آسيا جبار.. المتمردة بالقلم والكلمة، صوت المرأة الجزائرية والعربية

الأحد 2013/11/10
أكتب ضد الموت، ضد النسيان

الكتابة بمختلف أجناسها تعد تمثّلا ثقافيا للمجتمع، ﻳﻌﻜﺲ ﺑﻨﻴﺘﻪ وﻳﺼﻮغ أحلامه وانكساراته وﻋﻼﻗﺘﻪ ﻣﻊ اﻵﺧﺮ ﺑﻤﺨﺘﻠﻒ ﺗﺠﻠﻴﺎﺗﻬﺎ، من هذا المنطلق يعتبر الكاتب المرآة العاكسة لمجتمعه وتقع على عاتقه مسؤولية إخراج صورته للآخر، في هذا السياق تنخرط تجربة الكاتبة والروائية الجزائرية آسيا جبار.

الروائية آسيا جبار أول أستاذة جامعية في الجزائر، ما بعد الاستقلال، في قسم التاريخ والآداب، وأول إمرأة جزائرية تنتسب إلى دار المعلمين بباريس عام 1955، وأول كاتبة عربية تفوز بجائزة السلام -التي تمنحها جمعية الناشرين وأصحاب المكتبات الألمانية - عام 2002، وفي يونيو 2005 انتخبت بين أعضاء الأكاديمية الفرنسية لتصبح أول عربية وخامس إمرأة تدخل الأكاديمية.

وفي بداية الثمانينات قررت العودة للإقامة بباريس بعد أن أدركت تصاعد "العنف المبيّت" ضد النساء الذي صاحب موجة النزاع الدامي بين الأمن والإسلاميين المتطرفين، وما فتئت هذه الروائية جزائرية الأصل تسجل حضورها باستمرار في المشهد الثقافي الفرنسي، من خلال مؤلفاتها العديدة ومن خلال السجالات التي فجرتها فيما يخص القضايا التي تؤمن بها ومنها قضية الهوية والاستعمار والمرأة.

كتاباتها باللغة الفرنسية، والتي هي أداة إبداعها، لم تجعلها تبتعد عن القضايا الجزائرية التي تملأ ضميرها والتي تتعلق بالجانب الاجتماعي والإنساني للمواطن الجزائري، وهي ما تلبث تسلط الضوء في رواياتها على تفاصيل ونضالات المرأة الجزائرية في حياتها اليومية بحلوها ومرها، وهي تطرح ذلك في سياق أشمل يضم القضايا الإنسانية عموما ومنها إشكاليات التحرر والاستقلال والثقافة واللغة والانتماء.


"لا مكان في بيتي أبي"

ومن منظور عاطفي نفسي تروي لنا جبار في كتابها "لا مكان في بيت أبي" قصة فتاة تعيش في الجزائر العاصمة، تخرج من الثانوية وتتابع دروسها وتتجول في الشوارع فرِحَةً بما ترى، غير أنّ هذه الحياة العذبة جاءت قبل عام واحد من انفجار كبير هزّ البلد بأكمله، حيث تقول الكاتبة بنفس شعري:"أكتب ضدّ الموت، أكتب ضدّ النسيان، أكتب على أمل أن أترك أثرا ما، ظلا، نقشاً في الرمل المتحرّك، في الرماد الذي يطير وفي الصحراء التي تصعد..".

ويرى الأدباء والنقاد المتابعون لكتابات آسيا جبار أن نصوصها لا تخلو من الطابع الإنساني المتوفر بكثافة في مختلف الأشكال الأدبية التي كتبت فيها من مقالات صحفية ورواية ومسرح وأفلام وثائقية؛ نذكر منها فيلم "نوبة نساء جبل شنوة"عام 1978، الذي طرح سؤالا جريئا بكل قسوة وقوة: من الذي دفع ثمن ثورة المليون شهيد بالجزائر؟ وقد لقي نجاحا رغم أنه يعد أول تجاربها السينمائية، وحاز على جائزة النقد العالمي في مهرجان البندقية للعام 1979، وفيلم "زردة أو أغاني النسيان" عام 1982 الذي نال جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان برلين السينمائي.

وتحب آسيا جبار المولودة في 30 يونيو 1936 بمدينة شرشال، غرب الجزائر، أن تدعى باسمها الحقيقي وهو فاطمة الزهراء الملايان، معربة بذلك عن اعتزازها بأصلها ونشأتها.

ففي طفولتها تلقت دراسة دينية في المدرسة القرآنية بمدينتها ثم التحقت بالمدرسة الابتدائية الفرنسية، وكان والدها معلما لذلك شجعها ودفعها لمواصلة تحصيلها العلمي وهي تصفه "بالرجل الذي يؤمن بالحداثة والانفتاح والحرية"، بعد ذلك انتقلت إلى فرنسا لتتابع تعليمها.

خاضت الكتابة الأدبية والمسرحية والإخراج السينمائي بنجاح، فنشرت أول أعمالها الروائية عام 1953 وهي لم تبلغ العشرين عاما بعد، وكانت بعنوان "الظمأ"، ثم رواية "نافذة الصبر" عام 1957، وقد ركزت في أغلب رواياتها وأفلامها على الشخصيات النسائية المكافحة أو المناضلة في سبيل التحرير فمزجت بين الذاكرة والتاريخ، منها رواية "نساء الجزائر" ورواية "ظل السلطانة" ثم "الحب والفنتازيا" ورواية "بعيداً عن المدينة" و"شاسع هو السجن".


الكتابة عن الموت

وأثناء الحرب الأهلية الدائرة في الجزائر لم تزر بلادها إلا أثناء تشييع جنازة والدها، ورغم ذلك عاشت بأحاسيسها وبكتابتها هذه الحرب وكتبت عن الموت أعمالا روائية أخرى منها: "الجزائر البيضاء" و"وهران.. لغة ميتة"، وبعيدا عن مناخات الحرب كتبت رواية "ليالي ستراسبورغ"، التي تلامس الخيال والعاطفة والعالم الرومانسي.

وبعد استقلال الجزائر امتهنت التدريس فدرّست مادة التاريخ في جامعة الجزائر العاصمة وعملت في جريدة "المجاهد"، وكانت معظم أعمالها تهتم بالمعضلات والمصاعب التي تواجه المرأة. وتعتبر الروائية جبار أشهر روائيات الجزائر ومن أشهرهن في شمال أفريقيا، وعملت آسيا جبار منذ عام 1997 مديرة في "مركز الدراسات الفرنسية" في جامعة لويزيانا.

وفي شهر يونيو 2005 انتخبت عضوة في أكاديمية اللغة الفرنسية التي يطلق عليها اسم "مؤسسة الخالدين" بصفتها روائية جزائرية تكتب باللغة الفرنسية، وبذلك مثّلت أول شخصية عربية ومغاربية تصل لهذا المنصب، وهي حاليا أستاذة في الأدب الفرنكفوني بجامعة نيويورك، وقد رشحت لنيل جائزة نوبل للآداب لعام 2009 ولهذه السنة.

أشهر كتاباتها


ومن بين أشهر كتاباتها روايتها "الملكة المستترة " الصادرة عام 1990، وهي المرحلة التي دخلت الجزائر فيها مرحلة سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة، وتحدثت فيها عن نساء الطبقة الوسطى والغنية وتصور لنا إمرأتين تحاولان التخلص من القيود الاجتماعية التقليدية، وفي روايتها "بياض الجزائر" الصادرة عام 1996، بكت آسيا جبار أصدقاءها المثقفين الذين اغتيلوا في العشرية السوداء بالجزائر.

وتتسم كتاباتها، التي ترجمت أغلبها إلى عدة لغات منها العربية، بالحداثة في الأسلوب والمضمون على الرغم من تمسكها بالتقاليد العريقة للمجتمع الذي تنحدر منه، والتي تعرضها بأسلوب روائي فني خاص بصفتها أستاذة في التاريخ، فغالبا ما تسلط الأضواء على التقاليد التي تتوارثها النساء وعلى الموروث الثقافي لبلادها دون أن تنتمي أعمالها إلى صنف الرواية التاريخية.

وبالنظر في جل أعمالها يصفها البعض بكاتبة الحرية وهو ما أتاح لها فرصة نقش إسمها في سجلّ الرواية وفرض وجودها في السينما .

وفازت الروائية الجزائرية عام 2002 بجائزة السلام خلال معرض فرانكفورت التي تمنحها ألمانيا تكريماً للأدباء الكبار، تتويجاً لمسيرتها الإبداعية والنضالية، واعترافاً بموقعها في حركة الأدب العالمي، وليست هذه الجائزة هي الوحيدة التي حازتها جبار، فالجوائز العالمية التي نالتها كثيرة، بالإضافة إلى حفلات التكريم التي أقيمت لها في دول عدة مثل كندا وإيطاليا والولايات المتحدة والنمسا وبلجيكا.. لكن حضورها على الساحة الأدبية العربية ظل محتشما. ويقيّم النقاد حضور المرأة (الريفية، الفقيرة، الموظفة، الطالبة، ربة البيت..) في كتابات جبار كإنسان وكائن، وكضحية اجتماعية جلادها الرجل والسلطة والمجتمع.. والرجل بدوره يحضر كإنسان وإن كان متسلطاً، وسلطته لا تقتصر على المرأة (زوجة أو ابنة أو أختا..) وإنما على بيئته ومجتمعه، لذلك فنضال آسيا جبار في سبيل تحرير المرأة الجزائرية والمغاربية والعربية هو نضال إنساني يوازيه نضالها من أجل السلام والعدالة والحق.

وغالبا ما يطلق عليها الحقوقيون والكتاب الصوت الناطق باسم المرأة الضعيفة الخاضعة للقيود، وأيضا المتمردة الناعمة التي تحقق أهدافها عبر الكلمات التي تحملها صفحات رواياتها.

"لا شك أن آسيا جبار أهمّ امرأة كاتبة في المغرب العربي"، هكذا قال عنها الكاتب والصحفي الجزائري طاهر جاعوت، وعن كفاحها ضد المجتمع الذكوري المهيمن تقول آسيا: "الكتابة أرجعتني إلى صرخات النساء الثائرات في صمت، إلى أصلي الوحيد، الكتابة لا تقتل الصوت بل توقظه، وتوقظ على الخصوص أخواتٍ عديدات تائهات..".

20