آراء عابد الجرماني: تنتهي الحروب ويبقى الأدب

الأربعاء 2015/04/15
الدول التي تنبهت للفعل الثقافي تسعى إلى ترسيخ حضارتها بالثقافة، وليس بالسلاح

تتذكّر التفاصيل كاملة، كلّ التفاصيل التي تشكّل هاجسا ملحّا لها في تناولها للملفات التي تطرقها دون خوف، قاومت أيضا بالتفاصيل السلطة القائمة في ظرف امتلكت خلاله تلك السلطة كلّ شيء في البلاد، ممّا انعكس سلبا على مسيرتها الأكاديمية التي تأخّرت بسبب حلقات مسلسلها الدرامي الذي كتبت حلقاته رغم سلطة المخبر السريّ الذي يتابع كل صغيرة وكبيرة في سوريا، ورغم كلّ هذا خاضت حروبها على جبهة المثقّف الأكاديمي الذي يقع على عاتقه التنوير، فكان سوق الورق ذلك المسلسل التلفزيوني الذي كشفت فيه آراء عابد الجرماني تلك العلاقة الخفيّة التي تربط مؤسسات التعليم الجامعيّ بمنظومة الفساد التي تحكم سوريا منذ عقود، “العرب” زارت آراء الجرماني فكان هذا الحوار.

الدكتورة آراء عابد الجرماني ولدت في سوريا وتقيم اليوم في هولندا، درست اللغة العربية في جامعة دمشق وحازت على درجة الدكتوراه في النقد الأدبي من الجامعة ذاتها عام 2012، لها كتابان في النقد الأدبي “الميتاسرد في الرواية العربية” الصادر عن دار التكوين في دمشق عام 2011، و”اتجاهات النقد السيميائي للرواية العربية”، الصادر عن منشورات ضفاف، دار الأمان، منشورات الاختلاف، عام 2013، ودخلت مؤلفاتها القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد، فرع المؤلف الشاب، لعامين متتالين، 2012-2013. كما نشرت العديد من الأبحاث والمقالات في الدوريات العربية، بينما ينصبّ اهتمامها اليوم على مجال توثيق الجرائم المرتكبة ضد السوريين.

طريقة تعبير

سيمياء السرد في الرواية العربية كان موضوع الأطروحة العلمية التي قدّمتها آراء الجرماني، وهنا تقرّ آراء أنّه كان تحديا حقيقيا نظرا إلى أنّ الموضوع كان قليل التداول في سوريا أكاديميا، في حين كان مألوفا في دول المغرب العربي ولتميّز هذا البحث وإشكاليته استطاع الوصول إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد عن فئة المؤلّف الشاب.

النقد الأدبي سيغدو أكثر جدوى إذا كان مستقلا عن الشخصي في الحكم على النص الأدبي من حيث الفكر والمنهج

وهذا الإصدار لم يكن الأوّل الذي يصل بضيفتنا إلى قائمة الجائزة الأغلى في العالم، فقد سبق ذلك بعام دخول كتابها “الميتاسرد في الرواية العربية” القائمة ذاتها أيضا.

بحثها في الرواية العربية دفعنا لسؤالها عن السرد العربي عموما لتقول إنّها تفهم الرواية على أنّها طريقة للتعبير، وهذا يعني أن الروائي يسعى من خلال ممارسته فعل كتابتها إلى أن يعبر عن ذاته او عن تجربة عايشها أو تخيلها، ومدى مشابهتها لزمنها أو محاورتها للحضارة التي تمثلها يجعلها قيمة ثقافية عالية، إذ توثق لأهمية الحضارة التي صدرت عنها، فعندما ترسخ في مخيلة كل العالم كلمات ونصوص جبران خليل جبران، ترسخ معها الحضارة التي شكلت جبران الإنسان والفكر والأدب، والدول التي تنبهت لهذا الفعل الثقافي تسعى إلى ترسيخ حضارتها بالثقافة، وليس بالسلاح، لأن الحروب تنتهي ولكن الأدب الذي يكتب أثناء الحروب يبقى.

فالروائي كما تراه ضيفتنا هو مؤرخ لعواطف وآلام وأفراح الشعوب، فهو لا يؤرخ انتصارات القادة فحسب، بل يوثق انتصارات وانكسارات الناس، إنه المؤرخ الذي يغفر له لأنه يقول بقلبه وتحيزه وعينه، ولا يدّعي الصدق والحقيقة، لذا فهو المؤرخ الجميل.

بصورة أخرى تؤكّد الجرماني أنّ الروائي الحقيقي لا يسعى إلى الكتابة من أجل السلطة أو الاعترافات الرسمية، رغم أنّ مكانته محكومة في عملية التسويق الإعلامي، لا سيما في وطننا العربي الذي يتسم بالشللية.

فالروائي -والحديث لضيفتنا- يخوض ليس حربا مع الكتابة والإبداع فقط، بل أيضا مع دور النشر ومع التسويق والتهميش والجوائز. وهذا يجعل من بعض الأسماء التي استطاعت تجاوز هذه العراقيل أسماء تستحق لقب البطولة.

الرواية كما تراها أستاذة الأدب العربي مثلها مثل كل الفنون تنتصر للقيمة، وهو أمر يساير علم المنطق، بألّا يتم تجاوز قيم الحق، كي تكون الرواية مقبولة ومستساغة لدى العامة، حيث يفترض المنطق أيضا أن العامة لا تخرج بمخيلتها عن المنطق، لتتساءل ضيفتنا: هل ما يحصل في سوريا الآن يشبه المنطق؟

سيمياء السرد في الرواية العربية كان موضوع الأطروحة العلمية التي قدّمتها آراء الجرماني
هل يمكن لنص يكتب متأثّرا بما يحدث في سوريا أن يكتب عن المنطق والقيم، كيف ينتصر للقيم إن كانت القيم غير موجودة أساسا، وإن كانت الحرب كلها تقوم على دحر القيم، وهذه الحال تنسحب أيضا كما ترى ضيفتنا على القضية الفلسطينية. و اعتمادا على النقطة السابقة ترى آراء أنّ الهوية القومية باتت كلمة دخيلة ومستهجنة على الأدب في زمن بات منفتحا على كل شيء، مع يقينها بأنّ الأدب الذي يهتم بالقومية يبقى نوعا له جمهوره.

فهمها العميق لصناعة الرواية ومكانة الروائي دفعنا إلى سؤالها عن أهمية النقد الأدبي وعن قدرته في عكس واقع الحياة الأدبية في الشرق، حيث ترى إن كان النقد الأدبي فنا لتفسير الأعمال الأدبية بصفته صيغة تحليل منضبطة بعاملي الذوق والفكر، لأجل الكشف عن جماليات وهفوات النص الأدبي، فإنه إذن يستند لذوق الناقد الشخصي ولفكره.

سيغدو النقد الأدبي أكثر جدوى إذا كان مستقلا عن الشخصي في الحكم على النص الأدبي من حيث الفكر والمنهج، وهذا ما يعانيه النقد في البلاد العربية عموما، أي عندما يصبح تابعا للشخصي.

ضد الأدب

لا يعكس النقد الأدبي في سوريا على سبيل المثال كما ترى ضيفتنا واقع الحياة الأدبية بشكل حقيقي، فالكثير من الأدب لم يلق الكثير من النقد، وآخر حاز الكثير من الاهتمام النقدي، تبعا لتوجه الصحافة حينا، ولتوجه الذائقة العامة حينا آخر.

إضافة إلى أن النقد في الأساس هو عمل مؤسساتي يعتمد على جهد الفريق عبر مناهج نقدية وهذا كله يحتاج إلى دولة مؤسسات وليس إلى دول استبدادية يعدّ فيها النقد أحد أعدائها الألداء.

حديثها عن دولة الاستبداد دفعنا لسؤالها عن إعلانها لموقفها السياسي عبر العديد من الوقفات الاحتجاجية التي تنفّذها في هولندا حيث تقيم حديثا، وعن رؤيتها لدور الأديب والمثقّف والأكاديمي في ما يحدث حولنا، عن هذا تقول إنّ هناك الكثير من الجهود التي بذلها الفنانون والكتاب والنقاد والمفكرون عبر سيرة الثورة السورية، حيث نشروا الكتب وآلاف المقالات وصنعوا الأفلام والأغاني وشاركوا في مختلف تجليات الحراك الثوري، وليس لهم في ذلك منّة أو فضل على أحد فهذا واجبهم الوطني، أما الذين اختاروا الوقوف مع القاتل أو هربوا من الموقف فأولئك لديها موقف حاد منهم، فالأدب والفن كما ترى مادتهما الإنسان.

والإنسان لا يمكن أن يكون مادتهما في السرّاء فقط بل أيضا في الضراء، لذا ترى أنه ليس من مهمة الكاتب والمثقف فقط التنظير والتدوين، بل أيضا المشاركة في الحراك الشعبي، مستغلا ذهنه ورؤيته الواسعة والمستقبلية ومحاولا خدمة هذا الحراك. أما أن يبقى في قوقعة الرصد والتنظير فهذا أمر سلبي حتما.

النقد في الأساس هو عمل مؤسساتي يعتمد على جهد الفريق عبر مناهج نقدية وهذا كله يحتاج إلى دولة مؤسسات وليس إلى دول استبدادية

وهو ما ظهر في الثورة السورية عندما أصر الكثير من المثقفين على النأي بأنفسهم عما يحصل في الشارع متهمين الثورة بأنها ثورة يؤمها شيوخ الجوامع مكتفين ومن خلف شاشات الفيس بوك، بالإمامة الثقافية وبالتلميح غالباً لأنهم أيضا محكومون بالرقيب.

ولكن على الجهة الأخرى ترى الجرماني أنَّ الأدب لم يساهم في خلق أرضية حقيقية للثورة، فالثورة قام بها البسطاء والمهزومون من الواقع، ولكنهم لم يلجأوا إلى الأدب بل إلى الثورة وهذا ليس ذنب الأدب بل ذنب المؤسسات الثقافية في تلك الدول التي لا ترعى الأدب والثقافة بصفتها مادة أساسية يومية كما الخبز، بل تتعامل معها بصفتها ترفا كلاميا بلاغياً.

وهو ما يجب أن تتداركه دول الربيع العربي في المستقبل بحسب ضيفتنا التي ترى أنَّ لا أحد بإمكانهِ الجزم عن مستقبل سوريا فجُلُّ ما يمكن فعله هو التنبؤ الذي لا تؤمن به إطلاقاً فالفعل الثوري الذي يقوم به الثوّارُ و الباقون الصامدون على الأرض السورية وهو ما تؤمن به فقط.

آراء الجرماني تتابع اليوم مسيرتها الكتابية وتحضّر لعدّة أفلام أحدها بعنوان “رحلة إلى اللون”، وتقوم الآن بالتحضير له مع مخرجة بريطانية حيث سيكون فيلما روائيا توثيقيا، يتناول أحد الجوانب الإنسانية من التجربة السورية.

15