آدم الأدبي

الأحد 2016/08/14

من هو الكاتب الحقيقي الذي ينجو من الوقوع في عملية التناص. الكاتب الحقيقي يقرأ، يحول، يبدع، فكيف ينجو من تأثيرات الآخرين؟ لا يمكن له ذلك. فقط عليه أن يقرأ وينسى، ويترك فاصلا بين ما يقرأ وبين ما يكتب. أبو الطيب المتنبي، وليم شكسبير، موليير، غارسيا ماركيز، هاروكي موراكامي، أمبرتو إيكو واللائحة طويلة، تأسست كتاباتهم على ظاهرة التناص، لكنه ذلك التناص التحويلي القوي بلغة الباحث الفرنسي لورون جيني نفسه، وليس ذلك التناص البسيط حيث يقع الحافر على الحافر. هنا على النقد الأدبي أن يعرف كيف يستنبط الأمور.

وهُنا يجب أن تأخذ القراءة الفعلية بُعدَها العميق. والقراءة العميقة ليست بالضرورة تلك التي تُنجز عن الكتب لحظة صدورها، فتلك تهدف إلى مجرد التعريف بهذه الكتب.
القراءة العميقة تتطلب صبراً، وهي إلى هذا وذلك إبداع مشروط بمنهج صريح أو ضمني. كما أنّ الكتب حين تَصدر، تأخذُ مسافة زمن كي يسري دمها في المشهد الثقافي، وأن تجد مكانها فيه. طبعا يختلف الأمر من كتاب إلى آخر، لكن الفعل في العمق يبقى واحداً.

حِينَ كتب ستيفان مالارمي، كما يُشير إلى ذلك لورون جيني في دراسته الطويلة “استراتيجية الشكل”، وهي دراسة خصصها بالكامل للتعريف بنظرية التناص، إلى أنّ كل الكتب تحتوي بشكل أو بآخر على اندماج لبعض الأقوال المعدودة المهمة، فإنّه كان يشير إلى ظاهرة التناص التي لا تخلو منها أيّ كتابة. فليس ثمة من” آدم أدبي” كما يخبرنا خورخي لويس بورخيس.

هكذا يحضر التناصُ في كل الكتابات الأدبية وغيرها طبعا، وأحيانا يحضر بدءاً من العناوين، عناوين الكتب. فكثيرة هي الكتب التي تتناص عناوينها مع كتب سابقة عليها، أو مع بعض المقالات الأدبية التي كُتبت قبلها، أو في بعض الأحيان، نجد أنّ هذه العناوين تُؤخذ انطلاقا من متن كتابي معيّن، دون أن تتم الإشارة إلى ذلك.

وهو أمر يكاد يدفع إلى لعبة الالتباس بين اعتبار هذه العملية هي مجرد تناص ثقافي أو هي عملية أدبية غير محددة المعالم. وحتى لو اعتبرنا الأمر بالفعل كذلك، فحتى هذه العملية المبهمة تعتبر نوعا من التناص إذا تمت عملية الاشتغال عليها، ولم تكن عبارة عن نقل النص بحذافيره.

في عملية العناوين هاته، نجد كثيرا من الأمثلة الدالة على ذلك. فقد كتب أمبرتو إيكو روايته الشهيرة “اسم الوردة” وهو يعلم بأنّ هناك رواية معروفة سابقة عليها تكاد تحمل نفس العنوان، وهي “رواية الوردة” للكاتب الفرنسي غيوم دو لوريس. وهي من الروايات المؤسسة في الأدب الفرنسي السردي.

وذلك بالرغم من أنّ لا علاقة تجمع بين الروايتين إن على صعيد الموضوعات المطروحة، وإن على مستوى البناء الروائي الكلي، وعلماً أن أمبرتو إيكو ظلّ هنا في هذه الرواية، وفي كلّ كتاباته الروائية منها والفكرية على حد سواء، يتوافق مع نظرته إلى مفهوم الكتابة التي يجعلها منفتحة على التراث الثقافي الإنساني برمّته قديمه وحديثه. وهو أمر جعله يحظى باحترام الأوساط الثقافية في العالم كله، وأحد الفاعلين الكبار المتميزين فيه.

أما في الأدب العربي الحديث والمعاصر، فنجد أن بعضاً من العناوين سواء المتعلقة بالدواوين الشعرية أو بالمؤلفات الروائية تتشابه بشكل تام أو جزئي، ويكون هذا التشابه تارة مقصوداً ومُشتغلاً عليه ومبرّرا فنيا، وتارة أخرى يكاد يكون بشكل غير مفكّر فيه، بحيث لا تتم أيّ إشارة إليه من لدن مؤلف الكتاب. وهو ما يُشوّش على عملية التلقي ويقف عائقا في وجه تحققها على الوجه المطلوب. وبالتالي فهو يطرح أكثر من سؤال على مصداقية الكتابة في حدا ذاتها وإبداعيتها في المجال الثقافي بوجه عام.

كاتب من المغرب

14