آدم حنين في قاربه يسافر النحات المصري إلى آخرة أجداده

الأحد 2014/06/29
آدم حنين من نافذته يتأمل أهراماته وأهرامات الجيزة

من وراء نافذة بيته وهو متحفه الشخصي في الحرانية يتأمل آدم حنين أهرامات الجيزة الثلاثة. لا تزال الحسرة تملأ قلبه وقد تجاوز الثمانين منذ سنوات (ولد عام 1929) هنالك ما يصعب عليه فهمه من الدرس الفني الفرعوني. كانت البساطة سر الهرم الذي لا يزال أكثر الأعمال التجريدية رفعة وأناقة وضخامة في تاريخ الحضارة البشرية. غير أن العبث الذي يخالطه من جهة المعنى لا يزال ملهما. تبدو مهابة الأهرام في عيني النحات انعكاسا لشعور المرء بالضآلة وهو يقف أمام ذلك المنجز الفني الذي لم يفلح الزمن في الكشف عن أسراره الجمالية التي لا يزال الجزء الأعظم منها متخيلا.


قاربه هو رسالته إلى الأجداد


يوم كان حنين طفلا وقف متسمرا أمام تمثال أخناتون. رسمه بيد مرتجفة، غير أن ذلك الفعل الطفولي كان قد شكل في ما بعد مرجعا لسيرته رساما ونحاتا. لقد تسلل إلى روحه شيء من شغف المصريين بعالم ما بعد الموت، الخلود الذي يترك بصماته على الأرض من خلال كائنات صامتة من الحجر، يجترح حجمها الهائل معجزة دنوها الحكيم من نقيضين: الحياة باعتبارها ممرا إلى الموت والموت كونه يمثل مفتتحا لحياة أخرى. وقد يكون حنين قد أنجز واحدا من أعظم أحلامه حين رأى قاربه الفرعوني هائل الحجم (نفذه بالحجر والبرونز) وقد رسا أمام بوابة متحف الفن العربي الحديث في الدوحة عام 2010. يومها اطمئن إلى أنه سيذهب إلى آخرته وهي موقع خلوده بالطريقة نفسها التي ذهب فيها أجداده.


النحت وقد استبد به


كانت سيرته مجموعة من الحلقات المنسجمة في حركتها والتي كان النحت يشكل نقطة مركزها إشعاعها، بالرغم من أن رسومه وقد كانت زاده الباريسي يوم اختار الإقامة في فرنسا قد وضعته في مكانة مبرزة بين الرسامين العرب الحداثويين. انطوت تلك الرسوم هي الأخرى على محاولة شخصية للعودة إلى جذور التقنية الفرعونية، حين لجأ حنين إلى تنفيذها على ورق البردي. غير أن النحت ظل هو الهدف الذي كانت إبرة بوصلته تتحرك في اتجاهه. لم ينسه اضطراره إلى الرسم حاجته إلى أن يكون نحاتا. وهو الذي شغف بالنحت قبل أن يدرسه.

تخرج آدم حنين من قسم النحت في كلية الفنون الجميلة عام 1953، التحق بعدها بأحد مراسم الفنون الجميلة في الأقصر، بعدها بسنة ذهب إلى دراسة النحت في ميونيخ، ليعود من دراسته إلى بلاد النوبة وليقضي هناك تسع سنوات في منحة، كانت أسوان فيها فضاء لخياله النحتي. عام 1971 بدأ حنين يحصي سنوات منفاه العبثي، بالرغم من أنها كانت السنوات التي شهدت تبلور شخصيته رساما مهما. كان حرمانه من النحت بمثابة الثمن الذي انطوت عليه لذائذ إقامته الباريسية.

آدم حنين وهو يتأمل من نافذة بيته الأهرامات الثلاثة لا ينسى تأثير سيرجي بولياكوف (1906ــ 1969) الرسام الروسي الذي طبع حياته الباريسية بأسلوبه

يقول حنين عن تلك الأوقات العصيبة ” عشت هناك 20 سنة، لكن الإقامة في شقة باريسية تضطر الفنان إلى خيانة النحت، والاكتفاء بالرسم، فالنحت لا يعيش في الأماكن الضيقة، وكنت أفكر دوما في بلدي، وأفكر في العودة إلى النحت في ورشة مفتوحة أو حديقة، وأعرف أن ذلك ممكن في مصر، وبالفعل ساهمت في تأسيس سمبوزيوم النحت في أسوان، كما شرعت في تجميع أعمالي في حديقة منزل ريفي قرب الأهرامات”.


أسوان يا لها من قارة غامضة


عام 1996 كان حاسما في حياته. لا لأن غربته كانت قد استنفدت أسبابها بشكل نهائي وحسب بل وأيضا لأنه عاد إلى مصر باعتبارها فضاء مفتوحا للخلق الفني العالمي. كان ملتقى الفنانين القادمين من مختلف أنحاء العالم في أسوان حلم حياته الذي وجد طريقه إلى الواقع. الحجر والشمس والمكان الواسع. هذا ما يحلم به أي نحات، فكيف به وقد أحيط من كل جانب بمنحوتات فرعونية كانت ولا تزال تسخر من الزمن، باعتباره صنيعتها؟

يومها لم يباشر حنين النحت بيديه فقط. صار النحت بشارته إلى العالم. وهو ما كان يحلم به ليكون مصريا أصيلا. مادته الحجر والخشب والبرونز، غير أن خياله كان يقيم في اللحظة التي فارقت يد النحات تمثل (أبو الهول).

حين التقيته عام 2001 في البحرين حدثته عن رسومه التي تركت أثرا بليغا في نفسي، “كان أقلها يزيد في استمرار” قلت له فذكرني أن النحت المعاصر لا يثرثر. حدثني عن برانكوزي وهنري مور وجياكومتي ثم لمعت عيناه حين صار يحدثني عن النحات الفرعوني. “ألم تشغف بالدمى السومرية؟” سألته قال “بلى. غير أنها كانت تنطوي على الكثير من الحكايات التي قد تنحرف بالنحت عن تقشف كتلته” يومها أدركت أن آدم حنين كان يفكر في النحت بطريقة مصرية أصيلة. كانت الكتلة الصامتة خياره الوحيد في اتجاه الشكل الذي يصنع معنى وينطوي عليه. كان النحات حارس ذلك المعنى والمدافع عن فضائله السرية. لقد اُخترع النحت لكي يؤنسن الصمت الإلهي لا لكي ينشئ آلهة تمشي على الأرض.

تخرج آدم حنين من قسم النحت في كلية الفنون الجميلة عام 1953، التحق بعدها بأحد مراسم الفنون الجميلة في الأقصر، بعدها بسنة ذهب إلى دراسة النحت في ميونيخ، ليعود من دراسته إلى بلاد النوبة وليقضي هناك تسع سنوات

كان النحت حبله السري الذي يقوده في استمرار إلى مصر. فكان ملتقى النحاتين في أسوان بمثابة أعظم الجوائز التي قدمتها مصر له. يقول “هذا شيء رائع يشعرني بسعادة داخلية غامرة، لأنني شعرت في فترة من حياتي بعقدة أنني نحات، لأنه عمل غير اجتماعي يبعدني عن الناس، فالنجار يتعامل مع الناس، وكذلك الطبيب والمهندس، وغيرهما، فالجميع يعمل في مهن لها اتصال بالناس والحياة اليومية، لكن النحات يحبس نفسه مع الخامة، وكل سنة أو أكثر يمكن أن ينظم معرضا، داخل قاعة، يرتادها في العادة مجموعة من المتأنقين، أحيانا ينظرون للأعمال وأحيانا لا، وأشعر بأن عمري وعملي الفني يصبحان رهنا بكلمة أو تعليق من هؤلاء الأشخاص، وهذا يربكني ويعوقني، ولذلك أكره أماكن العرض المغلقة والغاليريهات، وأعتبرها جنائز كاثوليكية باردة، ولهذا أفضل أماكن العرض المفتوحة في الصحراء أو الحدائق”. فما فعله آدم حنين لم يفعله نحات مصري من قبله.


ما يبقى منه


شيء منه سيبقى بالتأكيد بعدد أن حرص على أن يقيم متحفه الشخصي في حياته ويشرك الدولة في مسؤولية إدارته غير أن الشيء الأكبر منه وكان هبته الشخصية لمصر وهو ما يتعلق بما قدمه النحاتون العالميون لمصر من خلاله. غير انه لا يفكر بهذه اللغة الإعلامية الترويجية. كان كريما مع النحاتين العالميين حين وضع شمس مصر وفضاءها وخيالها بين أيديهم. وهو نوع من الحدث الإعجازي في حياة كل نحات. غير أن آدم حنين وهو يتأمل من نافذة بيته الأهرامات الثلاثة لا ينسى تأثير سيرجي بولياكوف (1906ــ 1969) الرسام الروسي الذي طبع حياته الباريسية بأسلوبه. لم يكن يحاكيه، بقدر ما كان يجد في رسومه مدخلا لتقنية الرسم على ورق البردي. لربما اهتدى الرسام إلى صنعته بتأثير من الرسوم المصرية وهو ما شكل عنصر جذب بالنسبة إلى الرسام المصري لكي يتأثر به. غير أن آدم حنين الذي كان حريصا على مصريته لم يتنكر نحتيا للفنانين المعاصرين الذين تأثر بهم. كان الروماني برانكوزي في مقدمتهم. بالنسبة إلى آدم حنين فإن تكن مصريا ومعاصرا فلا غنى عن برانكوزي (1876ــ 1957). كان طائر حنين الفرعوني نوعا من الدوزنة المعاصرة على طائر برانكوزي. لقد حرص حنين على أن يقف متأملا بين التجريد النقي وبين التشخيص الضبابي، وهو ما جعله قادرا على أن يكون وسيطا بين النحت الفرعوني المتأمل في شؤون الآخرة وبين نحت معاصر أنصفته الحياة بتقنياتها.

من نافذة بيته وهو متحفه يتأمل آدم حنين أهرامات الجيزة كما لو أنه يتمنى لو أتيحت له الفرصة للقاء مخترعها، نحاتها الذي كان كريما بخياله من غير أن يذيّل أعماله بتوقيعه.

10