"آخر نساء لنجة" رواية الأنثى حين تحمل تاريخها وإرثها

السبت 2014/11/08
بطلة لولوه المنصوري تعيش غربة روحية حقيقية

تمثل رواية “آخر نساء لنجة”، الصادرة عن قسم الدراسات والنشر بدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، للكاتبة الإماراتية لولوه المنصوري أنموذجا للسرد النسوي، الذي يستثمر اللغة استثمارا مكثفا، وبالشكل الذي ينمّ عن إذابة الحدود المألوفة في الروايات المنجزة والخروج عن قواعدها المعروفة، لذلك هي تمثل تجربة مهمة ينبغي الإحاطة بها وإعطاؤها حيزا خاصا في النقد.

من السمات الأساسية في لغة الرواية النسوية، توفر سردها على جملة من الاستطرادات لإيضاح ملامح مألوفة من الحياة وتضخيم صورة هذه الملامح نسبة لما نجده في السرد ألذكوري المتخم بالأحداث والأماكن والشخصيات، التي تعبّر عن تجربتين مختلفتين تستقيان وجودهما من حركة المجتمع وضجيجه وعلاقاته الشائكة في تجربة الروائيين، في حين تبدو الحياة مختصرة وذات اتجاهات محدودة في التجربة الروائية النسوية.


عالم مغلق


تتخذ رواية “آخر نساء لنجة”، من البنية الدائرية شكلا لها، تبدأ وتنتهي بحدث واحد هو وفاة رزيقة الجدة حافظة التراث الأنثوي في الرواية، وبين البداية والنهاية تتضح ملامح البنية اللغوية لهذه الرواية، وتتضح حركة السرد فيها الذي يستثمر الانزياح المجازي في معظم أجزاء الرواية تعبيرا عن هذا العالم الدائري المغلق على الذات الساردة وهي تسرد بنفسها ولنفسها، وتبدو رزيقة جذرا نابتا في فضاء المكان المترامي قرب البحر، وهي ذاكرة المكان الذي اندرس ثم جدد في هذا المكان، المسمى “جلفار”، وهو الاسم التاريخي لإمارة رأس الخيمة.

وهي تشكل مثالا للمرأة التي عانت وشبعت من الذل والمهانة لتصبح بعد ذلك حرة في قرارتها بعد أن شاخت وأصبحت حاضنة للماضي، وهذا هو حال المرأة بتحولاتها العمرية المتنوعة، ويبدو أن الساردة تجد في رزيقة سندا يمكن لها أن تعتمد عليه. وتبدو العلاقة بين رزيقة ومدينة “لنجة”علاقة وطيدة بدا من عنوان الرواية الذي يسبغ على العالم الشعري رموزا وتوريات تكمن فيها دلالات العلاقة بين الأنثى رزيقة والساردة ميعاد وعالم المكان المندثر أو المحتل وأن هذه الرموز والإنشاءات المجازية كما تصرح الساردة تأتي بأشكال لغوية فيها الكثير من الأشواق الملغزة.

النمو في حركة السرد بطيء، يعود إلى الماضي دائما كبؤرة مضيئة لا تريد الذات مفارقتها

ومن تفاصيل استرجاع رزيقة ما تسرده عن مصير شيخ “لنجة” محمد بن قضيب بشكل رمزي مغلف بالخرافة حين أوكلت ساحرات الليل الثلاث ذوات الرؤوس على ذبحه “برجفة اللمس” ودلالة اسم الشيخ يشير إلى سلالة من أسماء الحكام العرب الذين حكموا لنجة في تاريخها القديم، قبل احتلالها، وتشير أخبار هؤلاء الحكام أنهم لا يتقاضون شيئا من رعاياهم، وإذا كانوا لا يملكون ثروة، توجّب عليهم كسب رزقهم بأيديهم، إما بنقل البضائع أو بالصيد.

هذا فضاء الماضي السعيد لمنطقة لنجة، أما حاضر لنجة فهو في منظور الساردة القريب “بلدة مشردة تحت وسادتي”، وهي أرض “باتت شبه وهمية في وجودها التاريخي المتعدد النسب”، وبهذا تصبح لنجة إشكالية أساسية في غربة المكان الذي تنتقل فيه الساردة وجدتها بين أرجائه المتخيلة والحقيقية، وليبدو المكان الحديث بعماراته وشوارعه الحديثة مقصيا عن حاضر السرد.


صمت الذات


تبدو الأنثى في هذه الرواية خارج توصيف المرأة المعاصرة، بطلباتها وحياتها العامة، وانشغالها في الحياة العامة، ذلك لأن ميعاد الساردة والشخصية الرئيسة في الرواية، تمتثل دائما لعالمها الداخلي، ويبدو الخارج بعيدا عن حياتها إلا في حدود اهتماماتها الخاصة، وهي بهذا المعنى تنتمي كثيرا إلى الحياة الطبيعية عبر الجمل المجازية التي تستثمرها للتعبير عن هواجسها وأحلامها وحتى كوابيسها.

فهي تصف نفسها أنها ذاكرة سقطت من شجرة الرول “أناقض الطيور القابعة في أعشاشها لحظة المطر”، ولكنها تشعر باللاجدوى في انتظارها الطويل. ولذا فإنها “أيقنت أن صمت الجدران أرحم حالا من الأبواب المتحايلة المزاجية”، وعلى الرغم من ذلك تشعر شعورا طاغيا بالذكر سواء كان غائبا أو حاضرا فهو في كل الأحوال يشغل مكانا مهما في حياتها وتخيلاتها عنه، فيوسف الزوج الغائب عن السرد يبدو عبر ذاكرة ميعاد، وقريبا من رئتها، وهو هادئ “كاللون البحري حين ترتخي أهداب أشرعة الحزن وزرقته”.

المنصوري قدمت حياة الأنثى دون ادعاءات واقعية أو حتى خيالية

بذلك تمجد الأنثى ذكرها على الرغم من خيانته لها، فهي تمتثل -على خلاف الرجل- إلى ميراث من الوفاء لا يمكنه أن يثمر إلا من خلال علاقته بالذكر، في حين يبقى الذكر منفلتا تجاه نزواته وشهوته التي لا ترتوي.

ويتضح هذا المعنى في العديد من الجمل المجازية والصريحة عبر صفحات الرواية، التي تشخص عالم الأنثى المغلق بالتساؤلات، وإيماءات الخصب والولادة التي تشكل كيانها في محاولة منها إقصاء الخراب والخواء. وتتجسد الوحدة والخوف والحزن العميق وهي ترى كل جهود جدتها رزيقة بانتشالها من هذه الوحدة والأحزان تبوء بالفشل، فتشعر بالمرارة والخوف من الآتي عندما تجد نفسها وحيدة دون رجل، ودون أمل بالإنجاب لتصبح على وفق إحساسها “إني هي التي بلا رحم وظهر ليسقطني الرجل عند قدميه عابرا باختيال نحو صرة أخرى مكتملة”.

تبدو هذه العبارات اليائسة جزءا من عالم الأنثى المجازي الذي يضفي على حياتها رتابة راسخة وخوفا راسخا في أعماقها تحاول إزالته دون جدوى فتصبح العبارات الاسمية التي تعبّر عنها تحمل هذا الثبات والرسوخ، غير أن كل ذلك سيتبدد حالما تجد منفذا يخرجها من عالمها الراكد هذا!

إن إغراق هذه الرواية بالجمل المجازية وانحسار رقعة الأحداث لصالح بنية البوح الذاتي قد جعل السرد يدور حول نفسه، حيث أصبح النمو والتغيير في حركة السرد بطيئا، يعود إلى الماضي دائما كبؤرة مضيئة لا تريد الذات مفارقتها على الرغم من وجود أمل بتجديد حياتها عبر علاقتها بسالم.

والسرد يتوقف كثيرا ليحمل أسئلة لا تجد لها جوابا، وتتكاثر الأسئلة لتشكل عبئا على حركة السرد، تجاه دورة حياة تضيق شيئا فشيئا حتى تصل ذروتها في نهاية الرواية حين يصبح الجسد خرقة تخاط على الأرض لتغلق أفق الرواية وفق تطلعات الأنثى نحو فضاء مفتوح.

وكل ذلك يشكل اتجاها في السرد النسوي تدشنه هذه الرواية، يمتثل إلى حياة الأنثى دون ادعاءات واقعية أو حتى خيالية، فهي تعيش واقعا مأساويا في مجتمعات غنية تحمل ملامح المجتمعات المتطرفة ولكنها تقمع الأنثى وترى في تطلعاتها خطا أحمر لا يسمح بتجاوزه في حين تعطي الذرائع والقوانين التي تفتح أمام الرجل فضاءات وعلاقات وأشكال متنوعة من الحرية والتبرير لممارستها.

16