آخر أيام المدينة

أنجز تامر السعيد «آخر أيام المدينة»، وأعلن «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي» عام 2016 عن مشاركة الفيلم في مسابقته الرسمية، ثم استبعده، ولم يقدم سببا يدعو للاحترام.
الأحد 2018/06/24
بعيدا عن عقدة ميدان التحرير

مساء الأربعاء 5 ديسمبر 2012، قابلت تامر السعيد عند قصر الاتحادية. ومن تجليات ثورة 25 يناير 2011 وهي في عافيتها أن تفاجئك بصديق غاب عنك سنوات، فتجده أمامك ولا يتأكد لك في دخان قنابل مسيلة للدموع وجحافل السلفيين وبلطجية الشرطة أنه هو إلا بتبادل كلام عابر، ثم يختفي ولا تراه إلا بعد سنين، في سكون موجة الثورة وصعود الثورة المضادة. كنا قد تفرقنا، وغادرت بعد فجر الخميس 6 ديسمبر، وفي الطريق اتصلت بي زميلتي عزة مغازي، وأخبرتني بإصابة الحسيني أبوضيف بطلق ناري، ونسيت تامر، ثم قابلته في وسط البلد، وهو مثلي محبط، بعد مرور الثورة بخيبتيْ أمل، والثانية/ الحالية أكثر وعيا بشروط بقائها لفترة أطول، وقال إنه يكاد ينهي فيلمه الروائي «آخر أيام المدينة».

 تامر مخرج له قضية، لا يقدم تنازلات تجسدها أعمال تجارية، بل يراهن على القيمة، وكان قد ذهب إلى المغرب لإنجاز فيلم، وذهنه خال من فكرة محددة. إنه ليس فلاحا متواكلا يبذر البذور، ثم ينتظر ثمارا متوقعة، ولكنه قناص يختبر قدراته وهو يجوب الآفاق، صياد يرمي شباكه، وينتقي ما يشاء أو يزهد في كل شيء.

صادف مظاهرة فيها رجال تبيّن أنهم من ضحايا سنوات الرصاص، فصوّرهم في المسيرة التي جاءت كمشهد أخير في فيلمه «غير خدوني»، وهو عمل وثائقي غاص عميقا في ماضي الضحايا، والفيلم يظهر من عنوانه المأخوذ من أغنية شهيرة لفريق «ناس الغيوان». وفاز «غير خدوني» بالجائزة الكبرى في مهرجان الإسماعيلية، وحظي باستحسان جمهور تابعه بتأثر لا يخلو من دموع. ورشحتُ الفيلم لانتشال التميمي مدير مهرجان روتردام للفيلم العربي، فنال الجائزة الفضية عام 2005، وذهبت الجائزة الذهبية لفيلم هالة لطفي «عن الشعور بالبرودة». وكانت فرصة لأشاهد في روتردام فيلم تامر السعيد «يوم الاثنين» الذي فاز أيضا بجائزة الفيلم القصير، وأن أكتشف مخرجا يوجز، في بضع دقائق، شحنة من المشاعر، ويطلقها في تتابع بصري وحواري شاعري.

أنجز تامر السعيد «آخر أيام المدينة»، وأعلن «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي» عام 2016 عن مشاركة الفيلم في مسابقته الرسمية، ثم استبعده، ولم يقدم سببا يدعو للاحترام. وأعلن عن مشاركة الفيلم في مهرجان شرم الشيخ، بعيدا عن عقدة ميدان التحرير، وظننتها حيلة تحفظ ماء وجه النظام؛ فيجادل بالسماح للفيلم بالعرض في مهرجان، ولو لبضعة أفراد في المنتجع السياحي، ولكن النظام كان أقلّ رشدا. وفي مهرجان أسوان لأفلام المرأة في فبراير 2018 أخبرني مسؤول أن قضية الفيلم أكبر من جهاز الرقابة، ولا أصرّح ببقية كلامه؛ فلم يقله للنشر. ولا يزال الفيلم يجوب المهرجانات ويحصد الجوائز، ويحرم منه أهله، رغم الحفاوة به، وقال لي إبراهيم العريس إنه من أفضل أفلام السينما المصرية، إن لم يكن الأهم، ثم أرسل إليّ من بيروت كتابه الجديد «السينما والمجتمع في الوطن العربي.. القاموس النقدي للمخرجين»، وفيه يصف السعيد بأنه «سينمائي يسعى إلى الاكتمال».

في 11 يونيو 2018 سحبت الرقابة ترخيصها بعرض فيلم «كارما» للبرلماني خالد يوسف، فاجتمعت لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة في اليوم نفسه، وأعلنت استقالتها؛ لاكتشافها «أن هناك انهيارا غير مسبوق في مناخ حرية الرأي والإبداع»، فسمح النظام بعرض الفيلم. ولم تجتمع اللجنة أو تقدم استقالتها، منذ مارس 2018، احتجاجا على حبس أعضاء بفرقة مسرحية قدمت عرض «سليمان خاطر» في ناد اجتماعي بالقاهرة، ولم تبال منذ ثلاث سنوات بميوعة أجهزة لا تملك شجاعة التصريح بعرض «آخر أيام المدينة»، ولو للنقاد والصحافيين في مهرجان، وهذا اغتيال معنوي لمخرج لا يملك «مهارات» خالد يوسف.

10