"آخر أيام المدينة" فيلم عن نهاية القاهرة كمدينة عظيمة

في قسم “المنتدى” بمهرجان برلين السينمائي الذي اختتم مؤخرا، عرض الفيلم المصري “آخر أيام المدينة” للمخرج تامر السعيد، وهو أول أفلامه، وظل في مرحلة العمل لعدة سنوات إلى أن أتيحت له فرصة العرض العالمي الأول في أحد أهم المهرجانات السينمائية في العالم.
الجمعة 2016/03/04
أسلوب شبه تسجيلي وشبه روائي

يمكن القول إن فيلم “آخر أيام المدينة” للمخرج المصري تامر السعيد، هو فيلم عن الغربة كما أنه عن الموت والتدهور والاحتضار، وكأننا نشهد نهاية حضارة كانت قائمة ذات يوم. إنه يجسد حالة التحلل والانهيار، ويلمس تلك الثورة الكامنة في الصدور التي كانت قد تراكمت في 2009 وقت تصوير الفيلم، ولكن الفيلم يبدو أيضا كما لو كان نبوءة بفشل الثورة، بالتراجع إلى ما هو أسوأ من الماضي الذي ثار عليه الثائرون.

إنه باختصار فيلم عن الإحباط على المستويين؛ العام والخاص، وعن سقوط مدينة في براثن الجهل والتخلف والشعوذة والإهمال والهدم.

الشخصية الرئيسية في الفيلم هي شخصية خالد (خالد عبدالله)، وهو مخرج سينمائي شاب (يعادل شخصية المخرج نفسه ويعبر عنه)، وهو شاب أقرب إلى التأمل والصمت إن لم يكن مصابا أيضا بنوع من الاكتئاب، والأسباب كثيرة بالطبع، كلها تنبع من مناخ الإحباط والتخبط والعجز الذي يشعر به الكثير من أبناء الطبقة الوسطى في مصر حاليا.

خالد يصوّر ويخرج فيلما تسجيليا عن أشياء تبدو وكأنها لا ترتبط ببعضها البعض، شأن فيلم تامر السعيد نفسه، الذي يبدو أيضا كما لو كان يعاني من مشاكل في السرد والبناء، لكن هذا البناء الذي يبدو ظاهريا مفككا وعشوائيا، مقصود تماما، لكي يصبح انعكاسا لحالة المدينة نفسها التي تُعتبر البطل الأول في الفيلم، القاهرة التي تعاني من الزحام والفوضى المرعبة والتدهور وسيادة مظاهر ناشئة حديثا فرضت نفسها وأصبحت طاغية على البشر، مما أدّى إلى تراجعها عن الحداثة والازدهار السابق.

المربع السحري

لا يكاد الفيلم يغادر منطقة وسط القاهرة، تلك المنطقة التي أطلق عليها الكاتب الأميركي ماكس روزنبك “المربع السحري”، وهو الذي عاش فيها طوال عمره وكتب عنها كتابه البديع “القاهرة المنتصرة” راصدا فيه تاريخها، تألقها وتطورها، ثم نموها الوحشي، ثم تدهورها، غير أن مستوى التدهور الذي يرصده تامر السعيد في فيلمه يتجاوز كثيرا ما رصده روزنبك في كتابه الذي صدر قبل أكثر من ستة عشر عاما.

إننا في زمن الهدم والانهيار والتسلط والقهر والقبح وتراجع القيمة، وهذه الحالة المركبة هي التي يعبر عنها الفيلم، لكنه لا يلجأ إلى المباشرة، ولا إلى الدراما التقليدية في رسم شخصياته وأحداثه إذا جاز القول بأن هناك أحداثا، بل يكتفي بالرصد والمراقبة والتوثيق، مع قدر من الارتجال في الأداء أمام الكاميرا لإضفاء الواقعية من خلال الأسلوب شبه التسجيلي/ شبه الروائي، حيث يحاول أن يصنع من بعض النثرات المتفرقة، والشخصيات الحزينة التي يحبسها دائما في لقطات “الكلوز آب”، طريقا لرحلة تبدو وكأنها رحلة إلى نهاية العالم، فالقاهرة هنا هي عالم بأسره، بأبطاله وصعاليكه ومشرديه ومثقفيه، بل وحتى بتظاهراتهم الغاضبة.

في الفيلم نشعر أن القاهرة لم تعد تتحرك، بل أصبحت في انتظار وقوع انفجار كبير يطيح بذلك الركام من التدهور

لا يستطيع خالد أن يكمل فيلمه، ولا يشعر بالرضا عما أنجزه، فدائما هناك شيء ناقص مازال يبحث عنه. وهو في حياته اليومية مشغول بالبحث عن مسكن آخر ينتقل إليه بعد أن منحه صاحب المسكن الذي يقيم فيه مهلة قصيرة للمغادرة، وهو يقضي يوميا وقتا طويلا مع سمسار في البحث عن شقة مناسبة، لكنه لا يعثر عليها أبدا، ولا يعرف ماذا سيحدث له؟ ويصل بالتالي إلى الإحساس باليأس، لكنه مع ذلك يصرّ على الاستمرار في التصوير، وكأنه يخشى أن تفوته لقطة من لقطات مشهد السقوط العظيم.

ترقد أم خالد في المستشفى مريضة مشرفة على الموت، وتشعر حبيبته ليلى بالاختناق في المدينة، تريد أن تهرب إلى الخارج لتتخلص من ذلك الشعور الدائم بعدم التحقق والعجز عن ممارسة الحب، أما حنان التي تدير ورشة للتمثيل فإنها تهرب إلى “نوستالجيا” الحنين، إلى الإسكندرية التي عرفتها في طفولتها والتي ربما لم يعد لها وجود الآن أيضا.

وتنتشر على المستوى العام مظاهر اللوثة الدينية، التي ضربت قطاعات كبيرة من الطبقات الشعبية والمتوسطة، وصبغت وجه الثقافة العامة السائدة التي يمكن أن تلمحها في لافتة، أو عبر أصوات عالية مزعجة تصدر من المساجد، أو تجمعات همجية لأناس يرتدون أزياء تنتمي إلى العصور الوسطى الغابرة، لقد تغيرت ملامح القاهرة التي عُرفت في الماضي القريب، كمدينة كوسموبوليتية عصرية، فأصبحت اليوم أقرب إلى ما أطلق عليه عبدالرحمن المنيف “مدن الملح”.

يرصد الفيلم كل مظاهر التدهور بنظرة حزينة، ولكنه في الوقت نفسه، يرصد بدايات حركة الوعي التي تمثلت في مظاهرات حركة كفاية التي عبرت بقوة عن رفض ممارسات نظام الرئيس مبارك، ويعيد تامر السعيد تجسيد المواجهات مع رجال الشرطة التي تستخدم كل وسائلها لقمع تلك المظاهرات، كما يصوّر حالة الاضطراب العام، وموجات الهدم؛ هدم المنازل القديمة التاريخية الذي نراه في مشهد وحشي، وعمال الهدم يضربون بمعاولهم فيسقطون الجدران والشرفات والأسقف أمام الكاميرا في لقطة طويلة ثابتة.

إنهم يغتالون التاريخ نفسه في ضراوة وعنف، وتنتهي اللقطة والأتربة تغطي الشاشة وتكاد تخترق عيوننا.

في مناقشة تجمع خالد بثلاثة من المثقفين الشباب العرب؛ منهم اثنان من العراق، هما حيدر حلو الذي يقيم في بغداد، وباسم حجار الذي ترك العراق ويقيم في برلين، والمصور السينمائي اللبناني باسم فياض، حيث يجسد تامر السعيد علاقة المثقف بمدينته، علاقة الحب التي تربطه بمدينته، بذكرياته الحميمية فيها، بعلاقاته التي لا يستطيع الانسلاخ عنها، وفي الوقت نفسه، الشعور بالإحباط مما حدث لها من تدهور.

الواضح أن الثلاثة كانوا مدعوين للمشاركة في ندوة ثقافية، وهم يتجادلون طويلا ويعقدون المقارنات بين المدن الثلاث، التي أصبحت مدنا ملعونة؛ المصور اللبناني مثلا يرى أن بيروت أصبحت تستعصي على التصوير، بينما يدافع حيدر حلو عن فكرة البقاء في بغداد رغم كل ما حدث لها فهي بالنسبة له كالقدر، أو كالأم التي يمكنه أن يلعنها أحيانا، لكنه لا يستغني أبدا عنها، أما باسم حجار فيصف شعوره بالغربة عن برلين حقا، ولكنها أيضا تمنحه الأمان.

الفيلم باختصار عن الإحباط على المستويين؛ العام والخاص، وعن سقوط مدينة في براثن الجهل والتخلف والشعوذة

يعيب مشهد حوار المثقفين رغم أهميته، الإسهاب والإطالة، خاصة وأن خالد لا يبدو متفاعلا مع الآخرين كما ينبغي، فهو دائما ساهم ومكتئب، غير متداخل، يراقب ويسجل ويصوّر وينقب، ويبدو كأنه يصوّر مشهدا من فيلمه أبطاله هم أصدقاؤه الثلاثة.

المدينة العربية

ينتقل تامر السعيد في مشاهد قصيرة إلى كل من بغداد وبيروت، يأسى لحال المدن العربية وما وصلت إليه من تدهور، وعلى شريط الصوت خلال تحرك خالد في سيارة التاكسي بصعوبة بالغة في شوارع وسط القاهرة، لا يكف المذياع عن بث الأخبار التي تتصدرها بالطبع أخبار الرئيس مبارك واستقبالاته واحتفالاته وما يقوم به ابنه جمال في مجال كرة القدم، والكثير من الأنباء حول النزاع الذي انفجر بين مصر والجزائر بسبب مباراة في كرة القدم عام 2009، كما تتوالى أنباء الانفجارات في بغداد وبيروت، وعندما يحاول خالد في مشهد تال الاتصال بحيدر في بغداد لا يتلقى ردا فيزداد شعوره بالقلق.

يستخدم تامر السعيد الكاميرا المتحركة الحرة التي تستطيع الانتقال في الأماكن المزدحمة والشوارع المليئة بالبشر، والتسلل بين الحوانيت والسيارات المتراصة التي تتحرك بصعوبة بالغة في شوارع وسط القاهرة، والكاميرا المحمولة المهتزة تحقق طابع الواقعية التسجيلية، وتعكس الواقع المهتز المهترئ الموشك على الانهيار، والمخرج يركز الكاميرا طويلا على الوجوه في لقطات قريبة، معظمها يظهر أجزاء من الوجوه، من زوايا سفلية، مما يؤدي إلى كسر التكوين التقليدي للقطات، وخلق جماليات خاصة للصورة ترتبط بحالة غياب اليقين التي يصورها في فيلمه.

إننا نشعر خلال مشاهدة الفيلم بأن القاهرة لم تعد تتحرك، بل أصبحت في انتظار وقوع انفجار كبير يطيح بذلك الركام الهائل من التدهور، ويزرع برعما لحياة أخرى جديدة، وربما نشعر أيضا أنها أصبحت بسبب الإهمال والشيخوخة والعجز والتدهور، تسير إلى مصيرها، ومن هنا يأتي اسم الفيلم “آخر أيام المدينة”.

خالد ليس مثل المدينة التي يصورها فهو لا يستسلم، بل يصرّ على المضي قدما في التصوير رغم غياب خطة واضحة لديه بخصوص ما يريده بالضبط من فيلمه، إنه يشتغل ويبدو كأنه يريد تسجيل تلك اللحظات الفارقة في تاريخ المدينة التي دمرها الأغبياء، قبل أن تشهد سقوطها النهائي.

وفي لحظة ما يقول له المونتير الذي يعمل معه إنه لم يعد يفهم العلاقة بين كل هذه الشخصيات والمشاهد التي يصورها، لكن هذه الحالة من العجز والتشتت وعدم الاكتمال وغياب الرؤية، هي تحديدا الحالة التي يريد تامر السعيد أن ينقلها إلينا في فيلمه. لا شك أنه نجح وأبدع.

16