آخر السقائين في المغرب يروي ظمأ العطشى

لم يشفع لساقي الماء، المعروف في المغرب باسم “الكراب”، ظهوره في لوحات كبار الفنانين كشخصية جذابة، فقد تلاشى اليوم دور حرفته “الكراب”، التي اشتق اسمها من القربة الجلدية، وأصبحت تشق طريقها إلى الاندثار.
الاثنين 2017/08/07
الكراب.. صوت وصورة

الرباط – لدى دخولك سوق “باب الحد” التاريخي في مدينة الرباط المغربية، تسرقك أصوات طقطقة كؤوس نحاسية، وخرير ماء صُبّ من وعاء تجمّل بنقوش تراثية، يُبرّد قلوب العطشى من حرّ الصيف.

“مِيها باردة” (ماء بارد)، “بَرّدْ أعَطْشان” (اشرب الماء يا عطشان)؛ وغيرهما من عبارات مشهورة استخدمها بائع الماء المغربي محمد، لجذب المارّة والسياح، أملًا في جني دراهم معدودات.

“سي محمد” يمتهن منذ 3 عقود، بيع الماء أو “الكرَاب” كما يطلق عليها في المغرب، ويحاول الحفاظ على هذه المهنة من الاندثار.

الرجل الخمسيني محمد يقول إنه امتهن الحرفة في عمر العشرين وورثها عن والده، وهو مستمر بها منذ 30 عامًا.

ويُظهر محمد شعوراً بالرضا وهو يشرح ظروفه الصحية الصعبة التي حرمته استكمال دراسته، فشاءت الأقدار أن يعمل بمهنة أبيه وجدِّه. ويضيف “أنا أُعيل طفلين، وبيع الماء مصدر رزقي”.

بلباسه الأنيق وجرسه الرنان، يتجول محمد الذي ينحدر من مدينة “طاطا” (جنوب)، حاملا وعاء ماء مصنوع من جلد الماعز يقول إنه يحافظ على برودة الماء.

طقطقة الكؤوس النحاسية التي يصب فيها الماء، تجذّب زبائن السوق، وتُثير رغبة الشرب لدى المُرْتَوِي منهم قبل العطِش، هكذا يقول محمد.

يواصل بائع الماء تجّوله بين أزقة السوق، مرتديًا “دَراعة” (قميص) وسروالا أحمريْن. وينتعل حذاءً أصفر اللون، ويعتلي رأسه “التّرازة” (قبعة) وعلى خصره محفظة نقود تُسمى “الشكّارة”، في لوحة ترسم تراث المغرب.

مشهد محمد، متكامل اللون والصوت والصورة، ينجح على الدوام في جذب السائحين والمارّة، ويدعوه إلى وقفة تأمل في أصالة الثقافة المغربية.

ويتعمد أصحاب المهن الشعبية التقليدية في المغرب لبس أزياء تُظهر تراث البلد، لجذب الزبائن والسياح؛ للمحافظة على الموروث الثقافي بإحياء هذه المهن.

عند بيع الماء، لا يشترط “سي محمد” مبلغًا محددًا، ويقول إنه يقبل بـ“دريهمات قد تصل في أحسن الأحوال إلى مئة وخمسين درهما (15 دولارا) يوميًا”.

في فصل الشتاء يستغني الناس عن “الكراب” (اسم بائع الماء بالمغرب)؛ فمع انخفاض درجة الحرارة تقل حاجتهم للشرب، ما يؤثر على دخل محمد الذي يلجأ إلى ما ادخره من دراهم خلال موسم الصيف.

وعن سر ارتباطه بالمهنة يقول إنه يطمع في “نيل الثواب من خلال خدمة الناس وتوفير الماء لهم في وقت اشتداد الحر”.

وعند سؤاله عن سن تقاعد “الكراب” المناسب، قال محمد “لا شيء يبعدني عنها (…) أبنائي صغار السن ولا معيل لهم. كيف لي تركها ولا أجيد غيرها؟”.

ومحمد اليوم واحد من بين 3 بائعين حريصين على بقاء المهنة، بعد أن غيّب الموت أشهر سقاة العاصمة.

وعلى الرغم من تعلّقه بالمهنة، إلا أنه لم يُخفِ رفضه نقلها لأولاده، فـ“المهنة متعبة جدا؛ حرارة الشمس والوقوف لساعات طوال حاملا القربة يجعلني أرفض التفكير في توريث الحرفة لأبنائي”.

ويأمل بائع الماء المشهور بأن يتابع أولاده دراستهم الجامعية، ليحصّلوا دخلًا جيدًا من وظيفة جيدة.

ومع تطور المجتمع المغربي واختلاف نمط عيشه، تراجع حضور مهنة “الكراب”.

ومهنة “الكراب” تعدّ من رموز الثقافة التي تسوّق للسياحة المغربية، فصورة الكراب حاضرة في ذهن السائح الأجنبي إلى جانب معالم المغرب الشهيرة؛ كجامع الفنا والكسكس والطاجين المغربي.

24