"آخر أيام المدينة" يثير أزمة في القاهرة السينمائي قبل انطلاقه

أثار استبعاد الفيلم المصري "آخر أيام المدينة" للمخرج تامر السعيد من المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، العديد من علامات الاستفهام حول الآلية التي تتبعها إدارة المهرجان في اختيارها للأفلام المشاركة.
الجمعة 2016/11/11
شبه الواقعي وشبه التسجيلي

كانت إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي تنطلق فعالياته في الـ15 من نوفمبر الجاري، قد أبلغت صناع الفيلم المصري “آخر أيام المدينة” للمخرج تامر السعيد، بموافقتها على عرضه ضمن المسابقة الرسمية، ثم عادت لتعتذر من جديد عن عدم قبولها للفيلم متعللة بأسباب يراها صناع الفيلم أنها تعسّفية وواهية ولا تمت للشروط الواردة ضمن لائحة المهرجان بصلة.

السبب الرئيسي الذي أعلنته إدارة المهرجان مبرّرة تراجعها عن عرض الفيلم، هو أنه (الفيلم) قد عرض في العديد من المهرجانات الدولية الخارجية، لكن الغريب أن هذا الأمر لا تتضمنه لائحة المهرجان، والتي يقتصر شرطها في الأفلام المشاركة على ألا تكون قد عرضت من قبل في المهرجانات الدولية الرئيسية التي يشملها الاتحاد الدولي لصناع السينما، وهو ما أكد عليه صناع الفيلم في بيانهم الذي نشر على صفحتهم الرسمية، إذ لم يشارك الفيلم في أي من هذه المهرجانات المذكورة، كما لم يشارك حتى في أي من المهرجانات الإقليمية بالمنطقة العربية وشمال أفريقيا.

وأثار هذا الأمر العديد من التساؤلات بين المهتمين بالشأن السينمائي في مصر حول أسباب القبول ثم الرفض، وبدا أن هناك شعورا يترسخ لدى العديد من المتابعين بأن هناك أبعادا أخرى وراء هذا الرفض ليست لها علاقة بما أعلنته إدارة المهرجان، ما دفع السينمائيين المصريين إلى إصدار بيان داعم لصناع الفيلم قبل أسابيع قليلة من انطلاق المهرجان.

وطالب البيان، الذي وقعه عدد كبير من السينمائيين والمثقفين والمهتمين بالشأن السينمائي في مصر، بقبول عرض الفيلم من جديد ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان، كما عبّر الموقّعون عليه عن انزعاجهم الشديد من القرارات المتضاربة لإدارة المهرجان، خاصة وأن موافقتها على عرض الفيلم دفعت القائمين عليه إلى الاعتذار عن المشاركة في مهرجانات عربية أخرى، مفضلين أن يعرض الفيلم في مهرجان مدينته التي يحتفي بها.

أحداث الفيلم تدور حول مخرج شاب يحاول إخراج فيلم عن مدينة القاهرة قبل سنتين من ثورة 25 يناير 2011

وأكد البيان على دعم صناع الفيلم الذي احتفى به كل مهرجان دولي ذهب إليه، وتخوفهم من تحول المهرجان بسبب قرارات كهذه إلى جهة غير مسؤولة تتخلى عن دورها كواجهة لفن وثقافة البلد وكوسيلة لدعم وتشجيع المواهب الجديدة وتقديمها للجمهور.

وما أثار ريبة البعض أن إدارة المهرجان قد وافقت على عرض أفلام أخرى شاركت في المهرجانات نفسها التي شارك فيها الفيلم المشار إليه، بل إن البعض من هذه الأفلام قد عرض ضمن فعاليات سينمائية في المنطقة العربية وعلى نطاق تجاري أيضا، في الوقت الذي التزم فيه صناع فيلم “آخر أيام المدينة” بعدم المشاركة في أيّ من المهرجانات الإقليمية، ما فوت عليهم فرصة المشاركة في فعاليات أخرى هامة.

كان لافتا خروج البعض من الأصوات من إدارة المهرجان نفسها، معلنة عن استيائها من استبعاد الفيلم، رغم الموافقة عليه من قبل لجنة اختيار الأفلام. ومن بين هذه الأصوات على سبيل المثال المونتيرة والناقدة صفاء الليثي، وهي واحدة من أعضاء لجنة الاختيار والمشاهدة، إذ أعلنت صراحة عن وقوفها إلى جانب صناع الفيلم في معركتهم، كما وقّعت على بيان السينمائيين المصريين.

وعبّرت الليثي عن دهشتها لهذا الاستبعاد بقولها “شرّفت بالمشاركة في لجنة اختيار الأفلام بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ38، وأحسست بالفخر بعد مشاهدة فيلم ‘آخر أيام المدينة’ للمخرج تامر السعيد”.

وتضيف الليثي “الفيلم تم اختياره بحماس من أعضاء لجنة المشاهدة وكنت منهم، وعدم إدراجه ضمن أفلام المسابقة يمثل إحباطا لي كناقدة وكسينمائية، لأن رأيي ورأي الزملاء لم يحترم، ولأنني لا أفهم متى سنحترم قراراتنا ونفي بمسؤولياتنا تجاه صورة بلدنا وتجاه مبدعيها، وتجاه المتلقي الذي من حقه مشاهدة أحدث الأفلام، وأن يكون له السبق قبل عرضه في مهرجانات عربية أخرى”. أما المخرج والمونتير المصري أحمد عبدالله السيد فقد علق على هذه الأزمة، بقوله “أنا أتفهم أن المهرجان لديه لوائحه ولديه رغبة في الالتزام بها، ولكني لا أتفهم أن هذه اللوائح لم يتم تطبيقها على أفلام أخرى موجودة في المسابقة وعرضت في مهرجانات عديدة من قبل، بل إن أحد أفلام المسابقة الرسمية قد عرض تجاريا في بيروت، فضلا عن أن الفيلم لم يكسر اللائحة في بند العروض السابقة التي تمكن للجميع مطالعتها”.

ويضيف السيد “أتفهم أن يقيم المهرجان نوعية وطبيعة عروض المسابقة بتقييمه الخاص، وله كل الحق، لكني لا أتفهم أن يتم رفض الفيلم كليا وإقصاؤه تماما من كافة عروض المهرجان”.

وأعرب مخرج الفيلم تامر السعيد عن امتنانه للتضامن الواسع مع فيلمه، مؤكدا أن هذا التضامن والالتفاف الكبير من قبل السينمائيين المصريين، هما أكبر من قضية الفيلم ذاتها.

مخرج الفيلم تامر السعيد يعرب عن امتنانه للتضامن الواسع مع فيلمه، مؤكدا أن هذا التضامن والالتفاف الكبير من قبل السينمائيين المصريين، هما أكبر من قضية الفيلم ذاتها

ويذكر أن فيلم “آخر أيام المدينة” قد حظي بتقدير عدد كبير من النقاد والكتاب السينمائيين المصريين وغير المصريين، ومن بينهم على سبيل المثال عميد النقاد السينمائيين سمير فريد والذي وصفه بأنه “نقطة تحول في السينما المصرية”.

وتدور أحداث الفيلم في العامين اللذين سبقا ثورة الـ25 من يناير لمخرج شاب يحاول إخراج فيلم عن مدينة القاهرة، وتمزج أحداث الفيلم بين الأسلوب شبه الواقعي وشبه التسجيلي.

ويعد “آخر أيام المدينة” العمل الأول للمخرج تامر السعيد، وهو أيضا أول فيلم روائي مصري للممثل خالد عبدالله، بعد بطولة عدد من الأفلام العالمية منها “عداء الطائرة الورقية” و”يونايتد 93” و”المنطقة الخضراء” مع الممثل العالمي مات ديمون.

ويجسد خالد في الفيلم، الذي صور على مدار عامي 2009 و2010 في القاهرة وبغداد وبيروت وبرلين، شخصية مخرج شاب يعيش في وسط القاهرة ويحاول أن يصنع فيلما عنها في لحظة يكاد أن يفقد فيها كل شيء.

ويمتزج الفيلم، الذي ألفه المخرج عن حياته وقصص أصدقائه مع رحلة عن الفقد والوحدة والصداقة واكتشاف الذات وسط مدينة تبدو على وشك الانفجار، وتشارك في بطولته كل من ليلى سامي وحنان يوسف ومريم سعد وعلي صبحي وحيدر حلو من مصر، وباسم حجار من العراق، وباسم فياض من لبنان.

16