آخر نكات النظام السوري من عين العرب

الاثنين 2014/11/03

لا يزال النظام السوري يؤمن بأنّ في استطاعته تمرير الشعارات المضحكة- المبكية على شعبه وإغراق الناس بهذه الشعارات، لعلّه يأتي يوم يمكن فيه أن يصدّقوها. هل يمكن أن يكون هناك غبيّ يصدّق ما يقوله النظام السوري عن “المقاومة” و”الممانعة”؟ عن أي “مقاومة” يتحدّث النظام؟ عن أيّ “ممانعة”؟

لا يستطيع هذا النظام الاعتراف بما حلّ بسوريا بسببه ولا بالواقع الجديد المتمثل في أنّ الشعب السوري يرفضه. يظنّ أن في استطاعته الكذب إلى يوم الكذب وأنّ الكذبة التي يطلقها يمكن أن تتحوّل حقيقة من شدّة تكرارها. الكذبة تظلّ كذبة، تماما مثلما أنّ الحقيقة تبقى حقيقة. الحقيقة الوحيدة في سوريا هي الثورة الشعبية التي لا يمكن إلّا أن تنتصر يوما، لا لشيء سوى لأنّها ثورة شعب يبحث عن كرامته…

هذا نظام يعيش في عالم آخر لا علاقة له بما يدور على أرض الواقع. ليس في استطاعته الوصول إلى مرحلة يعترف فيها بأنّ مسؤولية ما حل بالبلد يقع عليه أوّلا، وأنّ الألاعيب التي كان يمارسها في الماضي عفا عنها الزمن، وأنّ كلّ ما في الأمر أنّه صار تحت رحمة إيران، بل امتدادا لنفوذها في المنطقة لا أكثر.

من بين آخر النكات السمجة التي أطلقها النظام السوري، اعتراضه على سماح تركيا بمرور قوات كردية آتية من العراق إلى بلدة كوباني، أو عين العرب، السورية، بغية المساعدة في الدفاع عنها في وجه تنظيم “داعش” الذي يعتبر ابنا شرعيا للنظام السوري.

في الواقع، كانت النكتة الأخيرة للنظام السوري مجموعة نكات في نكتة واحدة. تحدّثت وزارة الخارجية التابعة للنظام عن “انتهاك سافر للسيادة السورية”. دخول أكراد عراقيين الأراضي السورية للدفاع عن كوباني وما بقي من أهلها “انتهاك سافر للسيادة”، في حين دخول مقاتلين شيعة من لبنان والعراق، وحتّى من أفغانستان، للدفاع عن النظام والمشاركة في ذبح الشعب السوري، على غرار ما تفعله “داعش” يندرج في سياق تعزيز للسيادة!

تحدّثت الخارجية السورية أيضا عن أن تركيا “كشفت نياتها ضد وحدة أراضي الجمهورية العربية السورية وسلامتها”. هل تركيا وحدها الطرف الإقليمي غير المهتمّ بالمحافظة على وحدة الأراضي السورية؟ هل النظام نفسه مهتمّ بوحدة الأراضي وسلامتها؟

لو كان النظام مهتمّا بوحدة الأراضي السورية وسلامتها، لكان أقدم يوما على خطوة جدّية من أجل استعادة هضبة الجولان المحتلة، سلما أو حربا، أو عن طريق المقاومة طويلة النفس، بدل عمل كل شيء من أجل بقاء الهضبة محتلة منذ العام 1967، أي منذ كان حافظ الأسد وزيرا للدفاع!

كذلك، لو كان النظام مهتما بالفعل بوحدة الأراضي السورية وسلامتها، لكان توقّف عن المتاجرة بالجولان والقضية الفلسطينية، ولكانت المقاومة للمحتل الإسرائيلي في الأراضي السورية وليس عبر جنوب لبنان الذي تدفق عليه المسلحون الفلسطينيون، من كلّ حدب وصوب، منذ أواخر الستينات بتشجيع من النظام السوري نفسه.

كان مطلوبا، في كلّ وقت، إبقاء هذا الجرح الذي اسمه جنوب لبنان مفتوحا إلى ما لا نهاية كي يكون هناك انتصار على لبنان بديلا من الانتصار على إسرائيل، ليس إلا. كان مطلوبا إبقاء جبهة الجنوب اللبناني مفتوحة كي يقول النظام السوري إنّه يقاوم إسرائيل… حتّى آخر لبناني وآخر فلسطيني.

من النكات المنبثقة عن النكتة الأساس المتمثّلة في الاعتراض على دخول أكراد عراقيين كوباني، عبر الأراضي التركية، اتهام الحكومة التركية بدعم “داعش”. قد يكون ذلك صحيحا، خصوصا أنّ هناك ألف اعتراض واعتراض على السياسة التي يتبعها الرئيس رجب طيب أردوغان الذي عمل منذ البداية على تفكيك سوريا. لم يتدخل أردوغان بالطريقة التي كان يفترض أن يتدخل بها للتخلص سريعا من نظام لم يعترض يوما على تفتيت سوريا. فمثلما أنّه يمكن اعتبار الحكومة التركية و”داعش” وجهين لعملة واحدة، فإنّ النظام السوري و”داعش” حليفان في كلّ شيء، بما في ذلك المشاركة في التخلّص من الشعب السوري بكلّ الطرق المتوفرة. ما الفارق بين ذبح الشعب السوري بالسيف أو الخنجر، على طريقة “داعش”، وبين البراميل المتفجّرة التي يلقيها النظام على المدن والبلدات والقرى السورية؟ هل السيف والخنجر أرحم من البرميل المتفجّر أو السلاح الكيميائي؟

كان في استطاعة النظام السوري توجيه لوم ما إلى تركيا، لو هاجم “داعش” لدى محاصرتها كوباني. كان تصديه لـ”داعش” كفيلا بتبرير الانتقاد الذي يوجهه لتركيا ولأردوغان اللذين قصّرا بدورهما في نجدة كوباني. فما لا يمكن تجاهله أن لتركيا حساباتها الكردية أيضا. ما كان لتركيا قبول نجدة الأكراد لكوباني وأهلها، وإن بشكل محدود، لولا الضغوط الدولية. اكتفت تركيا بنشر دباباتها في منطقة تشرف على كوباني، ربما من أجل التفرّج بطريقة أفضل على المجزرة التي تتعرّض لها هذه البلدة السورية!

ما يفوت النظام السوري أنّه جعل من البلد بلدا من دون حدود ولا سيادة. الحدود مع العراق زالت لمصلحة العلاقة القائمة بين السنّة في البلدين. الرابط السنّي صار أهمّ من الانتماء الوطني إلى سوريا أو العراق. بدأ كلّ شيء عندما استباح “حزب الله”، وهو ميليشيا مذهبية لبنانية بإمرة ايران، الحدود مع سوريا من أجل حماية قرى شيعية ومقامات دينية مثل الست زينب. لم يكن ذلك سوى تبريرات إيرانية تصبّ في حماية النظام السوري من منطلق أنّه نظام علوي أساسا. هذا كلّ ما في الأمر، والباقي تفاصيل ونكات وشعارات لم تعد تقوى على الصمود أمام الحقائق الجديدة في المنطقة.

في مقدّمة هذه الحقائق سقوط النظام السوري بعدما أدّى المهمة التي وجد من أجلها، أي تفكيك سوريا، بعد مساهمته في زرع كل أنواع الفتن في لبنان من أجل الخلاص منه. بدأ ذلك بتوريط الفلسطينيين في حرب على لبنان واللبنانيين لم يخرج منها البلد سالما، بل ما زال يعاني إلى الآن من النتائج التي ترتّبت عليها.

في ظل النظام السوري، لم تعد قرية كردية في سوريا تجد من ينجدها سوى الكردي الآخر. هذا هو الشرق الأوسط الجديد الذي بدأ يتشكّل، والذي يقف العرب عموما مكتوفي الأيدي أمامه وأمام نظام سوري لا يريد أخذ العلم بما يدور في محيطه… وحتّى في محيط دمشق نفسها.


إعلامي لبناني

9