آرثر رامبو ساند الثورة العربية وفيكتور هيجو هاجم الأمير عبد القادر الجزائري

الأحد 2013/09/15
بريشة الفنان جمال الجرّاح

منذ الاستقلال إلى يومنا هذا لم يكتب الجزائريون شيئا يذكر عن علاقة الأدباء والمفكرين والفنانين الفرنسيين بالتحرري الجزائري، وبالشخصيات الوطنية التي قادت الكفاح ضد فرنسا المستعمِرة من عام 1830 إلى 1962 وبذلك بدأ مخزون هذه الذاكرة التاريخية والثقافية يتلاشى في مهب الريح. تفيدنا الوقائع والأحداث والشهادات الموثقة في السجلات الفرنسية وفي عديد من المؤلفات الفرنسية – الغربية، التي لم تدرس عندنا وفق أحدث النظريات والمناهج، أن الكثير من أدباء فرنسا وشعرائها ومفكريها وفنانيها أنجزوا كتابات واتخذوا مواقف تجاه احتلال الجزائر وويلات الحرب الاستعمارية المفروضة، وكان بعضها سلبيا وبعضها الآخر إيجابيا. من بين هؤلاء معاصرو الأمير عبد القادر الجزائري أمثال ألكسيس دو طوكفيل، وسان سيمون وشاتو بريان، وجيرار دو نرفال، وآرثر رامبو، وفيكتور هيجو، ودلاكروا، ولامارتين، وأندريه جيد ومن جاؤوا بعدهم مثل جان بول سارتر، وسيمون دو بوفوار، وألبير كامو، و لوي ألتوسير، وجان فرانسوا اليوطار، وجاك دريدا وجاك لاكان وغيرهم كثير. إن الأمير عبد القادر الذي جمع صفات الشاعر والمفكر وقائد الثورة المسلحة الجزائرية لمدة 15 عاما، من سنة 1832 إلى سنة 1847، من ضحايا هذا الإهمال السافر للذاكرة التاريخية والثقافية الذي مارسته ولا تزال تمارسه الآن المؤسسات الأكاديمية والثقافية الرسمية الجزائرية. إن هذا الرمز الوطني، الذي نفته فرنسا إلى طولون الفرنسية وسجن هناك ومن ثم نقل هو ورفقاؤه بعد الإطاحة بالملكية في فرنسا في عام 1848 إلى قصر أمبواز بجنوب غرب باريس بقرار من لويس نابليون الثالث، لم يكتب تاريخه الثقافي بجدية ولم توثق الكتابات الشعرية والتاريخية والنقدية والفكرية التي تناولت سيرته النضالية والأدبية والفكرية في مختلف البلدان منها العربية والإسلامية والغربية.

لابد من التذكير هنا أن الملاحظات القليلة التي سجلها كل من الشاعر العراقي كاظم جهاد، على هامش ترجمته لأشعار آرثر رامبو والروائي الجزائري بقطاش مرزاق على هامش ترجمته لقصيدة فيكتور هيجو عن الأمير عبد القادر والتي اعتمدها، جديرة بالتنويه لأنها تساعد على فتح مجال خصب ومتنوع، لم ينل حظه الكامل من الجمع والترجمة ومن البحث والدراسة على نحو مستدام وأكثر عمقا في مراكزنا وجامعاتنا، وهو مجال تمثيلات الأدب والفكر والفن الأوروبي/الغربي القديم والحديث والمعاصر لإنساننا ولحركات التحرر الوطني ببلداننا. إن دراسة هذا النوع من التمثيلات المتضادة بين الشاعرين آرثر رامبو وفيكتور هيجو وغيرهم كثير تستمد أهميتها من كون هذه الشخصيات الأدبية الكبرى قد مارست ولا تزال تمارس تأثيرا قويا على تشكيل الثقافة الغربية والوعي الغربي وعلى الأجيال في شتى بلدان العالم.

أنتقل الآن إلى موقف كل من آرثر رامبو وفيكتور هيجو من الاستعمار الفرنسي ومن الأمير عبد القادر نفسه. باختصار شديد فإن شخصية الأمير عبد القادر كانت محل خلاف وتضاد، في الرؤية للتاريخ وفي الموقف من الحقيقة، بين شاعرين كبيرين معاصرين له يتمتعان بمكانة بارزة في تاريخ الأدب الفرنسي والعالمي في زمنهما وفي عصرنا معا وهما آرثر رامبو (1854 -1887)، وفيكتور هيجو ( 1802- 1885)، فما هو هذا الخلاف بين هذين الشاعرين بخصوص الأمير عبد القادر وكيف يتجسد في نصوصهما الشعرية؟

إنسانية رامبو

كما نعرف، فإن تاريخ الأدب الفرنسي وتاريخ الأدب العالمي يعتبر الشاعر آرثر رامبو صوتا متفردا في مشهد الشعر الأوروبي والعالمي معا وذلك لأنه قاد ثورة شعرية كبرى. لكن النقاد ومؤرخي الآداب لم يدرسوا باستفاضة وبشكل تطبيقي عناصر تأثير تاريخ الاستعمار، بما فيه الاستعمار الفرنسي للجزائر على تجربة رامبو الشعرية، وخاصة تأثير غياب والده البيولوجي، الذي يذكر الدارسون أنه حاول ترجمة القرآن الكريم إلى الفرنسية، وانضم إلى صفوف الإدارة الاستعمارية في الجزائر وهو في عز طفولته، على تكوينه النفسي وانتقال ذلك بشكل غير واع إلى البنية العميقة لتجربته الشعرية. كما أن الدارسين لم ينتجوا دراسات تطبيقية تكشف عن أثر البدايات الشعرية المبكرة التي كتبها هذا الشاعر باللغة اللاتينية في التأسيس للعناصر الأولية المكونة لطبقات نواة الانفجار الشعري عنده، وهو الانفجار الذي غيّر مصائر الشعر الفرنسي، وفتح مسارات جديدة استفاد منها الشعراء في العالم أيضا.

وفقا للنسخة الرسمية للترتيب الزمني لقصائد رامبو التي تضمها أعماله الكاملة باللغة الفرنسية وباللغات التي ترجمت إليها ومنها ترجمة الشاعر كاظم جهاد، فإن القصائد الأولى للشاعر آرثر رامبو كانت كالتالي: " كان الموسم ربيعا" التي كتبها وعمره 14 سنة، والثانية هي "الملاك الطفل"، والتي كتبها وهو في سن 15 سنة، والقصيدة الثالثة "يوغرطة"، والتي كتبها في السن نفسها عام 1869 وتوجته بالجائزة الأولى عن أكاديمية "دويه"، كما تسجل كذلك السيرة التاريخية الرسمية الفرنسية لهذا الشاعر. إن هذه القصيدة الثالثة تكشف عن مخزون ثقافة آرثر رامبو التاريخية الدقيقة والمفصلة، وعن موقفه الصريح المعادي للاستعمار الروماني القديم، والفرنسي الحديث، وللخيانة. إن هذا الحس التاريخي ووقائعه إنما صاغه الشاعر رامبو بتقنية فنية تشكيلية عالية تميزت بتعددية الأصوات تفضي إلى قصيدة مكتنزة، ما حوَل التاريخ إلى تجربة شعرية تستمد شاعريتها الطازجة من دراما الاحتلال. هذه القصيدة مكرسة لبطلي المقاومة الجزائرية " الملك يوغرطة" النوميدي الجزائري (112 - 104 ق.م )، والأمير عبد القادر الجزائري ( 1808 - 1883) اللذين حاربا على التوالي الاحتلال الروماني والفرنسي للجزائر، وهي المعلومات التي أشار إليها بأمانة الشاعر والناقد العراقي كاظم جهاد في مقدمة ترجمته للأعمال الكاملة للشاعر رامبو وهوامشها. إن قصيد الشاعر رامبو عن الملك الجزائري " يوغرطة" تدين كلاّ من الاحتلال الروماني والاحتلال الفرنسي للجزائر بصراحة، وبشعرية ناضجة مهدت إلى جانب قصائده المبكرة الأخرى لميلاد أسطورته الشعرية التي ترسخت في أعماله الشعرية التالية مثل "إشراقات" و"فصل في الجحيم".

المستعمر والمستعمر

في هذه القصيدة نجد ثنائية المستعمِر والمستعمَر في تضاد مفتوح: " في جبال العرب ولد طفل كبير "منذ الولادة" / فقالت النسائم الخفيفة: " هو ذا حفيد يوغرتا !…" / كان منذ قليل قد صعد إلى السماء / ذلك الذي سيصبح لبلاد العرب ولذويه يوغرتا العظيم، و إذ يظهر لوالديه المسحورين خيال يوغرتا نفسه، مرفرفا فوق الصغير، يسرد لهما حياته ويطلق نبوءته: " وطني! يا أرضا محمية بفعالي!…" في هذه القصيدة يدين الشاعر رامبو الاحتلال الروماني للجزائر وللبلدان الأخرى: " روما، وهي بالأمس وكر قطاع طرق غفيرين، خرجت من أسوارها الضيقة وانتشرت في سائر البقاع، وإليها ضمت، يا للباغية!، الأصقاع المتاخمة. / بذراعيها القويتين زنرت الكون واستعمرته./ أمم عديدة لم تشأ أن تحطم النير القاتل: أخريات رفعن السلاح وأرقن دماءً غزيرة بلا جدوى، لتحرير أوطانهن: روما المتكبرة على العوائق تلوي أعناق الشعوب عندما لا تعقد معها المدن الأحلاف…" في هذه القصيدة يدعو رامبو من خلال قناع الملك يوغرتا إلى الثورة ضد الاحتلال الفرنسي أيضا: "لكن هو ذا قاهر جديد لقائد العرب، عنيت فرنسا!…/ فإذا ما استطعت يا بنيَ أن تطوَع القدر الغاشم فستنتقم للوطن! / يا جماهير خاضعة ألا أشهري السلاح! / وفي القلوب المستعبدة لتنبعث الشجاعة القديمة! / آه فلتنهض الأسود العربية للحرب/ وبأنيابها الناقمة فلتمزق كتائب الأعداء! / و أنت يا صغير فلتكبر! وليسعف القدر جهدك! فلا يدنس الفرنسيون بعد الآن شواطئنا العربية". يختم رامبو قصيدته باستشراف مستقبل حركة التحرر الوطني الجزائرية والعربية التي ستقاوم الاحتلال الفرنسي: إن عبقرية الشواطئ العربية هي ما يتجلى لك الآن!…".

هيجو المعادي

أما الشاعر فيكتور هيجو المحسوب في التاريخ الأدبي على الأدباء التقدميين في عصره فقد دعّم الاحتلال الفرنسي للجزائر وأطلق أحقاده على الأمير عبد القادر رمز المقاومة الجزائرية، وذم نابليــون الثالث الذي أطلق سراحه ليلتحــق بتركيا أولا وليستقر أخيراً في سوريــــا حتى آخر حياتــه.

يقول فيكتور هيجو عن الأمير عبد القادر ما يناقض حقيقة الأمير عبد القادر التاريخية و نضاله: " وهو الرجل، نمر الصحراء (عبد القادر) / هو السلطان الذي ولد تحت النخيل/ رفيق الآساد الحمر/ الحاج الشرس ذو العينين الهادئتين/ الأمير المتأمل الضاري اللطيف / هو الشخص العبوس الفتاك/ الطيف الشاحب ذو البرنس الأبيض الذي ينقض وقد تعطش للتذبيح ثم يهوي ساجدا في الظلام".

12