آرام كرابيت: أجمل امرأة هي تلك التي ينجبها خيال السجين

الخميس 2014/11/20
ثلاثة عشر عاما في السجن، جعلت مني إنسانا آخر، أصبحت غريبا، مهجور الروح والذات

آرام كرابيت، سوري من محافظة الحسكة، عاش وتنقل في أرجاء المحافظة. ألف رواية “الرحيل إلى المجهول” عام 2007، ونشرها عام 2009، وكتب العديد من المقالات السياسية والفكرية تتناول الشأن السوري والعربي والدولي، هو كاتب مسكون بالهمّ الإنساني في هذا العالم، وقد كتب رواية جديدة عام 2009، عمل عليها مدة أربعة أعوام ونشرها في شهر أبريل من هذا العام، تتعلق بالإبادة التي تعرض لها الأرمن والسريان وغيرهما في السلطنة العثمانية.

من يقرأ، الرواية الأخيرة، يرى مدى التشابه بين الأمس واليوم، من حيث تداخل الأحداث والسرديات المؤلمة. اليوم يعكف آرام كرابيت على كتابة رواية جديدة تتناول حيوات الناس في سوريا والأناضول وانتقالاتهم من هناك إلى وطنهم الجديد، الهجرة الثالثة إلى أوروبا. وللكاتب ثلاثة كتب منشورة، أحدها باللغة الفرنسية. لاستجلاء معالم تجربة هذا الكاتب، كان لـ”العرب” هذا الحوار معه.


غربة السجين


في روايته “في الأرض- المسرة”، يمزج آرام كرابيت التاريخ بالواقعي، ويستعير من التّاريخ التركيّ، حادثة الإبادة التي تعرّض لها الأرمن كتجربة حقيقيّة، ويسقطها على المجتمعات الإنسانيّة في علاقة السّلطة بالمجتمع، والنضال ضدّ العنصرية. عن وجه الشبه بين التاريخ العثماني الأسود، والتاريخ الذي يكتب الآن على أيدي الأنظمة الطغيانية، والجماعات التكفيرية، وكأنهما تاريخان مكتوبان بحبر واحد، حبر النفي والإبادة والاقتلاع من الأرض والهوية، يقول محدثنا: «الهزائم المتتالية للسلطة العثمانية في البلقان، على جبهات القتال، مركزية السلطة والتفافها وتمركزها حول الحاكم، وعدم قدرتها على إقامة نظام تعدّدي مؤسساتي أبرز مميزات الدولة العثمانية التي كتبت عنها، أضيف إلى ذلك الخوف الوجودي للأتراك، الذي دفعهم إلى حل الأزمة السياسية المتفاقمة داخلها بالعنف، وتصفية جسدية كاملة للقومية الأرمنية، وإبادتها».

عن مفردات تتكرّر في كتاباته، ويمكن لأيّ قارئ أن يلحظ ذلك (الأرض، الخابور، الفرات) وعن مردّ ذلك، يضيف قائلا: «أقسى غربة في الوجود، هي غربة السجن. فيه تضيع ملامح الإنسان، صورته القديمة، صوته القديم. يضيع بريق وجهه الجميل، ولا يتشكل أيّ جديد، ولهذا يبقى هائما، ضائعا. لا يمكن نقل الأرض أو النهر أو الشجر، إنهم أبناء التكوين، أبناء الأزل، ومن يقامر عليهما يضيع. والخابور جزء من التكوين، ومن الحياة، جزء من الوجود عامة. الخابور والأرض والمرأة، ملجأ السجين، والبشر الهاربين من الظلم. إنه نوع من التماسك، شبهته بالطفل الصغير، الذي ولد مع ولادة الزمن والمكان».

"في الأرض- المسرة" رواية تمزج التاريخ بالواقع، وتستعير من التاريخ التركي، حادثة الإبادة التي تعرض لها الأرمن

في كتابات آرام كرابيت بصورة عامة نفحة مدنية واضحة، وبالنظر إلى ما بقي من الربيع العربي وكيف يرى أثر الدين على الحراك الجماهيري، ولا سيما أن الصلوات والخطب الدينية كانت تقام في كل ساحات ذلك الربيع، وهل من علاقة بين ذلك وبين ما وصلنا إليه ممّا يسمى تنظيم داعش الإرهابي أم أنه يرى المسألة بطريقة أخرى يقول الكاتب: «ما حدث هو مسؤولية السلطة الأمنية، التي لا تعرف أي حل سياسي. لقد فرّغ المجتمع من القوى الحية، وشجع القوى الدينية المنطوية تحت جناحيه. نزل الناس إلى الشارع سلميا، لأشهر طويلة.لو كان لدينا نظام سياسي، لالتقط اللحظة التاريخية ونقل المجتمع إلى الأمام، وحل الأزمة السياسية سياسيا، وفوّت على هذه التنظيمات المأجورة كداعش وغيرها ما تفعله اليوم، هذه التنظيمات تعمل تحت إشراف السلط العالمية. شاركت في صناعتها أكثر من دولة، وأولها الولايات المتحدة. لقد رصدت الولايات المتحدة مليارات الدولارات للبرامج الدينية، ونشر أسوأ ما فيه من قصص وحكايات، لتعيد مجتمعاتنا إلى العصور المغرقة في القدم. أعتقد أن هذا التطرف صناعة مقصودة».


صراع طويل


عن تجربة اعتقاله، وفي مقارنتها بما يجري من اعتقالات اليوم، وعمّا أخذه وما أضافه إليه السجن، إذ قضى ثلاثة عشر سنة في زنزانة، يقول آرام كرابي: «في سجن تدمر عرفت السلطة وقسوتها، هناك رأيت الوحشية، إنه تدمير ممنهج للوجود الإنساني. تنكشف في هذا المكان، قدرة البشر على ترويض الذات الإنسانية، وإعادة إنتاجها من جديد وفق شروط السلطة. ما نراه اليوم في سوريا هو صورة مصغرة عن سجن تدمر، وأعتقد أن ما مارسته السلطة من قمع وحشي في بداية الثمانينات لا يختلف عمّا يجري الآن من تعذيب، قتل ممنهج، وتصفية جسدية، خاصة للإخوان المسلمين والبعث القومي. السلطة السورية تعتبر وجودها في السلطة مرادفا لوجودها في الحياة، قاتلا أو مقتولا، لا خيار ثالث. لهذا تنظر إلى كل من يعارضها كعدوّ محتمل، وجب قتله أو تصفيته».

إبادة الأرمن والطغيان في سوريا تاريخان مكتوبان بحبر واحد

يضيف الكاتب: «ثلاثة عشر عاما في السجن، جعلت مني إنسانا آخر. لقد مات الحلم والحزن والفرح في داخلي. أصبحت غريبا، مهجور الروح والذات. لقد خرجت دون حلم».

وهو في السجن، رفض آرام أن يوقع على تعهد، يختصر مدة سجنه ويرجعه إلى الحياة، حياة عادية خالية من أي نشاط سياسي، وبرفضه ذاك مكث في السجن 13 عاما، لذلك طرحنا عليه فرضية عودة الحياة به إلى الوراء، وهل كنت وقعت على تلك الأوراق، ويعود إلى حياته، وإن كان الندم قد تمكن منه على تلك السنوات التي ضاعت من حياته، والتي كان يمكنه أن يستردها بجرة قلم.يقول آرام: «لا أشعر بالندم على الإطلاق، كانت تجربة أليمة وقاسية للغاية، بيد أني أعتبرها جزءا من حياتي، من تاريخ بلدنا. خضتها بحلوها ومرّها. إنها سوريا، خلاصة ثقافتها، تجربة أبنائها، رفضهم الظلم والاستبداد والقهر. إنه وعي بالواقع، الضرورة، ويجب تغييره نحو عالم الحرية. إنه صراع طويل ومستمرّ.

وعن تجربته الطويلة، وبعد كل ما عاينه من أحداث، لا سيما في السنوات الأربع الأخيرة، عن نظرته إلى مفهوم الوطن والهوية، اعتبارا لما يجري على الساحة العربية عموما والسورية على وجه التحديد، يقول الكاتب: «أضحى الوطن، جزءا من المنظومة الدولية، تديرها الدول المركزية، المهيمنة على التقسيم الدولي للعمل. لم يعد بمقدور الدول الصغيرة والكبيرة الحفاظ على الهوية في ظل النظام الرأسمالي في صيغته الجديدة، والعولمة. هناك فارق كبير بين مفهوم الحرية كفضاء شامل، ومفهوم الديمقراطية كفاعل سياسي. نحن ننشد الديمقراطية السياسية في بلدنا، تداول السلطة ودستورا فاعلا، بيد أنه يصطدم بقوى دولية لا تقبل ذلك».

آرام الذي فقد المرأة في سنوات حياته، لا سيما أنه تزوج وانفصل بعد سنوات قليلة عن زوجته، فهل عطلت سنوات السجن الطويلة علاقته بالجنس الأنثوي، حتى صار بمقدوره أن يعيش دون امرأة.

يقول: «المرأة هي الحلم، جزء من تكوين الرجل. ولا يمكن أن تغيب عن ذهنه وذاكرته. يخلقها السجين في أجمل وأبهى صورة، ولا يمكن للواقع أن ينتج أي امرأة كما ينتجه الخيال في المكان المعزول. هذا الخيال، يجعل الواقع حلما، يحلق معه السجين طوال حياته. يتحوّل إلى طائر منفصل عن الواقع».

15