"آخر رايات الأندلس" الموريسكي قناع العربي المعاصر

"آخر رايات الأندلس" مسرحية تتخذ معاناة "الموريسكيين" من الظلم سبيلًا لحث الصامتين والصابرين على التحرك والانتفاض في وجه القوى الغاشمة.
الأحد 2019/09/08
الأداء الحركي الجماعي في مناسبات مختلفة

سلطت مسرحية “آخر رايات الأندلس”، التي عُرضت مؤخرًا بالقاهرة، الضوء على مأساة الموريسكيين بعد سقوط الأندلس، متخذة من الظلم الذي وقع عليهم منطلقًا لتحريك الثورات ضد الحكّام المتسلطين، ووضع حد لصمت الشعوب المقهورة.

لا يعرف المسرح مستحيلًا في سبيل طرقه للأبواب الشائكة، وخوضه القضايا الجريئة، وربما المسكوت عنها في الفنون الأخرى، فهو “أبوالفنون” القادر على استغلال هامش الحرية من خلال الأقنعة والإسقاطات التاريخية والرمزية وامتطاء عجلة الزمان إلى الوراء، من أجل تقديم قراءة كاشفة وصادمة للواقع، وتفجيره بقذائف التمرد والرغبة في إنجاز تغيير جذري حقيقي في المستقبل.

من استلهام التاريخ لتعزيز انتفاضات الشعوب ودعم ثوراتها المشروعة ضد الظلم والقهر، جاءت مسرحية “آخر رايات الأندلس” لفرقة طلاب جامعة عين شمس على المسرح العائم الكبير في القاهرة، وهي الدراما الحماسية الصارخة، التي حصدت جوائز شباب الجامعات المصرية وشاركت في المهرجان القومي للمسرح في دورته الأخيرة.

حملت المسرحية عنوانًا فرعيًّا هو “عن الثورة والصبر”، حيث وضعت الثورة في مقابل الصبر، كاختيارين نقيضين للشعوب المكلومة المحكومة بالحديد والنار، وصوّرت في أحداثها الصراع الدائر بين أنصار الصبر والصمت ومعالجة الأمور بالحكمة طمعًا في الاستقرار والحلول الهادئة، وأنصار التمرد والثورة والانتفاض لتغيير الواقع بالقوة.

جسّد العرض سمات المبدعين الشباب من حيث فوران الأحداث والأداء وحماسية المعالجة الفنية التي غلب عليها التوتر والانجراف في المبالغة والتدفق الانفعالي غير المحكوم وتغليب الأفكار الجاهزة والكليشيهات “وا.. أندلساه” على التصاعد المنطقي الدرامي المتزن. وهي من تأليف مصطفى سعيد وإخراج مصطفى طه، وديكور روماني جرجس، وملابس هناء النجدي، وإضاءة محمود الحسيني، وموسيقى إسلام وائل، وبطولة: محمد جبريل، أمنية محمد، عمرو سامي، علياء إيهاب، وغيرهم.

مساران للثورة

صور التعذيب الوحشية أرهقت المتفرجين

جاءت أحداث المسرحية في القرن الـ16، بعد سقوط غرناطة وإسبانيا الإسلامية، ومثّل محمد بن أمية صوت الحكمة في إدارة انتفاضة الموريسكيين الأندلسيين المتعرضين لكل أشكال الظلم والتنكيل، بينما مثّل الحسين صوت الثورة والتمرد والرغبة في تغيير الأوضاع بالقوة.

لكن المشاهدة الأولية للعرض أحالت مباشرة إلى الواقع الراهن، حيث الثورات الحديثة في مصر والعالم العربي، التي جرى الانقسام حول إدارتها بين السياسة والدبلوماسية (صوت العقل)، واستكمال المسار الثوري (صوت القوة).

ألحّت المسرحية في إبراز مدى الظلم الواقع على الشعوب المستضعفة، ولذلك اتخذت عهد الموريسكيين دون غيره مجالًا للأحداث المأساوية، وهي المرحلة القاسية التي شهدت انتشار محاكم التفتيش في الأندلس، والقتل والانتقام والتعذيب على الهوية، وتمادى صنّاع العرض في تصوير مشاهد العنف والتحقيق غير الآدمية مع الموريسكيين، لتمرير رسالة بأن بقاء الأمر على ما هو عليه مستحيل، وكذلك أن الصبر والصمت والتعقل في إدارة الثورة الشعبية الوليدة الناشئة “ضرب من الخيانة وبيع للقضية”.

والموريسكيون هم المسلمون الذين ظلوا مقيمين في إسبانيا تحت الحكم المسيحي بعد سقوط المملكة الإسلامية، حيث جرى تخييرهم بين اعتناق المسيحية أو مغادرة البلاد، واضطر بعضهم إلى الاحتفاظ بإسلامه سرًّا وإشهار مسيحيته جهرًا وتعميد أطفاله (كما فعل محمد ابن أمية في المسرحية)، خوفًا من بطش الكنيسة والحكومة الإسبانية.

تشكلت محاكم التفتيش بدعوى دعم العقيدة الكاثوليكية في إسبانيا وتتبع حقيقة ديانة أولئك الذين تحولوا من اليهودية والإسلام إلى المسيحية، واقترنت هذه المحاكم بالقمع والتعصب والتطرف، وقد نفذت أحكامًا كثيرة بالإعدام بحق المسلمين، ومارست ضدهم سائر ألوان التعذيب المعروفة في العصور الوسطى، كالجلد وسحق العظام وتمزيق الأرجل وملء البطن بالماء حتى الاختناق، وغيرها مما أبرزته المسرحية في مشاهد أحدثت ارتباكًا للمتفرجين من فرط قسوتها وفظاظتها، على ما فيها من واقعية، لكن كان ينبغي التخفيف منها، والاكتفاء بالتعبير عنها رمزيًّا ودلاليًّا.

سعى العرض في البدء إلى الوقوف موقف الحياد بين الرأيين السائدين حول إدارة الثورة، لكنه انحاز تدريجيًّا إلى الرأي الآخذ بالقوة “الحق المكتوب” لنيل الحرية عبر مواصلة الانتفاضة، وجعل الموت نهاية طبيعية للرأي الآخر “مقتل محمد ابن أمية”، كما وصف الصبر صراحة بأنه خنوع وضعف واستمرار للبلاء، فهو في هذه الظروف القاسية “ليس مفتاحًا للفرج”.

مُحاكمة فنية

اللعب بالإضاءة لإبراز الشحنات النفسية
اللعب بالإضاءة لإبراز الشحنات النفسية

استحقت عناصر العمل المسرحي على الصعيد الفني المجرد، محاكمات متفاوتة في تقييماتها وجزاءاتها، فمما يُحتسب للعرض جرأته واقتحامه مناطق شائكة وفتحه نوافذ للضمير الإنساني والتحرر والنهوض ضد الظلم والتطرف الديني والسلطوي والإيمان بقدرة الشعوب على التغيير وزلزلة عروش الحكّام الجائرين.

من عناصر الإجادة كذلك السينوغرافيا والملابس الموظفة ببراعة لاستحضار الحياة الأندلسية بجبالها وصحرائها وحدائقها وكنائسها وبيوتها الإسلامية الباذخة المزيّنة بالفنون البصرية الرفيعة، كما برع الديكور في تجسيد غرف التعذيب المُظلمة وأدواته المتنوعة التي طالما أدت إلى إزهاق الأرواح وإيذاء الأبدان.

شكلت الإضاءة الذكية والموسيقى الوترية الشرقية والغربية جناحين متميزين لتمرير حالات الفزع ولحظات القسوة إلى قلوب الحاضرين، بالتوازي مع صرخات الألم والتوجّع من الممثلين. كما تناغمت الاستعراضات الحركية مع أجواء الموشحات الأندلسية التي أداها المغنّون بأسلوب رشيق معبّر في مواقف ومناسبات اجتماعية مختلفة.

وأدى إلحاح العرض في بلورة رسائله إلى التكرار والمبالغة، فزادت مشاهد التعذيب على الحد، وتعددت دون داعٍ، واتسمت الأحداث بسخونة الشباب في الأداء والحركة والزعيق، أو ما يسمى بلغة الشباب أنفسهم “الأوفر”، والتحمت هذه السيولة الانفعالية بالتوتر والهياج في المواضع التي تستحق أو لا تستحق، الأمر الذي حوّل المعالجة برمّتها من دراما متصاعدة إلى “حالة ثورية خام”، وإلى “معركة فنية” فيها ما في الحروب من صخب وفوضى وجعجعة.

تمثلت أبرز سلبيات العرض في رداءة الصوت، ولعل ذلك يعزى إلى تجهيزات المسرح في المقام الأول، لكن كان على المسرحيين المتمكنين تفادي ذلك الأمر بالاعتماد على قدراتهم الصوتية الخاصة أو التقنيات البديلة، خصوصًا أن العرض باللغة العربية الفصحى، ما يعني أنه يتطلب وضوح الكلمات وقوتها، ولم يكن النطق السليم وحده كافيًا لتمرير محتوى العرض إلى الجمهور بسلاسة.

الموت نهاية السكوت والخنوع
الموت نهاية السكوت والخنوع

 

15