة ما يكون نصفه السفلي تحت الأرض.

وترصّف القطع بانتظام، ويلمح تغيرّ لونها من الأحمر إلى الأصفر المشوب بالإخضرار بعد طهيها وتجفيفها تحت أشعة الشمس.

ويشير عنترة إلى أن الإقبال على شراء الآجر “كبير”، ويقع بيع كل ألف قطعة بما قدره 80 دولارا.

وفي السنوات الأخيرة، باتت هذه المهنة من الحرف النادرة في المنطقة، نظرًا إلى صعوبتها وتراجع إقبال الشباب عليها.

جدران بنايات توزر ذات الطابع المعماري المميز

وتعيش حوالي 20 عائلة بصفة مباشرة من هذه المهنة، من بينها عائلة عنترة الغربي الذي أكّد بيقين أنّه لن يدفع بأبنائه إلى “جحيم” هذه الحرفة التي منعته عن إكمال تعليمه بالرغم من أهميّتها وعراقتها، حسب تعبيره.

فرغم صغر سنّه (36 عامًا) تبدو ملامح الإعياء والتعب جليّة على عنترة، وعلى تجاعيد وجهه الأسمر جراء حرّ الأفران وأشعة الشمس، كما أن تشقّق أطراف قدميه ويديه يدل على ما يلاقيه من مشاق في حرفته التي تحتاج إلى الشدّة والصلابة.

وتقول أسطورة يرددها تونسيون إن أصل تسمية المنطقة بـ”توزر” يعود إلى امرأة كانت تدعى “توزر” بمدينة قسنطينة الجزائرية، وكانت متميزة في صناعة الطين والفخار، مما أثار حسد زملائها بالمدينة فطردوها ولم تجد من مستقر سوى واحات الجنوب الغربي التونسي ( توزر)، حيث جلبت الحرفة معها.

إلا أن رجلا ستينيا جار عنترة في العمل يقول إن أصول هذا الفن المعماري جلبها المسلمون والعرب منذ عهد الفتوحات الإسلامية، مشيرًا إلى أن جدران وسور جامع عقبة بن نافع ( أول المساجد التي بنيت في أفريقيا في القرن الثامن الميلادي) بنيت بهذا الآجر.

20