آراء وشهادات

الخميس 2015/04/30
الشعر عند نزار قباني "عمل حضاريّ بالدرجة الأولى"

عمـارة نــزار أو سؤال الشعرية الحديثة

عبدالقادر الجموسي

بعد مضي عشر سنوات على رحيل نزار قباني، لا يزال الشاعر يقف بعنفوان على منبر الشعر العالي، ولا يزال صوته، بدفقانه السري اللامنقطع، هو الأكثر سطوعا ونفاذا ومسموعية في عالم شعرنا العربي الحديث. بغنائيته الآسرة ومعجمه البسيط اللاذع وحرفيته النادرة، التي تقدم الصنعة الباهرة في شكل سليقة، استطاع نزار قباني أن يؤسس عمارة جمالية متفردة وراسخة في قارة الشعر المترامية.

إن ظاهرة نزار قباني تنتمي إلى مستقبل الشعر وليس إلى ماضيه، لأنها تمكنت من تحقيق معادلات جمالية ونوعية لم تسجل من قبل في تاريخ الشعر العربي الحديث، على أقلّ تقدير. لقد كسب نزار مجمل الرهانات التي وسمت منجزه الشعري: رهان جماهيرية الشعر، وصفاء اللغة، ورهافة الوجدان، وعدالة قضايا الإنسان والمرأة والحب وحرية الوطن. رهانات أمدّت شعره بعناصر الوجود الضرورية وبالشحنة اللازمة التي ضمنت له البقاء والتألق المتجدّد في سماء مستقبل الشعر العربي.

الشعر عند نزار قباني “عمل حضاريّ بالدرجة الأولى”. لذلك فهو يوجد في قلب الجدل العمومي والرهان الحضاري على دور اللغة، هذه الأداة الأكثر خطورة، وبناء الشخصية وصوغ الوجدان العام، في اتجاه تسريع وتيرة التمدن والارتقاء بالحس الجمالي والإبداعي للإنسان. والشاعر، من هذا المنظور، صوت ضمن أصوات جماعية، حامل لموقف ورسالة إلى جانب كل من “الرسام بألوانه، والنحات بكتلة الحجر، والموسيقي بأوتاره”.

رسالة تدعوه بإصرار إلى الانخراط، من موقعه الجمالي، للدفع بعجلة التطور وتهذيب الذوق وصناعة الجمال الملازم لكل رقيّ حضاري. المبدعون في نظر نزار قباني، “خلقوا ليزرعوا القنابل تحت القطار العثماني العجوز الذي ينقلنا من محطة الجاهلية الأولى إلى محطة الجاهلية الثانية. أما الكتاب الذين يتكوّمون تحت الشراشف، بانتظار رحيل العاصفة، فسوف يبقون معزولين عن قضايا مجتمعاتهم كالدببة القطبية”.

ظاهرة نزار قباني تبقى محرضة على السؤال، ومستفزة للمؤسسة النقدية العربية لاجتراح الأسئلة الحقيقية عن تمثلات الحداثة الشعرية العربية ورهاناتها الجديدة

هذا الوعي الصريح بمسؤولية الشاعر/ المثقف، هو الذي جعله يعبر، في أحايين كثيرة، بلغة النثر الجارحة، في وجه العديد من الاختلالات والتشوهات التي أصابت الوعي والممارسة العربيين في محطات حاسمة من التاريخ الحديث. مواقف كشفت وجع الشاعر وتفاعله مع مجريات واقعه الحي بمزاج حاد متحلل من كل رومانسية كاذبة ومراوغة.

لقد فاوض نزار قباني، وهو الشاعر والدبلوماسي المجرب، من أجل أن يبقى الشعر ديوان العرب الأول. والظاهر أنه حقق فتوحات لافتة في هذا المضمار، حيث جعل من الشعر خبزا وموسيقى يومية لكل الناس.

لقد صاغ نزار، عبر قراءاته في الشعر العربي والعالمي أسلوبا وسيطا، لا مبتذلا ولا مستغلقا على الأفهام، أسلوبا ينتظم في جديلة واحدة ما بين وتيرة حكائية انسيابية وغنائية عذبة، لامس بوساطتها الوتر الحساس لذائقتنا العربية العريقة التي تغذت على عوالم ألف ليلة وليلة العجائبية، وفروسية المتنبي، وعذوبة جميل بثينة وأبي فراس الحمداني، وسخرية أبي نواس اللاذعة.

على هذا الأساس، تبقى ظاهرة نزار قباني محرضة على السؤال، ومستفزة للمؤسسة النقدية العربية لاجتراح الأسئلة الحقيقية عن تمثلات الحداثة الشعرية العربية ورهاناتها الجديدة، وتجريد آليات النقد لتشخيص أسباب نجاح قصيدة نزار فيما فشلت في تحقيقه تجارب شعرية عديدة على مدى عالمنا العربي المعاصر.

وإن كان من قيمة لمعاودة النظر في الظاهرة النزارية، خلال اللحظة الراهنة، فهي تكمن في جعلها معيارا لمساءلة الشعرية العربية الحديثة برمتها.

كاتب ودبلوماسي من المغرب مقيم في اليابان

دبوس نسائي في أصابع عاشق أرستقراطي

وليد علاءالدين

كانت مجموعة "قصائد متوحشة" لنزار قباني على الطاولة الصغيرة بيننا، كان أبي يتحدث عن لغة نزار الخاصة وعوالمه الفريدة

أذكر في أحد شتاءات دراستي الجامعية ذلك النقاش المطول الذي دار بيني وبين أبي، رحمه الله. كانت مجموعة “قصائد متوحشة” لنزار قباني على الطاولة الصغيرة بيننا، كان أبي يتحدث عن لغة نزار الخاصة وعوالمه الفريدة، كان يحاول بهدوئه المستعد للانسحاب دائما أن يمرّر لي فكرته البسيطة؛ وهي أن نزار، وإن لم يفعل شيئا سوى تمهيد الطريق للغة حرة ومغايرة لمن يمرون بعده، لكفاه ذلك.

كنت في تلك الفترة أعاني من حدة وتطرف في العديد من مواقفي وآرائي، كنت أرى الأشياء بلونين أسود أو أبيض، وكنت أتعامل بحذر مع كل من يكرّس لهم الإعلام الرسمي وحتى مناهج الدراسة.

كنت في ذلك الوقت أعتقد أن نزار قباني شاعر غنائي مباشر، ولم تكن تشفع له عندي تلك الرهافة وذلك الألق اللذان يعلوان قصائده أو تلك العوالم التي حدثني عنها أبي، وكنت أتبارى مع عدد من الأصدقاء في نادي الأدب التابع لأحد قصور الثقافة الإقليمية في التقليل من شأن نزار قباني، كنت أسأل محبيه أن يحدّدوا لي بأنفسهم واحدة من قصائده على أن أكتب لهم على منوالها قصيدة تباريها لأقرأها عليهم في الأمسية التالية، وكان نجاحي في استنساخ قصائده وعوالمه بشهادة الأصدقاء يدعوني إلى مزيد من هذا الغيّ، كانت لعبة مسلية وإن كنت أدركت لاحقا أننا نستنسخ فقط أصحاب العوالم المميزة ظانين بسذاجة أننا بذلك قد أزلنا بهم الهزيمة النكراء.

كنت في ذلك الوقت أحب أمل دنقل، وأرى في شعره نبضا حقيقيا، وأستنسخه دون وعي في قصائدي الأولى، أكد أبي وهو يتصفح ورقات الديوان، صغيرة القطع، أن حبي لدنقل مشروع ولكنه لا يعني التقليل من قدر نزار قباني، راسما بكفيه دائرتين وهميتين في الهواء، وقال إنهما دائرتان من الإبداع تحلقان في هواء الغرفة، وكل منهما عظيم بطريقته.

نقاشي مع أبي لم يسفر عن جديد في علاقتي مع نزار قباني، ولكنه وضع علامة كعادته على الموضع الذي يريد مني أن أبحث فيه

لم يسفر نقاشي مع أبي وقتها عن جديد في علاقتي مع نزار قباني، ولكنه وضع علامة كعادته على الموضع الذي يريد مني أن أبحث فيه؛ الآن، بعد قليل أو بعد كثير لا يهمّ، المهمّ أن يترك تلك العلامة بهدوء ويسر، واثقا من أن كل نيء سوف ينتهي إلى نضجه الخاص.

بعد أكثر من 15 سنة مرت على هذا اللقاء، وقد قرأت لنزار وقرأت لآخرين كتبوا في الحب والجسد وللحب والجسد وعن الحب والجسد، لم أر في نزار قباني تلك العظمة التي وجدتها في نيرودا، أو تلك الدفقات النارية الممتلئة التي بثها ريلكه، أو غيرهما من عظماء الأدب، شعرت أن الفارق بينه وبين هؤلاء كالفارق بين عاشق أرستقراطي اختار الوقوف تحت ظل شجرة في حديقة جميلة وراح ينقش اسمه على لحاء شجرة بطرف دبوس نسائي، وبين حطاب عاشق احتله العشق فراح يتلو قصائده، بينما يشق فأسه الهواء بحثا عن خشب يجلب له الدفء.

فإذا كان ريلكه يقول: إن الحب هو الفرصة الوحيدة لكي ننضج، نكتمل ويتحوّل الواحد منا إلى كائن منذور للحب، حبّ الكائن الذي يحبّ. إن الحب تمرين عظيم للوحدة والتركيز والولوج إلى أعماق النفس، فإن نزار قباني اكتفى بكتابة بورنوغرافية تتناول شهوة متبادلة بين ذكر وأنثى، وهو وإن حاول أن يتعدّى ذلك إلى مناقشة العديد من العلاقات الاجتماعية، إلا أنه لم يفعل ذلك بالمستوى الفني اللائق فهو -في كثير من قصائده- لم يتعدّ دور العاشق بدبوسه على لحاء الشجرة الطريّ. ولعل أجمل ما كتب نزار في رأيي من قصائد الحب -ولا أعتبر ما كتبه في السياسة شعرا- تلك القصائد التي لم يحتلّ فيها النهد مركز الصدارة، والتي لا تدور في غرف النوم، فتلك هي القصائد التي نسي فيها رغبته في تكريس نموذج شهير، فكتب على سجيته الشعرية التي لا شك أنها قادرة وموهوبة.

شاعر من مصر مقيم في الإمارات

14