"آخر القياصرة" مسلسل جديد من التاريخ الروسي

صناع المسلسل يمزجون بين التسجيلي والدرامي، من خلال استخدام الكثير من الصور الفوتوغرافية بما في ذلك الكثير من الصور الخاصة بعائلة القيصر، والشرائط السينمائية المصورة.
الأحد 2019/08/25
كان القيصر يحكم روسيا بتقاليد القرن الثامن عشر

 بدا مؤخرا الاهتمام الكبير بالفصل المأساوي في التاريخ الروسي الحديث، من خلال مسلسل “آل رومانوف” (8 حلقات منفصلة) الذي عرضته شبكة أمازون، ثم المسلسل الأحدث “آخر القياصرة” The Last Czars الذي تعرضه حاليا شبكة نتفليكس، ويتكون من 6 حلقات متصلة، أخرج كل من أدريان ماكدويل وغاريث تانلي ثلاث حلقات منها. وقام بدور القيصر الممثل الاسكتلندي روبرت جاك، وفي دور القيصرة “ألكسندرا” الممثلة الإنكليزية سوزانا هربرت. وتوفرت للمسلسل ميزانية ضخمة وتم تصويره في أماكن كثيرة، تم تنسيقها لكي تحاكي المواقع الروسية الشهيرة مثل قصر الشتاء الذي صور في قصر روندال في لاتفيا، إلى جانب قصور وكنائس أخرى في فيلنيوس عاصمة ليتوانيا.

مستوى الصورة في المسلسل بشكل عام متميز للغاية. أجواء الفترة مجسدة من خلال توزيع الضوء والظل، داخل القصور، كما تبرز قسوة الشتاء الروسي في المناظر الخارجية والمساحات المغطاة بالثلوج، ومحاكاة الفترة التاريخية متقنة للغاية مع تطابق الملابس والإكسسوارات وتصفيفات الشعر وطرز السيارات والقطارات، وغيرها.

يعيد المسلسل رواية فصول قصة صعود وسقوط القيصر نيقولا الثاني وكيف ساهمت القيصرة ألكسندرا برعونتها وهوسها الديني وعلاقتها الملتبسة بالكاهن الفاسد راسبوتين في النهاية المأساوية لعائلة رومانوف، إلا أن المسلسل لا يكتفي بالجانب الدرامي في تجسيد الأحداث التي يرويها في تعاقبها الزمني. فلو كان قد اكتفى بهذا لكان من الممكن أن يصبح عملا فنيا كبيرا.

يمزج صناع المسلسل بين التسجيلي والدرامي، من خلال استخدام الكثير من الصور الفوتوغرافية بما في ذلك الكثير من الصور الخاصة بعائلة القيصر، والشرائط السينمائية المصورة للفترة بأحداثها الصاخبة بما في ذلك التظاهرة الكبرى للفلاحين الفقراء الذين زحفوا يوم الأحد 22 يناير 1905 إلى ساحة القصر الملكي في سانت بطرسبورغ احتجاجا على تدهور الأحوال وانتشار المجاعات في البلاد، وكانوا يرغبون في تقديم عريضة بمطالبهم للقيصر، إلا أنه رفض أن يقابلهم وأصدر الأمر بتفريقهم بالقوة فسقط الآلاف من القتلى في ذلك اليوم الذي عرف بـ”الأحد الدامي” وكان البداية الحقيقية لتفكك الدولة وسقوط الإمبراطورية.

إلا أن الأمر لم يتوقف عند حد المزج الجيد بين الوثائق التسجيلية والمادة التمثيلية الدرامية المصورة، فقد تم قطع مسار الأحداث، مع ظهور عدد من المؤرخين بين وقت وآخر، والتعليق على الأحداث والربط بينها وشرحها، وهو لم تكن له ضرورة خاصة أن الأحداث تشرح نفسها بنفسها من خلال الدراما التمثيلية. هذا الظهور المتكرر للمعلقين والخبراء والمؤرخين، يقطع الاندماج، ويشتت الأذهان بدلا من أن يصبح عامل جذب. ولو استبعد هؤلاء المؤرخون من المسلسل، لأصبح أكثر تماسكا وجاذبية. لكن ما حدث أن هذا الأسلوب “التعليمي” جعل المسلسل يبدو كسلسلة من برامج التاريخ التعليمية على غرار ما تنتجه وتعرضه قناة “التاريخ”history channel.

سيطر راسبوتين الرهيب على عقلية ألكسندرا
سيطر راسبوتين الرهيب على عقلية ألكسندرا

يبدأ المسلسل من عام 1894 مع تنصيب نيقولا الثاني قيصرا على روسيا بعد وفاة والده المفاجئة وكان في السادسة والعشرين من عمره، وإن كان قد ظل لفترة مترددا يخشى تحمل المسؤولية بسبب عدم خبرته. وكان نيقولا على علاقة حب مع أميرة ألمانية سرعان ما يتزوجها في حفل كبير ليصبح حسب ما يقوله المعلق: أول زواج ملكي في أوروبا يقوم على الحب، وأول ملك وملكة يتشاركان “فراشا واحدا”. وبمناسبة هذا الزواج الأسطوري تُوزع الهدايا والمأكولات على فقراء الفلاحين والعمال الذين سيتجمعون في الساحات العامة في كبريات المدن الروسية، وبعد نفاد الهدايا تقع اضطرابات وتتدخل الشرطة لفض الحشود مما يؤدي الى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، أي أن القيصر يفتتح عهده بإراقة الدماء!

مع تطور الأحداث يرفض القيصر التخلي عن أسلوبه الموروث في الحكم الأوتوقراطي الفردي كما يرفض إجراء إصلاحات حقيقية على نظام الحكم بحيث يتيح الفرصة للمشاركة الشعبية من خلال إقامة برلمان وانتخابات. وعندما سيقبل سيكون الوقت قد تأخر كثيرا وانتشرت على نطاق واسع حركات الاحتجاج والغضب والعنف، إلى أن يجد القيصر نفسه مرغما على التنازل عن عرشه بعد أن يتفكك الجيش وتنضم قطاعات كبيرة منه إلى الثوار، لكنه لا يتنازل لصالح ابنه بل للجمعية الوطنية (الدوما) لتبقى البلاد من دون قيصر للمرة الأولى منذ أكثر من 300 سنة إلى أن يستولي البلاشفة بقيادة لينين على السلطة بعد أشهر، في خريف 1917.

يركز المسلسل على ثلاثة جوانب في حياة القيصر وأسرته: أولا إنجابه طفلا (بعد أربعة بنات) ولكن الطفل ألكسيس مصاب بمرض الهيموفيليا أي عدم تجلط الدم بسهولة ويقول الأطباء أنه لن يعيش طويلا. وثانيا علاقة ألكسندرا بالكاهن الفاسد المنحرف راسبوتين الرهيب الذي تلجأ إليه لإنقاذ ابنها من الموت، فيستولي تماما على عقلها وقلبها خاصة وأنها من البداية متدينة يقوم تدينها على قبول الخرافات مما جعلها تؤمن بأن راسبوتين قديس وأنه يمكنه شفاء المرضى. أما راسبوتين فظل يخدرها بالصلوات والدعاء وما إلى ذلك، وبعد دخول روسيا الحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا والإمبراطورية المجرية النمساوية، وبعد أن يترك القيصر العاصمة ويذهب إلى الجبهة ويترك أمور الدولة في يد زوجته يتمكن راسبوتين من السيطرة الكاملة على اتخاذ القرارات مما سيؤدي إلى وقوع الكثير من الكوارث، لتفقد روسيا في الحرب سبعة ملايين قتيل من الجنود وتلقى شر هزيمة.

هذه الجوانب الثلاثة إلى جانب تردد القيصر وضعف شخصيته وتشبثه بالسلطة المطلقة وخضوعه لزوجته بسبب حبه الشديد لها، وتشبثها هي بضرورة وجود راسبوتين إلى جوارها في القصر ومقاومة كل محاولة لإبعاده، وتخلي القيصر عن معاونيه المخلصين، يؤدي إلى فقدانه القدرة على التعامل مع المواقف السياسية والاجتماعية المستجدة، حتى أن رئيس وزرائه ستولبين الذي كان يميل للإصلاح، يقول له إن روسيا تغيرت كما تغير الشعب أيضا، “ولكنك تحكم روسيا في القرن العشرين بأساليب القرن الثامن عشر”.

المقارنات موجودة داخل المسلسل بين التمثيل والتاريخ
المقارنات موجودة داخل المسلسل بين التمثيل والتاريخ

يمر المسلسل على الحرب مع اليابان التي ستنهزم فيها روسيا، بعد أن شنها القيصر لمجرد استعراض القوة والرغبة في الاستيلاء على المزيد من الأراضي وتوسيع الإمبراطورية جريا على عهد أسلافه، ثم نصل إلى الحرب العالمية الأولى وتدهور الأوضاع في الجبهة وفي عموم البلاد، وعجز الملكة الأم عن دفع ابنها نيقولا إلى طرد راسبوتين وتحجيم نفوذ ألكسندرا، ثم كيف تصبح ألكسندرا مكروهة من الشعب الذي ينظر إليها باعتبارها جاسوسة ألمانية، كما تنتشر المنشورات في شوارع موسكو وبتروغراد، تصورها كعشيقة لراسبوتين، ثم وقوع المزيد من الهزائم على الجبهة بعد أن يعفي القيصر ابن عمه الضابط المحترف من قيادة الجيش، ثم تفكك الجيش وانضمام فرق كاملة منه إلى الثوار. لكن من عيوب المسلسل الواضحة أنه يركز على استعراض الأحداث من زاوية واحدة فقط هي زاوية القيصر وعائلته، دون أن يهتم كثيرا بالجانب الآخر، أي جانب الحركات والتنظيمات الثورية التي كانت تتحرك منذ سنوات، في روسيا وفي الخارج، واكتفى بإظهار شخصية لينين في النهاية من خلال الجرائد السينمائية التسجيلية.

يعاني المسلسل أيضا من التناقض الكبير بين تصوير عجز القيصر وقسوته وتمسكه بسياسة البطش والقمع واعتباره بالتالي المسؤول الأول عن سقوط النظام، وفي الوقت نفسه التعاطف الكبير معه وتصويره ضحية وشخصية تراجيدية هو وزوجته، والتوقف طويلا أمام نفيه مع أسرته، أولا إلى سيبيريا، ثم بعد نشوب الحرب الأهلية (بين البيض والحمر) يتم نقل الجميع إلى يكاترينبيرغ في منطقة الأورال، حيث يتعرضون لمعاملة خشنة من جانب الحراس البلشفيين، إلى أن تأتي ليلة المجرزة في 16 يوليو 1918 حينما يقوم الحراس بتعليمات من موسكو، بإطلاق الرصاص على القيصر وجميع أفراد أسرته ومعاونيهم وقتلهم داخل غرفة سفلية في المنزل الذي اعتقلوا فيه، ثم دفن جثثهم في الغابة القريبة.

كان موضوع إعدام القيصر وقتل أطفاله معه قد استخدم كثيرا في الماضي، كمادة للدعاية المضادة في زمن الحرب الباردة. وفي تلك الفترة، أنتجت هوليوود فيلم “نيكولاس وألكسندرا” (1971) بميزانية ضخمة ومن إنتاج سام شبيغل وإخراج فرانكلين شافنر. وبالعودة إلى مشاهدة النسخة الكاملة من هذا الفيلم (183 دقيقة)، لم نجد هناك فرقا كبيرا بين العملين غير أن مسلسل نتفليكس الحديث، يضفي الطابع العلمي التأريخي على مادته باستخدام مجموعة المؤرخين المشار إليهم، كما يتميز بدقة أكثر في سرد الوقائع الشهيرة المعروفة مثل اغتيال ستوليبين رئيس وزراء القيصر وداعية مقاومة الثورة بالإصلاحات الاقتصادية، الذي أطلق عليه الرصاص داخل أوبرا كييف في سبتمبر 1911. كما أن من ميزات المسلسل استخدام الكثير من الوثائق المصورة (من الجريدة السينمائية) منها ما نراه للمرة الأولى ولم يكن ممكنا الحصول عليه قبل سقوط الاتحاد السوفيتي.

صحيح أن الفيلم يمنح مساحة أكبر لظهور قادة البلاشفة: لينين وتروتسكي وستالين، لكنه يختزلهم في صورة كاريكاتورية كرتونية كمجموعة من القتلة الساديين لا كأصحاب أيديولوجيا مناقضة لديهم مشروعهم السياسي الخاص وأسبابهم المبررة في إسقاط نظام القيصر. ويقال إن تروتسكي كان من أنصار محاكمة القيصر نيقولا الثاني، إلا أن لينين رفض خشية أن يتأثر بالمحاكمة قطاع كبير من الشعب.

عائلة القيصر: قتلت جميع أفرادها بوحشية
عائلة القيصر: قتلت جميع أفرادها بوحشية

أما الطامة الأكبر في الفيلم فتأتي في المشهد قبل النهاية مباشرة. فبعد أن يدرك الجميع في أسرة القيصر وهم سجناء، أن نهايتهم قد أصبحت قريبة، هنا يجعل السيناريو (الذي كتبه جيمس غولدمان) ابن القيصر ألكسيس ينقلب على والده، يحاكمه ويوجه له اللوم على إضاعة الإمبراطورية، بل وكيف أنه تنازل عن حق ألكسيس نفسه في ولاية العهد دون أن يستمع لرأيه، كما لو كان الابن الصغير المريض قد أدرك فجأة كل مسالب الحكم وأصبح القاضي الذي يحاكم والده ويحكم عليه، وهي فكرة بعيدة عن المصداقية والمنطق بالطبع!

كان الفيلم أفضل من المسلسل في ما يتعلق بعنصر التمثيل. ففيه يقوم بدور نيقولا الممثل مايكل جاستون، وبدور القيصرة جانيت سوزمان، كما يقوم توم بيكر بدور راسبوتين والعملاق لورنس أوليفييه بدور رجل الاقتصاد الروسي سيرجي ويت الذي سيصل إلى منصب رئيس الحكومة لكنه سيضطر إلى الاستقالة في 1905 بسبب مقاومة القيصر لمشروعاته الإصلاحية.

ويحتل دور راسبوتين مساحة كبيرة في كلا العملين. لكن شخصية راسبوتين تبدو فيهما، كاريكاتورية، سطحية أحادية، بينما كان راسبوتين حسب كتب التاريخ الروسي، شخصية أكثر تعقيدا، وكان يمتلك من الكاريزما ما يجعله يستطيع إخضاع الكثير من بنات ونساء الطبقة الأرستقراطية في براثنه ثم السيطرة تماما على عقل ألكسندرا.

أما أفضل عمل سينمائي أظهر شخصية راسبوتين حسب ما أعرف، فهو الفيلم الروسي البديع “احتضار” Agoniya الذي أخرجه إليم كليموف عام 1975 ومنعته السلطات السوفيتية من العرض إلى أن سمحت بعرضه في زمن البريسترويكا عام 1985. وهو من ناحية الأداء التمثيلي عموما، نموذج مثالي على عظمة المسرح الروسي الذي خرج منه الممثل الفذ ألكسي بترينكو الذي قام بدور راسبوتين. ولعله أيضا أفضل ما شاهدت من أفلام عن سقوط النظام القيصري القديم في روسيا. لكنهم منعوه لأنه لم يكن عملا دعائيا، وتميز بالجرأة الشديدة في تصوير المشاهد الحسية، ولم يهتم كثيرا بقادة الثورة البلشفية. وكان هذا كافيا بالطبع، لكن “الأشياء تتغير” وهو عنوان فيلم آخر بديع!

15