آرمين لاشيت خليفة أنجيلا ميركل و"الخبر السيء" لليمين

قيادة ألمانيا أم قيادة أوروبا في عالم جديد؟
الثلاثاء 2021/01/19
هل يكون لاشيت امتدادا للملهمة ميركل؟

كثرت التخمينات والتنبؤات التي طرحها الإعلام والمحللون السياسيون في ألمانيا والعالم حول الخيارات السياسية التي سيتبعها آرمين لاشيت، رجل ولاية شمال الراين الأول، الذي خلف المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على زعامة حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي قبل أيام، وسيحدث للمرة الأولى منذ العام 2000 أنه لن تكون هناك امرأة رئيسة لهذا الحزب. مع أن أنيغريت كرامب كارينباور كانت الخليفة المتوقع لميركل حين تولت رئاسة الحزب في 2018 لكنها استقالت بعد فشلها في بسط نفوذها على أنصاره. البعض ذهب إلى أن لاشيت سيكون امتدادا وفيا للملهمة ميركل، التي حكمت ألمانيا منذ خريف العام 2005 وتولت قيادة حزبها لأكثر من 18 عاما. غير أن نهج ميركل لم يكن مفروشا بالورود طيلة الوقت. فقد عصفت بها رياح سياسية عديدة ومختلفة، داخليا وخارجيا، كانت مقاربات السيدة القوية لها بطرق شتى، بين اللين والحزم والحنكة السياسية الرفيعة. وكان ما تريده ميركل هو ما يحدث في نهاية المطاف. ولا أحد يعرف إن كان لاشيت يمتلك الأدوات ذاتها التي سخرتها ميركل لتفعل ذلك، فهي في النهاية طراز فريد وامرأة قادمة من شرق ألمانيا في مهمة صعبة؛ إقناع الألمان أولا ودول أوروبا والعالم ثانيا بما تطرحه.

لاشيت ابن مدينة آخن العريقة في ولاية شمال الراين، ومن لا يعرف دلالة ذلك في الوعي الجمعي الأوروبي، عليه أن يتذكر أن آخن كانت عاصمة أوروبا القديمة أيام الملك شارلمان الذي يقول لاشيت إنه معجب به، كما أنه يحتفظ على مكتبه بتمثال ذهبي للملك الشهير واصفاً إياه بأنه "والد أوروبا"

وفيما اعتبر آخرون أن لاشيت سيكون الممحاة التي تسير على طول ميركل، لتعيد ترتيب الأمور بعيدا عن سياستها التي عدّها الكثير من دهاقنة السياسة في ألمانيا، مغامِرة وجريئة وغير محسوبة، يبقى الجواب عند لاشيت وحده. فهو أيضا صاحب إرث غير قليل من المواقف والحضور السياسي الفاعل والمؤثر.

إلا أنه في كل الحالات وحسبما عبّر حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني فإن فوز لاشيت هو “خبر سيء لألمانيا”، وأضاف ممثلو الحزب دون أن يسيطروا على انزعاجهم من وصول الرجل إلى موقعه الجديد بقولهم إنهم يواصلون “إنتاج أمثال لميركل”.

يوصف لاشيت بأنه ليبرالي ومحافظ ومعتدل في الوقت ذاته، وهو مثل كثيرين غيره في عالم السياسة اليوم، فاز برئاسة حزبه بنسبة غير كبيرة، ضد المرشح المحافظ فريدريش ميرز بأغلبية 521 صوتا مقابل 466، من مجموع أصوات مندوبي الحزب البالغ عددهم 1001، الأمر ذاته حصل في الولايات المتحدة وفي العديد من الدول في عصر الديمقراطية التي تكاد تلفظ أنفاسها من دون تجديد، ووسط صعود لليمين والشعبوية وتهشيم لرموز مقدّسة لن يكون آخرها هيبة الكونغرس لأميركي كما رأينا خلال الأسابيع الماضية.

فعل كل شيء

رئيس المفوضية الأوروبية يقترح لاشيت أن يكون منتخبا مباشرة من قبل الناخبين الأوروبيين، وهو يرى أن التعاون الأوروبي ضمن مؤسسات الاتحاد يجب أن ينصب على ملفات مثل مكافحة الإرهاب الدولي والجريمة المنظمة، والاهتمام بسياسة الطاقة
رئيس المفوضية الأوروبية يقترح لاشيت أن يكون منتخبا مباشرة من قبل الناخبين الأوروبيين، وهو يرى أن التعاون الأوروبي ضمن مؤسسات الاتحاد يجب أن ينصب على ملفات مثل مكافحة الإرهاب الدولي والجريمة المنظمة، والاهتمام بسياسة الطاقة

تلك هي العبارة التي استعملها لاشيت في لحظة فوزه بزعامة الحزب، ومنها يمكن قراءة أولى خططه. قال لاشيت في ذلك الخطاب إنه مستعدّ لفعل كل شيء حتى يؤدي الحزب بشكل جيد في الانتخابات القادمة من أجل الاحتفاظ بمنصب المستشار.

و”كل شيء” تلك تعيدنا إلى الشعبوية، وإلى البراغماتية والانتهازية السياسية التي لم تكن من أفضل الأطباق على مائدة ميركل. لاشيت ابن مدينة آخن العريقة في ولاية شمال الراين، كاثوليكي من أصول بلجيكية، ومن لا يعرف دلالة ذلك في الوعي الجمعي الأوروبي، عليه أن يتذكر أن آخن كانت عاصمة أوروبا القديمة أيام الملك شارلمان، وكان يطلق عليها الاسم القديم “أكويس غرانا”. وبقيت منذ ذلك الحين بعد أن صعدت حواضر أوروبية عديدة، تحتفظ بمكانة خاصة لدى الجميع. وفيها ولد لاشيت في العام 1961 ودرس القانون وعمل محاميا وصحافيا. ويقول لاشيت إنه معجب بشارلمان الذي يصفه بأنه “والد أوروبا” وهو يحتفظ على مكتبه بتمثال ذهبي للملك الشهير.

لاشيت يصف فوز بايدن وهزيمة ترامب بـ”انتصار الديمقراطية”، ويطرح إبقاء اليد ممدودة نحو واشنطن، في قضايا المناخ والاقتصاد

غير أن الصحافي الحقوقي سرعان ما اتجه نحو السياسة، وانتخب نائبا منذ أواسط التسعينات في البرلمان الفيدرالي الألماني ثم في البرلمان الأوروبي. وأصبح رئيس وزراء شمال الراين بعد أن فاز حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي عام 2017 في الانتخابات الإقليمية في الولاية. وفي ذلك الموقع تبينت أكثر استراتيجية ميركل في تطبيق سياساتها، بحيث إنها كانت تعتمد على رجال من طراز لاشيت أكثر مرونة وأكثر قدرة على اللعب السياسي، بينما تحتفظ هي بالثبات على مواقفها دون تراجع. ولاسيما في ملف مئات آلاف اللاجئين الذين وصلوا إلى ألمانيا في العام 2015. دافع لاشيت عن موقف ميركل، رغم ميله نحو فكرة الاتحاد الأوروبي وضرورة صيانة هوية أوروبا، لكنه أيضا تمتع بعلاقات قوية مع المهاجرين. حتى أن خصومه وصفوه بـ”آرمين التركي” ولاسيما حين رفض حظر “النقاب”، واستهزأ بالسياسيين الذين اقترحوا ذلك آنذاك.

تبدو رؤية لاشيت الأقرب إلى ما يتصوره الألمان لموقعهم كقلب لأوروبا الآن، بعد خروج بريطانيا الدرامي من الاتحاد، وبعد الطريقة اللينة التي يدير بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دور فرنسا في قيادة العالم القديم الجديد “القارة العجوز”. أما لاشيت الذي عبّر عن سعادته بما سماه “انتصار الديمقراطية” في واشنطن بفوز جو بايدن وهزيمة دونالد ترامب، فيطرح إبقاء اليد ممدودة نحو الولايات المتحدة، وخاصة في قضايا المناخ والاقتصاد. مع ضرورة التركيز على الاتحاد الأوروبي الذي يقترح لاشيت أن يكون رئيس المفوضية الأوروبية التابعة منتخبا مباشرة من قبل الناخبين الأوروبيين، إضافة إلى تركيزه على تطوير العلاقات مع الشريك الفرنسي الذي يحتفظ هو شخصيا بصلات وثيقة معه خاصة حين شغل منصب ممثل بلاده للعلاقات الثقافية الفرنسية الألمانية. والتعاون الأوروبي ضمن مؤسسات الاتحاد يرى لاشيت أنه يجب أن ينصب على ملفات مثل مكافحة الإرهاب الدولي والجريمة المنظمة، والاهتمام بسياسة الطاقة.

اختبار الوباء والاقتصاد

 الألمان لم يحسموا خياراتهم بعدُ حول لاشيت، فنسبة 55 في المئة منهم وحتى  80 في المئة من أنصار الحزب المسيحي الديمقراطي تميل نحو غيره
 الألمان لم يحسموا خياراتهم بعدُ حول لاشيت، فنسبة 55 في المئة منهم وحتى 80 في المئة من أنصار الحزب المسيحي الديمقراطي تميل نحو غيره

من يقرأ تعليقات “دير شبيغل” الألمانية سيجد كم يحاول محرروها التعبير ما بوسعهم عن التعقيد الذي يمثله فوز لاشيت. فقد كتبت المطبوعة الشهيرة إنه “يجب عدم التقليل من شأن لاشيت في السباق نحو منصب المستشارية”، وفي الوقت الذي شبهته فيه بالمستشار الألماني الأسبق هلموت كول، لم تنس أن تضيف إلى صفاته أنه “ليس سياسيا مثيرا للاهتمام”. أما موقع “دويتشه فيليه” فكتب تحت عنوان “الألمان يريدون شخصا آخر” إن ما نسبته 55 في المئة منهم وحتى 80 في المئة من أنصار الحزب المسيحي الديمقراطي تميل نحو مرشح آخر، غير لاشيت، ليكون مستشارا بعد ميركل التي تبدو وراثتها ليست بالأمر الهيّن، إذ لا يزال الألمان غير حاسمين في هذا الشأن، وسيجري اختيار مرشح اليمين ويمين الوسط للمستشارية في ربيع هذا العام.

رؤية لاشيت تبدو الأقرب إلى ما يتصوره الألمان لموقعهم كقلب لأوروبا الآن، بعد خروج بريطانيا الدرامي من الاتحاد، وبعد الطريقة اللينة التي يدير بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دور فرنسا في قيادة العالم القديم الجديد "القارة العجوز"

ولاية شمال الراين من أكبر الولايات الألمانية من حيث عدد السكان، علاوة على كونها الملاذ الأفضل للمهاجرين، المتصلين مع الخارج بشكل مستمر، ولهذا كان خطر انتشار وباء كورونا فيها أكبر من غيرها. مع أن السلطات المحلية اتخذت الإجراءات التصعيدية تارة والتخفيفية تارة أخرى للتمكن من تطويق الفايروس. دور لاشيت كان بارزا في تلك الحرب. إلا أنه واجه مثل غيره أيضا من سياسيي العالم، مشكلة التوقعات حول ما الذي يجب فعله في المرحلة القادمة للتصدي لكوفيد – 19 حين رفض في البداية التدابير التقييدية الصارمة قبل أن يتراجع ويفرض أول إجراءات محلية في البلاد، ثم ليعود ويقترح، قبل عدة شهور، تخفيف القيود والإغلاق منعا لتدهور الاقتصاد الألماني. وبالطبع لم يعتبره الشارع الألماني في ولايته محقا، في ظل ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات.

ويجد مراقبون أن لاشيت حسبما وصفته صحيفة “سود دويتشه تسايتونغ” كثير التردّد، ويتصرف أحيانا بلا تفكير، الأمر الذي يثير قلق هؤلاء من قدرته على السير بمركبة العملاق الاقتصادي الألماني الذي ينادي لاشيت بإنقاذه.

13