"آخر علم يرفرف" من فيتنام إلى العراق

الأحد 2017/10/29
"آخر علم يرفرف" عمل مناهض للحرب

فيلم “آخر علم يرفرف” (Last Flying Flag) هو أحدث أفلام المخرج الأميركي ريتشارد لينكلاتر. وقد عرض الفيلم بمهرجان لندن السينمائي الذي اختتم مؤخرا بعد عرضه العالمي الأول في مهرجان نيويورك. وعنوان الفيلم يوحي بأنه يدور في ميدان القتال، وأنه يتناول “البطولة” في حين أنه في الحقيقة فيلم عن الانكسار، عن الكذب وعن التضحية التي لم يكن لها مبرر ولا فائدة.

هذا فيلم عن الموت، فموضوعه الأساسي يدور في عام 2003 حول رجل من الطبقة الوسطى الأميركية، أبلغته السلطات العسكرية بمقتل ابنه الجندي في العراق في إحدى العمليات العسكرية. وهو يسعى الآن للوصول إلى صديقيه القديمين اللذين زاملاه في قوات مشاة البحرية “المارينز” خلال حرب فيتنام، لكي يشتركا معه في إحضار جثمان ابنه ثم تشييع جنازته.

الموضوع بطبيعته قاتم، لذلك كان التحدي الذي واجهه كاتب السيناريو داري بونيسان والمخرج لينكلاتر يكمن في كيفية صياغة الموضوع بكل ما يتضمنه من مشاعر فياضة وحزن نبيل وبعض التساؤلات الفلسفية في سياق “كوميدي” أو على الأقل مشبع بمزاج كوميدي يمتلئ بالقفشات والتعليقات الساخرة الطريفة ولحظات المرح التي تطغى على مواضع الحزن دون أن يفقد الفيلم رسالته الأصلية التي تتلخص في إدانة الحروب التي تشنها الإدارة الأميركية وتضحي فيها بالشباب تحت مبررات كاذبة.

المخرج ريتشارد لينكلاتر (57 عاما) معروف بتبنيه المذهب الطبيعي في الفن، فهو يبذل عادة أقصى ما يمكنه لإقناع المشاهد بأن ما يشاهده ليس مجرد محاكاة للواقع، بل هو الواقع نفسه. أما كاتب السيناريو داري بونيسان (79 عاما) فقد اقتبس السيناريو عن روايته التي صدرت بالعنوان نفسه عام 2005، وهو هنا يستعيد -على نحو ما- أجواء الفيلم البديع “آخر التفاصيل” (The Last Detail) الذي أخرجه هال أشبي عام 1973 ويعد من كلاسيكيات السينما الحديثة. كان سيناريو “آخر التفاصيل” مقتبسا بدوره عن رواية لبونيسان، وكان لا بد من العودة لمشاهدة هذا الفيلم مجددا حتى يمكن فهم واستيعاب الفيلم الجديد “آخر علم يرفرف”.

الفيلم يستنكر خداع المؤسسة للشعب الأميركي إلا أنه في الوقت نفسه يجعل الأب الذي كان غاضبا رافضا الامتثال لقواعد البروتوكول العسكري يقبل في النهاية تكريم “الشهيد” وتشييعه في جنازة عسكرية ولفه بالعلم الأميركي

آخر التفاصيل

في عنواني الفيلمين توجد كلمة “الأخير” وهو ما يوحي بأننا إزاء فكرة تتصل بالوداع أو بالتوديع، أي أننا إزاء شيء لن يتكرر، أو حدث سيختتم “حالة” إنسانية معينة ويسدل عليها الستار. لكن المعنى يشير إلى الدقة الشديدة في التعامل مع المهمة التي يكلف بها المرء، وكان جاك نيكلسون في “آخر التفاصيل” قد عبر عن غضبه ورفضه لهذا “التفصيل الأخير”.

في “آخر التفاصيل” هناك جنديان من جنود المارينز: أولهما أبيض هو بودوسكي (جاك نيكلسون) والثاني أسود هو مالهول (أوتيس يونغ) كلفا باصطحاب جندي ثالث، شاب مبتدئ (18 سنة) هو لاري ميدوز (راندي كويد) الذي حكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات بسبب سرقة 40 دولارا.

الجنديان الأكبر سنا والأكثر خبرة كلفا باصطحابه والسفر معه من نورفولك بولاية فيرجينيا لتسليمه لإدارة السجن في بورتسماوث بولاية نيوهامبشير. وخلال الرحلة التي تمر بنيويورك وواشنطن وبوسطن تتوثق العلاقة بين الجنديين و”لاري” الذي لم يختبر الحياة بعد، فهما يشفقان عليه من قسوة الحياة خلف القضبان بموجب جريمة لم يرتكبها (فهو يروي لهما أنه لم ينجح حتى في انتشال الأربعين دولارا من صندوق التبرعات الخاص بحملة علاج مرضى شلل الأطفال بل قبض عليه قبل أن يتمكن من الحصول على المبلغ).

يقرر الاثنان، وخاصة بودوسكي الذي يميل للمغامرة والتمرد على القواعد العسكرية الصارمة، ولديه نزعة جنون واضحة، ورغبة في الاستمتاع بالحياة تخفي شرخا داخليا قديما، أن يتيحا أمام الشاب فرصة للاستمتاع بالحياة وتذوق ما لم يتذوقه منها من قبل: الخمر، الرقص، الاختلاط بالفتيات، الجنس.. الخ

وبدلا من أن تنتهي المهمة في يومين تمتد لخمسة أيام، لنصبح أمام فيلم من أفلام الطريق، حيث تقع معظم الأحداث خلال الرحلة. وفيه تبرز شخصية بودوسكي التي يؤديها جاك نيكلسون كرجل متطرف في جنونه وحسه العبثي بالحياة ورغبته في دفع الشاب المسكين الذي سيقضي ثماني سنوات من عمره في السجن إلى التمرد والغضب ورفض النظام ولكن دون الهرب بالطبع، فهو إذا نجح في الفرار فإن بودوسكي ورفيقه سيلقيان عقابا شديدا.

كانت أجواء حرب فيتنام وما تركته من آثار نفسية على الجنود الذين شاركوا فيها وملامح مجتمع ما قبل سقوط نيكسون بفعل فضيحة ووترغيت تفرض نفسها بشكل ما على أجواء “آخر التفاصيل” وإن بشكل مستتر، بينما تطغى أجواء حرب العراق على فيلم “آخر علم يرفرف” بشكل مباشر. في الفيلم الأول كان بودوسكي ومالهول في فيتنام لكنهما لا يرغبان قط في الحديث عن تلك التجربة السيئة أو استعادتها، ففي مشهد الحفل يسعى بودوسكي لإغواء فتاة فيأخذ في وصف المشاعر الرومانسية التي يشعر بها جنود البحرية وهم في عرض البحر. وتحاول فتاة أخرى دفع “مالهول” للحديث عن فيتنام، لكنه يكتفي بالقول في سخرية واضحة إن “الإنسان يأمرنا أن نذهب فنذهب”.

لم يكتب بونيسان سيناريو “آخر التفاصيل” بل كتبه روبرت تاون (الذي سيكتب فيما بعد سيناريو “الحي الصيني”). لكن بونيسان هو الذي كتب سيناريو “آخر علم يرفرف” الذي تدور أحداثه في عام 2003 بعد غزو العراق مباشرة. هنا يحاول بونيسان أن يستكمل أو يستعيد ما سبق أن حققه من نجاح في “آخر التفاصيل”. فهناك الكثير من أوجه الشبه بين الفيلمين.

جنود المارينز الثلاثة في "آخر التفاصيل"

في الفيلم الجديد هناك ثلاث شخصيات قد تكون هي نفس شخصيات الفيلم القديم مع بعض التعديلات، فالأصغر بين الثلاثة وهو الذي يدفع الحدث ويقبض على الحبكة هو “لاري” (يقوم بالدور ستيف كاريل الذي تألق في فيلم “صائد الثعالب” Foxcatcher) ولاري هو الاسم الأول للجندي المقبوض عليه في “آخر التفاصيل” (لاري ميدوز)، لكن لا شيء عن سنوات السجن بالطبع، بل نعرف أنه شارك مع رفيقيه الآخرين في حرب فيتنام والآن أصبحوا جميعا من المارينز المتقاعدين بعد مرور أكثر من 30 عاما على التجربة الفيتنامية.

لاري فقد ابنه في حرب العراق، يذهب ليعثر على رفيقيه السابقين: الأبيض هو “سال” (بريان كرانستون) الذي أصبح صاحب مقصف لتناول الخمور، والثاني هو الأسود “ريتشارد ميوللر” (لورنس فيشبيرن) الذي أصبح منذ فترة قسيسا وراعيا لإحدى الكنائس الكاثوليكية، وقد ودّع بالطبع الشراب وامتنع تماما عن حياة العبث منذ أن تزوج من “روث” وهي السيدة التي دفعته كما يقول لرؤية “نور الإيمان”. إنه يبدو طاعنا في السن، يعاني من ألم في ساقه ويتوكأ على عصاه.

فيلم الطريق

كما في “آخر التفاصيل” يتميز “آخر علم يرفرف” بطابع أفلام الطريق، فأبطاله الثلاثة يقطعون أيضا رحلة طويلة بالسيارات والحافلات والقطارات، يتوقفون في مدن مختلفة، يفوتهم القطار حينا بسبب انغماسهم في اللهو، حيث يكون القس قد تخلى عن تزمته واستعاد مع زميليه القديمين روح الدعابة والمرح ولكن من دون أن يتخلى عن وعيه الديني وإحساسه بدوره الخاص.

ويخوض الثلاثة مغامرة مشحونة يقابلون خلالها الكثير من المصاعب، نتعرف على جانب من حياتهم، فلاري مثلا فقد زوجته التي رحلت مبكرا، والآن فقد ابنه الوحيد، وسال فشل في زواجه ويعيش وحيدا، أما ريتشارد فهو يقاوم في البداية الذهاب في تلك المهمة إلى أن تدفعه روث دفعا للقيام بما تعتبره “الواجب”.

يسعى كل من سال وريتشارد طوال الوقت للتخفيف من وقع صدمة الفقدان على صديقهما “لاري”، مع تعليقات كثيرة تصل إلى مواجهات من ممثلي المؤسسة العسكرية وإدانة سياسة التضليل والكذب التي تمارسها الإدارة السياسية بشأن ما يقع في العراق، خاصة عندما يعلم لاري ممن كان زميلا لابنه، أن الابن الشاب لم يقتل في عملية بطولية كما قيل له، بل بموجب “نيران صديقة”.

وكما كان بودوسكي في الفيلم السابق يجد أي سبب لتأخير المواجهة التراجيدية في النهاية، يقوم سال هنا بالتذرع بأيّ حجة حتى يمضي الثلاثة في جولة جديدة من استعادة لحظات المرح التي عاشوها في الماضي. ورغم العبث والسخرية التي تصل إلى العدمية، إلا أن الفيلم يبرز الحس الوطني الأميركي عندما يجعل الأبطال الثلاثة كلما واجهوا مأزقا ما يستعيدون هوياتهم القديمة كجنود سابقين في مشاة البحرية (رمز البطولة والولاء الوطني الأميركي) وهو شعور يصبح أكثر كثافة في مشهد الذروة قرب النهاية.

حماقات "سال" داخل الكنيسة في "آخر علم يرفرف"

جرعة السياسة هنا أكبر مما كانت في الفيلم القديم، وربما لهذا السبب تحديدا يفشل الفيلم في إبراز الجانب الإنساني في الموضوع وهو ما نجح فيه كثيرا هال آشبي في “آخر التفاصيل”. صحيح هناك تعاطف كبير بين الرجال الثلاثة وتجسيد لعبثية سال (المعادل لشخصية جاك نيكلسون في الفيلم القديم)، وصحيح أيضا أن الفيلم يمتلئ بالكثير من المواقف الممتعة الضاحكة من قلب المأساة، لكنه يعاني رغم ذلك من طغيان الصنعة ومن الترهل والتكرار والإطالة بالإضافة إلى تناقض الموقف السياسي.

فعلى حين يدين الفيلم ويستنكر خداع المؤسسة للشعب الأميركي إلا أنه في الوقت نفسه يجعل الأب الذي كان غاضبا رافضا الامتثال لقواعد البروتوكول العسكري يقبل في النهاية تكريم “الشهيد” وتشييعه في جنازة عسكرية ولفه بالعلم الأميركي، يرتدي زميلاه ملابس المارينز العسكرية يشاركان في الطقوس الخاصة بالجنازة العسكرية بعد أن كانا رافضين بقوة.

الإيهام بالواقع

يجتهد ريتشارد لينكلاتر كثيرا في جعل الكاميرا غير محسوسة إلى أقصى درجة، ويعتمد على الحوارات التي يحاول أن يجعلها تبدو تلقائية، وعلى المشاهد الطويلة اتساقا مع الأسلوب الطبيعي المغرق في فكرة الإيهام بالواقع، لكنه رغم نجاحه في تصوير الكثير من المشاهد وتجسيد البيئة الطبيعية التي تدور فيها الأحداث، إلا أنه لم ينجح في إبراز الوجه الإنساني للشخصيات وللموضوع، وهو ما كان يميز الفيلم القديم: هنا يبدو أداء كرانستون في دور سال محاكاة مشوهة لأداء جاك نيكلسون في “آخر التفاصيل” (كان وقتها في الخامسة والثلاثين من عمره)، فكرانستون يبالغ كثيرا في أداء دور العدمي، الساخط، المناهض للدين الذي يناقش زميله القس بطريقة فجة، يرفض المؤسسة الاجتماعية والسياسية، ويسخر من كل التقاليد، تتكرر كثيرا سخرياته وتعليقاته، إلى أن يتناقض رضوخه للمشاعر “الوطنية” في النهاية مع أفكاره الرافضة.

يظل الفيلم رغم هذه الملاحظات أحد الأفلام الهامة التي تخرج من هوليوود بين وقت وآخر، ترفض الحرب، تناهض المؤسسة، تحتج على ممارسات الإدارة السياسية، ضمن حدود “هوليوود الليبرالية” التي لا تصل بالطبع إلى “السينما الثورية”.

ناقد سينمائي من مصر

16