آداب عربية أم أدب عربي

السبت 2018/02/03

في لقاء جمعني بأحباء الكتاب في مدينة طبرقة بالشمال الغربي التونسي على الحدود مع الجزائر، اغتاظ شاب في حوالي الخامسة والثلاثين من عمره لما تحدثت عن آداب عربية وليس عن أدب عربي. وفي رده عليّ أشار الشاب إلى أن العبارة التي استعملتها -أي آداب عربية- تعكس نظرة “قطرية ضيّقة معادية للوحدة العربية”، ومحرضة على إقامة حيطان التنافر والكراهية بين مختلف البلدان العربية الموحدة في نظره لغويا ودينيا.

والحقيقة أن ردّ الشاب كان مفاجئا لي إذ أنه لم يعش سنوات الحماس القومي في فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، أيام كان الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر “فارس” الوحدة العربية يهتف عاليا «حان الوقت لكي ترفع رأسك أيها العربي!». كما أنه لم يتعظ بالهزائم المرة التي منيت بها الأنظمة القومية في سياساتها الداخلية كما في سياساتها الخارجية، بل إن الأنظمة القومية ساهمت مساهمة كبيرة في توسيع الهوة بين الشعوب العربية أكثر من الأنظمة المتهمة بـ”التقوقع القطري”. بالإضافة إلى ذلك، حاربت الأنظمة القومية كل المعارضين لها من النخب المثقفة، وزجت بهم في السجون ليتعرضوا لأفظع أشكال التعذيب والتنكيل، بل إنها لم تتردد في قتل الكثيرين منهم. ومعنى ذلك أنها لعبت دورا مهما في تفقير وتسطيح المجتمعات العربية فكريا وثقافيا، سامحة للحركات الأصولية بالبروز والانتشار.

ورأيي أنه كان على الشاب أيضا أن يعلم أن عبارة “آداب عربية” كانت مستعملة منذ القديم، خصوصا في العصور الذهبية للحضارة العربية. فبلغة الضاد كتب الفرس واليهود والمسيحيون. وبذلك، أصبحت اللغة العربية وسيلة ناجعة للتواصل بين شعوب وقوميات مختلفة. بل إن الذين كتبوا باللغة العربية من غير العرب أمثال ابن المقفع وأبي نواس وبشار بن برد وغيرهم من الشعراء والمفكرين أثروا هذه اللغة، ووسعوا آفاقها، ومنحوها أبعادا إنسانية عظيمة لم تعرفها من قبل أبدا.

واليوم يمكننا أن نتحدث أيضا عن “آداب عربية”. فخلال العقود الثلاثة الماضية، تعددت المراكز الثقافية وتنوعت وتكاثرت لتنهي مقولة “القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ”. ولم تعد كتابة الشعر أو الرواية أو النقد منحصرة في عواصم معينة مثلما كان حالها خلال العقود السبعة من القرن الماضي.

وفي المغرب العربي، كما في بلدان الخليج، برز شعراء وروائيون موهوبون تعكس أعمالهم القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية التي تعيشها وتواجهها مجتمعاتهم. وعلينا أن نقر بأن هذه القضايا تختلف من بلد إلى آخر. وكل بلد له جراحه ومعاناته وهمومه. لذا ليست هناك غرابة في أن نقول إن الرواية التي تكتب في تونس مختلفة عن تلك التي تكتب في لبنان أو الجزائر أو العراق أو السعودية. والعكس بالعكس. الشيء الوحيد الذي يوحد بين الكتاب هو اللغة العربية. كما علينا أن نقر بأن اللهجات تختلف من بلد إلى آخر، بل من منطقة إلى أخرى داخل البلد الواحد. وبهذه اللهجات تكتب الأغاني والمسرحيات ويتخاطب الناس ويتعاملون ويتحاببون ويتخاصمون.

إلاّ أن هذا لا يعكس “تقوقعا قطريا” ولا يحرض على إقامة حيطان عازلة بين هذا الشعب العربي أو ذاك، بل هو يدل بالأحرى على ثراء وتعدد وتنوع، كما هو الحال في بلدان أميركا اللاتينية. فباستثناء البرازيل التي تتكلم اللغة البرتغالية، تتكلم كل البلدان الأخرى اللغة الإسبانية، لكن كل بلد من هذه البلدان يستعمل هذه اللغة بحسب ما يقتضيه واقعه، ومناخاته الثقافية والإثنية والدينية والعرقية وغيرها.

لذلك ما أظنني كنت على خطأ عندما استعملت عبارة “آداب عربية”، وليس “أدب عربي”. بل إنني شخّصت الواقع تشخيصا موضوعيا، بعيدا عن كل النزعات الأيديولوجية التي غالبا ما تربك أصحابها، وتقيم بينهم وبين الحقيقة غشاء يجعلهم يفكرون ويتحركون كمن يتلمّس طريقه في الظلمات.

كاتب تونسي

15