آخر الرسائل

تبدو الرسائل الأدبية الأكثرَ تضررا من حلول التكنولوجيا الجديدة وشبكاتها. ويبدو ذلك طبيعيا بحكم كون الشبكات تقوم بشكل أساس على تيسير التواصل السريع بين الجميع.
السبت 2018/08/04
لا يعني تراجع المراسلات الأدبية نهايتَها (لوحة: ساشا أبو خليل)

بخلاف الانطباع بكون حلول التكنولوجيا الجديدة ومعها شبكاتها الاجتماعية يشكل العتبةَ التي تقود إلى نهاية الكِتاب الورقي ومعه الكتابة الأدبية، يبدو الكثير من أجناس هذه الأخيرة أكثر انتعاشا. فالرواية صارت تُكتب بشكل تفاعلي، مع استمرار شكلها الورقي. أما القصة القصيرة فقد وجدت في الشبكات الاجتماعية المنفذَ الأفضل لكسب قراء جدد يبحثون عن النصوص التي تُقرأ في لمحة البصر. ولم تكن القصيدة، التي يتآكل قراؤها، بمعزل عن نيل حظها من وسائل التواصل الجديدة، حيث تكاد قصائد الهايكو، التي تتوافق مع روح هذه الوسائل، تملأ صفحات الشعراء على الفيسبوك.

وبخلاف ذلك، تبدو الرسائل الأدبية الأكثرَ تضررا من حلول التكنولوجيا الجديدة وشبكاتها. ويبدو ذلك طبيعيا بحكم كون الشبكات تقوم بشكل أساس على تيسير التواصل السريع بين الجميع، كتّابا كانوا أو قراء أو مرتادي الشبكات المعنيين، بشكل أكبر، بشؤون الحياة اليومية التي لا علاقة لها بالكتابة. وانسجاما مع ذلك، تراجعتْ بشكل كبير المراسلات المشحونة بلغتها الأدبية الراقية لتفسح المجال أمام الرسائل القصيرة التي صارت تملأ صفحات الفيسبوك وحسابات التويتر وغيرها من الشبكات الاجتماعية، أو التي يتم تبادلها عبر الهواتف المحمولة.

كان طريفا أن تُصدر الكاتبتان الفرنسيتان مُرجان أورتن وليّا مازين، قبل مدة، كتابَهما الفريد “الرسائل القصيرة لكبار الكُتاب”. وتقوم فكرة الكتاب على تخيل رسائل نصية قصيرة يتبادلها أدباء عاشوا خلال مراحل لم تكن فيها لا هواتف محمولة ولا شبكات اجتماعية، وذلك مع الاستناد إلى طبيعة كتابة كل كاتب أو فنان ومسارات حياته. ومن ذلك الرسالة المتخيلَة للكاتبة الفرنسية الشهيرة مارغريت دوراس الموجَّهة إلى رفيقها في الحياة الكاتب يان أندريا “يان، لقد انتهينا!”، ومن المعروف أن أندريا كان يواظب خلال سنوات على موافاة مارغريت دوراس برسائل بشكل منتظم دون أن يتوصل بأي جواب منها، قبل أن تجمعهما علاقة ستستمر حوالي عشرين سنة، وإن كان يحفها الكثير من القلق والتوتر، كما يكشف ذلك كتاب يان أندريا “هذا الحب”.

أما الرسالة المتخيلَة للفنانة المكسيكية فريدا كاهلو الموجهة إلى زوجها التشكيلي ديغو، فكانت أكثر قساوة : “أريد أن أفهم كيف تستطيع أيها الوضيع أن تراود كل هذا العدد من النساء مع أنك قبيح الوجه”.

بالطبع، لا يعني تراجع المراسلات الأدبية نهايتَها. وتلك طبيعة الأجناس الأدبية التي يبدو أنها تمتلك أكثر من حياة، خصوصا بالنسبة إلى جنس يرتبط بوجود الكُتاب وبالرغبة في التواصل، سواء من خلال جانبه الإبداعي أو الإنساني. ولذلك لا يبدو غريبا أن يواصل صدورُ مراسلات الكُتاب تشكيل الحدث الثقافي، لأنها ببساطة النوع الذي يُدوّن بشكل أفضل فرحَ الكُتاب وقلقهم، ولأنها أيضا تُكتب، بخلاف كل الأنواع الأخرى، من دون نية النشر، مع ما يمنحها ذلك من عفوية ومن كثير من الصدق.

15