آرتور "أحمد" فاغنر يميني متطرف يتوعد بنشر الإسلام عشية انتصار ميركل

تيار فاغنر المثير للجدل حل في المرتبة الثالثة في الانتخابات الأخيرة ليكون أول حزب يميني يدخل البوندستاغ الألماني بأعضائه التسعين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
الثلاثاء 2018/03/06
الهويات الأوروبية تتغير من ألمانيا

أخيراً تنفست المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الصعداء، فقبل ساعات من الآن تم الإعلان عن موافقة أعضاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني على الدخول في تحالف مع ميركل، يمكنها من تشكيل حكومة جديدة بعد أكثر من خمسة أشهر على الانتخابات التشريعية.

وبناء على ذلك سينتخبها النواب الألمان مستشارة للبلاد في منتصف مارس الجاري، لتدخل في ولاية دستورية رابعة، بفضل الائتلاف مع الاشتراكيين الديمقراطيين الذي لا يملك سوى غالبية تبلغ 53.5 بالمئة أمام اليمين المتطرف.

على الضفة الأخرى، حيث اليمين المتطرف، يمكننا أن نرى التحولات التي تطرأ مرة بشكل موضوعي، ومرات بشكل مفاجئ.

وصحيح أن الأفكار والقناعات تتبدل مع الزمن تبعاً للظروف التي يمر بها الإنسان، الذي من الصعب عليه البقاء على ما هو عليه ما دام كل شيء يتغير من حوله.

 هذا ما دعا الكثيرين للتساؤل عند سماع الخبر الذي يقول إن عضواً من حزب “البديل من أجل ألمانيا”، الحزب الأشد تطرفاً اليوم في الساحة السياسية الألمانية، قد أعلن إسلامه وغير اسمه من “أرتور فاغنر” إلى “أحمد فاغنر”.

 حزب البديل هو الحزب الشعبوي اليميني المناهض للإسلام، والذي يعتبر الاسلام لا ينتمي إلى ألمانيا وإلى ثقافتها، وما تنص عليه شريعته يتناقض مع قيم الدستور الألماني. هذا جعل من اعتناق فاغنر للإسلام عنواناً للصحف الألمانية المتعددة في الآونة الأخيرة.

الهوية الألمانية الجديدة

الألمان يعيشون اليوم تحولات كبيرة دون أن يشعروا، تطرأ على هويتهم التي كانت مغلقة لزمن طويل
الألمان يعيشون اليوم تحولات كبيرة دون أن يشعروا

أعلن فاغنر الذي يبلغ من العمر 48 عاما، والمقيم مع أسرته في فالكينزي التابعة لمنطقة هافيلاند في براندنبورغ، إسلامه في مؤتمر صحافي أمام وسائل الإعلام، بعد أن بدأ تحية الجميع بعبارة “السلام عليكم”، ومن ثم قال “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”. مشهد غريب عن زمن تتصاعد فيه ظواهر التطرف الديني التي أشاعتها القاعدة والإخوان والسلفيون وداعش؛ بدا وكأن فاغنر يسبح عكس التيار.

يقول فاغنر إنه منذ فترة، وأثناء تواجده في منطقة أوفا الروسية عاصمة الكيان الفيدرالي لباشكيروستان والتي تحتضن مقر الإدارة الروحية للمسلمين، شعر برغبته في أن يكون مسلماً بعد أن تحدث معه شخص ما رفض ذكر اسمه، معتبراً أن هذا الأمر شأن شخصي.

يعقتد  فاغنر أن الإسلام استطاع أن يقدم له الأجوبة الروحية التي سعى هو شخصياً إلى الوصول إليها خلال الأعوام الـ28 الماضية.

يعيش الألمان اليوم تحولات كبيرة دون أن يشعروا، تطرأ على هويتهم التي كانت مغلقة لزمن طويل، حتى اتخذت أقصى درجات التطرف في زمن النازية، ثم انعزلت بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية. أما اليوم فهي تشهد نوعا من التداخل مع الهويات الأخرى، حتـى باتت في طريقها إلى العالمية بأعراق وأديان مختلفة، ولكن كيف سيهضم المتعصبون الألمان أمراً كهذا؟

 بعد أن تخلى فاغنر الألماني الروسي المولود في الأورال عن منصبه كنائب رئيس لمنطقة هافيلاند، أكد في مقابلة مع صحيفة “دير تاغ شبيغل” على بقائه في حزب البديل وإيمانه بمبادئه والتزامه بها لأنها هي روح ألمانيا، والواجب حماية هذه الروح.

في الوقت ذاته، نفى  فاغنر الشائعات المنتشرة في الحزب، التي تقر بأن أجهزة المخابرات هي من أرسلته، وفي رده على ذلك قال “ليس لدي أي علاقة، ومن لديه أسئلة فهو مدعو للحديث معي”. كما تلقى فاغنر رسائل تهديد منذ انتشار خبر اعتناقه الإسلام، حيث قال “لقد تلقيت خطاباً يقول فيه أحدهم، اخرج من ألمانيا قبل أن أبدأ بصنع القنابل”، وذلك حسب المقابلة التي أجراها مع صحيفة “بيلد” الألمانية.

موسم هجرة ميركل

​  أنجيلا ميركل ينتخبها النواب الألمان مستشارة للبلاد منتصف مارس الجاري، لتدخل ولايتها الدستورية الرابعة، بفضل ائتلاف يملك غالبية 53.5 بالمئة أمام اليمين المتطرف ​
أنجيلا ميركل ينتخبها النواب الألمان مستشارة للبلاد منتصف مارس الجاري، لتدخل ولايتها الدستورية الرابعة، بفضل ائتلاف يملك غالبية 53.5 بالمئة أمام اليمين المتطرف

حزب فاغنر المثير للجدل، والذي يعتبر العدو الأول للمهاجرين والإسلام في ألمانيا، تأسس عام 2013 في برلين كرد فعل على سياسة إنقاذ اليورو، وفي الانتخابات الأخيرة حل في المرتبة الثالثة ليكون أول حزب يميني يدخل البوندستاغ الألماني بأعضائه التسعين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وسرعان ما انتسب فاغنر إلى ذلك الحزب بعد تأسيسه. فانتخب لأول مرة لمنصب قيادي فيه عام 2015، ليكون عضواً في لجنة ولاية براندنبورغ المسؤولة عن الكنائس والطوائف الدينية.

كان فاغنر عضواً في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي تترأسه المستشارة ميركل التي كان من أشد المعجبين بها في ما مضى، إلا أنه اعتبر فتحها الباب أمام مئات الآلاف من اللاجئين “أمراً خاطئاً تماماً”، وأن ألمانيا قد “تحولت إلى دولة أخرى”.

فاغنر لا يزال حتى بعد إسلامه مؤمناً بأن حزب البديل يقوم على إيقاظ الفكر السياسي النائم وأن ألمانيا بحاجة إلى ذلك، وهو في الوقت نفسه يرى أن الحزب في أمس الحاجة إلى الحوار مع الإسلام.

 المتحدث باسم حزب البديل أندرياس كالبيتز يقول إنه لم يعلم أن فاغنر اعتنق الإسلام إلا بعد مكالمة هاتفية أجراها معه قبل أيام من مؤتمره الصحفي،  ويضيف “لقد فوجئت بشدة، كان نشطاً جداً في الجناح المسيحي للحزب”. كالبيتز هذا أكد لصحيفة دير تاغ شبيغل أن “الإسلام لا ينتمي إلى حزب البديل في براندنبورغ”. ومع ذلك فقد استدرك قائلا  إن “الحزب يقف مع الحرية الدينية”، وأن تغيير الدين مسألة شخصية، لكن ذلك لم يمنعه من أن يصرح بأنه يرى الإسلام خطراً على ألمانيا، كما حذر من أسلمة المجتمع الألماني. وقد أعلن الحزب سابقاً عن إدراج منع الحجاب في الجامعات والمؤسسات العامة ضمن برنامجه الانتخابي في 2016، كذلك منع ختان الأطفال المسلمين واليهود. ومن أول اقتراحات الحزب بعد دخوله البرلمان إعادة اللاجئين السوريين إلى بلدهم.

التفوق الثقافي الألماني

درس فاغنر المعلوماتية التجارية في جامعة العلوم التطبيقية في هانوفر، ويعيش في منزله الحالي في فالكنزي منذ 13 عاما، ويوصف بأنه صاحب شخصية قوية وذو آراء واضحة. وبالإضافة إلى كون شخصيته ملونة جداً، فإن لديه رفضا واضحا لفكرة الثقافة المتعددة، بل إنه يركز على مسألة الريادة الثقافية للألمان، لكنه لم يتوان عن العمل مع اللاجئين والمعوقين في أربيتر ساماريتر بوند.

كان فاغنر شخصاً باحثاً عن الحقيقة، يقول عن نفسه “كنت ملحداً، وضد الكنيسة حتى عام 1989، عندما كنت في العشرين من العمر”، ثم أصبح مسيحياً بروتستانتيا في أغسطس 1989. وأثناء زيارته لمدينة دريسدن، تعمّد هناك مع عائلته، وعن ذلك يقول “لقد كانت تجربة روحية كبيرة”.

 درس اللاهوت بعدها في ريغا لمدة نصف عام، وتعرف على الكنائس الرسولية الجديدة. وهكذا انتمى إلى ثلاث كنائس: الأرثوذكسية والبروتستانتية والباستوليشية ونشط فيها، وفي نهايات عام 2017 اعتنق الإسلام، وتوقف فجأة عن تناول لحم الخنزير والتدخين. وفي حديثه في برنامج توك شو قال إن زوجته “لم تأخذ الأمر على محمل الجد، لكنه ينوي أن يصوم رمضان وسيتعلم الصلاة واللغة العربية”.

التفكير المحافظ هو الأصل

 فاغنر يبدو وكأنه يسبح عكس التيار في زمن تتصاعد فيه ظواهر التطرف التي أشاعتها القاعدة والإخوان وداعش، حين أشهر إسلامه في مؤتمر صحافي أمام وسائل الإعلام
فاغنر يبدو وكأنه يسبح عكس التيار في زمن تتصاعد فيه ظواهر التطرف التي أشاعتها القاعدة والإخوان وداعش، حين أشهر إسلامه في مؤتمر صحافي أمام وسائل الإعلام

العامل الحاسم لرحيل فاغنر عن الكنيسة البروتستانتية بعد ثلاثة عقود تقريبا، بالإضافة إلى موقفها من حزب البديل، هو ما حدث في يوم كريستوفر ستريت في الصيف الماضي، والذي شارك فيه القساوسة حينها أيضاً. يقول فاغنر إنه ضد “زواج المثليين” الذي أقرته الحكومة الألمانية، لكن ليس لديه رهاب المثلية. ويضيف “هذا دفعني إلى الجنون. لقد كان هناك أيضا أطفال. ليس من المناسب للأطفال أن يسمعوا ويروا ذلك”.

وكريستوفر ستريت هذا هو يوم خاص للمثليين الجنسيين يحتفلون فيه في الشوارع حيث يرتدي البعض ملابس كرنفالية، ويحمل البعض الآخر الأعلام الملونة، خاصة بعد أن أعلنت الحكومة الألمانية أنها ستسمح بعقد زواج المثليين والمثليات وتبنيهم للأطفال إن أرادوا، وهذا ما يرفضه فاغنر بشدة معتبراً أنه يضر بالأطفال وبتفكيرهم.

يرغب أحمد فاغنر في إنشاء مؤسسة لدراسة الإسلام الأوروبي. وقد ذكر لصحيفة برلينر تسايتونغ أنه يريد التوسط بين الإسلام والألمان المحافظين، وسيسعى لبناء الجسور. بالرغم من أنه يرى نفسه لا يزال “طفلا صغيرا في عالم الإسلام العظيم”. كما يرغب في الاطلاع على الدراسات الإسلامية عن طريق برنامج التعلم عن بعد. وفي رأيه، أن القرن الحادي والعشرين هو قرن الإسلام حتماً. ولكن لا أحد يعرف كيف؟ لا فاغنر ولا المسلمين أنفسهم.

13