آرمين سركسيان الرئيس الأرمني هل سيدفع ثمن دهاء ستالين أم سيمزق خرائطه؟

ناغورني قره باغ الإقليم المتنازع عليه يعدّ بنكاً غائراً في جوف الأرض، فيه البترول و الغاز ومناجم الذهب.
الخميس 2020/10/01
آرمين سركسيان عالم رياضيات يتصدى لمعادلات معقدة

أحدث تصريحات الرئيس الأرمني تظهر درجة الحرارة التي بلغتها الاشتباكات في إقليم ناغورني قره باغ المتنازع عليه ما بين أذربيجان وأرمينيا. فقد قال آرمين سركسيان موجهاً رسالة عابرة للسياسة نحو عالم أكثر تعقيداً تتخلله الأديان والحروب والمجازر والذكريات والاتهامات المتبادلة ونفيها "لن نسمح للأتراك بارتكاب إبادة جديدة بحقنا". وأضاف في كلمة وجهها إلى مؤتمر مشترك مع الناتو، عقد هذا الأسبوع إن "لكل أرمني يعيش في جميع أنحاء العالم هذا نوع من عودة للشبح.. شبح الإمبراطورية العثمانية. إن أرمينيا تواجه تهديدا إلكترونيا يوميا ليس فقط من أذربيجان ولكن أيضاً من تركيا، التي تدعمها بشكل كامل من خلال هجمات طائراتها الإلكترونية دون طيار".

لنعد إلى الوراء قليلا. حين قال سركسيان في حفل مئوية أرمينيا "إن رسالتنا اليوم واضحة. يجب أن نربح. لا يمكننا فقط بناء أرمينيا جديدة، و لكن أيضاً أرمينيا نفتخر بها جميعاً وتجعلنا نفتخر بكوننا أرمنا".  فهل أدرك الرجل حجم تحقيق ذلك في هذه الأيام وصعوبته؟ لم يفصح عما قصده بقوله يجب أن نربح، وهي المفردة حمالة الأوجه، بالتنمية أم ببناء المجتمع أم بالحرب؟ السؤال الذي يفرض نفسه على سركسيان قبل غيره؛ هل ما قاله في تلك الاحتفالية كان وفق حسابات عالم الفيزياء والرياضيات مقدمة لما يحدث اليوم في ذاك الإقليم الذي رأى البعض في صناعته أو خلقه دهاء من الزعيم السوفييتي الأسبق جوزيف ستالين؟

قرر ستالين عام 1923 ضم إقليم ناغورني قره باغ الذي يقع جغرافيا في أذربيجان إلى جمهورية أرمينيا، وضم ناختشيفان التي تقع جغرافيا في أرمينيا إلى أذربيجان، وهو ما يدفع البلدان ثمنه اليوم ضمن لعبة تقاطعات المصالح المحلية والدولية.

قد يكون ما عناه سركسيان في اتجاه آخر، إلا أن الرياح عاكست سير سفينته وأبحرت في اتجاهات لم يكن يتمنى رجل الأعمال أن تبحر فيها، وهو القادم على أمل أن يجعل أرمينيا، بنخبها وشعبها، تفتخر به كونه يدرك بعملية حسابية بسيطة ما يمكن أن تجلبه الحرب من خسارة لم يعتد عليها في عمله قبل أن ينتقل إلى ضفة العمل السياسي. وهل كان ستالين هو الآخر على دراية بأن خطوته هذه ستقود إلى صراع  ستظل ناره  راكدة تحت الرماد لحين أن يأتي بين الحين والآخر من ينكش فيه، ويضع الحطب مجدداً ليؤجج هذه النار التي وإن كان قد وجد من يخمدها ولكن، لم يوجد حتى اللحظة من يطفئها ويزيل رمادها إلى أبد الأبدين، وما يشهده هذا الإقليم من معارك، منذ أيام شغلت العالم من أقصاه إلى أقصاه خير دليل.

عالم ورئيس ورجل أعمال

سركسيان من مقعد الأستاذ الجامعي إلى كبار رجال الأعمال إلى السياسة
سركسيان من مقعد الأستاذ الجامعي إلى كبار رجال الأعمال إلى السياسة 

الأعباء التي ألقيت على كاهل سركسيان تبرز صعوبة أن تتقمص أكثر من شخصية خلال مسار حياتك، وتحّمل نفسك عبء خياراتك الصعبة وتبعاتها، وبذلك تحير ويحتار بك متابعك، لاسيما وأن تلك المسيرة  شهدت نقلات نوعية من اتجاه إلى آخر مغاير أو قفزات من ضفة إلى أخرى، فتقودك الأقدار إلى حيث لا تشاء، وهذا ما حصل ويحصل في العقود الأخيرة، إذ درجت العادة أن يقتحم علماء الطب والهندسة والفيزياء وأمثالهم معترك السياسية والخوض في مساربها وتعقيداتها وألاعيبها، والأكاديمي سركسيان المتخصص بالفيزياء والرياضيات والمولود في يريفان العام 1953 مثال على ذلك وهو المواطن لثلاث دول هي الاتحاد السوفييتي بحكم ولادته في فترة كانت فيه بلاده تعد من ضمن جمهوريات الاتحاد، ومن ثم أرمينيا التي انفصلت عنه، وأيضاً الولايات المتحدة الأميركية التي هاجر إليها وعمل فيها وعاد بعدها إلى موطنه الأصلي.

انتقل سركسيان من مقعد الأستاذ الجامعي ليصبح بعدها من كبار رجال الأعمال حتى خطفته السياسة ودخل معترك العمل الدبلوماسي من أوسع أبوابه، ليتولى رئاسة مجلس وزراء أرمينيا خلال الفترة أواسط تسعينات القرن العشرين، ولينتخب رئيساً لأرمينيا في مارس العام 2018، وهي الرئاسة الرمزية إلى حد كبير وفقا للدستور الذي عدّل مؤخراً لتصبح السلطات الأوسع بأيدي رئيس الوزراء والبرلمان. لكن الحرب والخطر الخارجي يجعلان من الجميع في البلاد في حالة تأهب.

نقطة ملتهبة

يقع إقليم ناغورني قرة باغ في منطقة غاية في الأهمية، أولاً بحكم موقعه الاستراتيجي وقربه من بحر قزوين، وثانياً لكونه في عمق الخاصرة الأذرية بمثابة جيب ممتد في الجزء الغربي من تلك الجمهورية، وعلى بعد نحو 270 كيلومترا من عاصمتها باكو.

 وتقدر مساحة هذا الإقليم بنحو 15 بالمئة من مساحة أذربيجان، وقدره أنه يتموضع وسط أربع قوى تتصارع في الإقليم وهي إيران من الجنوب وروسيا وجورجيا من الشمال وتركيا من الجنوب الغربي، إلى جانب تنافس جميع الدول الكبرى على الفوز بتلك الكعكة أو على الأقل احتواؤها، فأميركا تنافس روسيا، وإيران تنافس تركيا، بالإضافة إلى اللاعبين الأساسيين الأرمن والأذريين.

قرار الزعيم السوفييتي الأسبق جوزيف ستالين عام 1923 بضم إقليم ناغورني قره باغ الذي يقع جغرافيا في أذربيجان إلى جمهورية أرمينيا، وضم منطقة ناختشيفان التي تقع جغرافيا في أرمينيا إلى أذربيجان، قرار يدفع البلدان ثمنه اليوم ضمن لعبة تقاطعات المصالح المحلية والدولية

ويعتبر الإقليم بنكاً غائراً في جوف الأرض، كالبترول والغاز ومناجم الذهب، ولاسمه عدة شروحات حسب ثقافة كل دولة، فناغورني تعني باللغة الروسية المرتفعات الجبلية، وقره باغ تعني باللغة التركية الحديقة السوداء. والأرمن الذين يعيشون في الإقليم يطلقون عليها اسم "آرتساخ" وتعني باللغة الأرمنية غابة أو كرمة الإله "آرا"، أما الأذريون فيعرفونه باسم "يوخاري قره باغ" أي الحدائق العالية.

صراع هويات ومصالح

إستيبانا كيرت عاصمة الإقليم مدينة تتربع على قمة جبلية، وقد أُنشئت بعد الثورة البلشفية في أكتوبر 1917، على موقع قرية خان كندي، واستبدل اسمها إلى "إستبانا كيرت" تيمنا بالزعيم الشيوعي البلشفي إستبانا شاهوميان الذي يتوسط تمثاله ميدانا رئيسيا في المدينة ويحمل اسمه. وطبقا لإحصاء أجرته السلطات الأرمينية فقد بلغ عدد سكان الإقليم ما يفوق 148 ألف نسمة، وتشير تقديرات إلى أن نسبة الأرمن من السكان تمثل 95 في المئة والباقي من أعراق أخرى تعيش مختلطة مع بعضها البعض.

وقد أدى الصراع حول ناغورني قره باغ إلى توترات إقليمية تمتد إلى أكثر من 40 عاما، حتى ما قبل انهيار الاتحاد السوفييتي بأكثر من أربع سنوات، حيث اعتمدت أذربيجان ولا تزال على دعم تركيا التي يرى رئيسها رجب طيب أردوغان في أرمينيا تهديدا لاستقرار القوقاز. أما أرمينيا فهي أضعف وأقرب إلى روسيا التي لها فيها قاعدة عسكرية، وتضمها معها في تحالف عسكري تقوده موسكو التي تورّد الأسلحة للطرفين، إلا أن الكرملين نجح منذ عقود في كبح إمكانية قيام حرب مفتوحة.

كلا الطرفين يلقي اللوم على الآخر في تصعيد التوتر، الأرمن أعلنوا أن أذربيجان شنت هجوما على ناغورني قره باغ، في حين أعلنت وزارة الدفاع الأذرية أنها شنت هجوما مضادا عبر خط المواجهة، لوضع حد للأنشطة المسلحة الأرمنية بحسب تعبيرها. ويقول الأذريون "إن الجيش الأذري يقاتل الآن على أراضيه، مدافعا عن سلامته الإقليمية، محملا العدو ضربات مدمرة. وقال الرئيس الأذري إلهام علييف "إن قضيتنا محقة وسننتصر" بحسب تعبيره.

قدر إقليم ناغورني قره باغ أنه يتموضع وسط أربع قوى تتصارع في الإقليم وهي إيران من الجنوب وروسيا وجورجيا من الشمال وتركيا من الجنوب الغربي، إلى جانب تنافس جميع الدول الكبرى على الفوز بتلك الكعكة أو على الأقل احتواؤها
قدر إقليم ناغورني قره باغ أنه يتموضع وسط أربع قوى تتصارع في الإقليم وهي إيران من الجنوب وروسيا وجورجيا من الشمال وتركيا من الجنوب الغربي، إلى جانب تنافس جميع الدول الكبرى على الفوز بتلك الكعكة أو على الأقل احتواؤها

وفي وقت لاحق أعلنت السلطات الأذرية الأحكام العرفية في البلد، وحظر تجول جزئي في باكو وعدة مدن رئيسية. وفور انتشار أخبار المعارك أعلن رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان التعبئة العامة وتطبيق الأحكام العرفية، وقال "لندعم بقوة جيشنا ودولتنا، يعيش الجيش الأرمني المجيد، إن النظام الأذري الاستبدادي أعلن مرة أخرى الحرب على الشعب الأرمني".

وأكد أن باكو ويريفان على شفير حرب كبرى يمكن أن تترتب عليها عواقب غير متوقعة. وقد أعربت فرنسا عن قلقها العميق من الاشتباكات التي جرت في الإقليم ودعت الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية واستئناف الحوار.

من جانبه قال رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل "إن المعلومات حول الأعمال العدائية في الإقليم مصدر مخاوف خطرة. يجب أن تتوقف الأعمال العسكرية على وجه السرعة لمنع تصاعد العنف، والعودة إلى المفاوضات دون شروط مسبقة".

أما وزير الدفاع التركي فقد أكد أن بلاده ستدعم أذربيجان بكل الوسائل، ودعا أرمينيا إلى وقف العدوان بحسب تعبيره ، بعد المعارك العنيفة. وقال خلوصي أكار "سندعم الأشقاء الأذريين بكل الوسائل في نضالهم من أجل حماية وحدة أراضيهم. بدورها دعت موسكو إلى وقف إطلاق النار وإجراء محادثات".  وبدأ العالم بالتدخل المتتالي في أزمة الإقليم المستجدة، وطالب مجلس الأمن في بيان بإجماع أعضائه بـ"وقف فوري للمعارك"، وقال أعضاء المجلس في البيان إنّهم يعبّرون عن "دعمهم لدعوة الأمين العام الجانبين لوقف القتال على الفور، وتهدئة التوتّرات والعودة دون تأخير إلى مفاوضات بناءة".

الصراع على ناغورني قره باغ يخلق توترات إقليمية امتدت إلى أكثر من 40 عاما
الصراع على ناغورني قره باغ يخلق توترات إقليمية امتدت إلى أكثر من 40 عاما

وأطل الأميركيون من وسط انشغالهم بالانتخابات الرئاسية المستعرة ليطالبوا على لسان وزير الخارجية مايك بومبيو بالتهدئة ووقف الأعمال العدائية.

هناك من يرى أن هذا الصراع بين البلدين قد يؤدي إلى تدخل قوى كبرى متنافسة في المنطقة كتركيا وروسيا.

وتبقى الأسئلة مفتوحة ومشرعة حول القدر الذي وضع فيه الرئيس الأرمني آرمين سركسيان، في ظل هذا الصراع الذي اندلع مجدداً من دون معرفة نهايته حتى كتابة هذه السطور، فهل سيقبل بخسارة هذا الإقليم في عهده؟ وهو الذي وعد الأرمن بالربح، أم أنه سيذهب إلى صفقة مع اللاعب الدولي ليحمي على الأقل وعده؟ قادم الأيام كفيل بالإجابة عن مآلات هذه الشخصية البراغماتية التي ساقتها الأقدار إلى عالم السياسة واختطفتها من عالم "البزنس" قبل أن تختطفها من العالم الأكاديمي.

12