آسيا على موعد مع التاريخ وتترقب حفل الافتتاح الأسطوري

الجمعة 2014/09/19
مدينة إينشيون الكورية الجنوبية قبلة رياضيي العالم

إينشيون - يقص رسميا، اليوم الجمعة، بمدينة إينشيون الكورية الجنوبية شريط بداية دورة الألعاب الآسيوية السابعة عشرة (آسياد 2014) والتي تستمر حتى 4 أكتوبر. ويشارك في هذه الدورة 13 ألفا من الرياضيين والرسميين -وهو رقم مشابه للدورات الأولمبية- يمثلون 45 دولة، ويغطي أحداثه نحو 10 آلاف إعلامي.

يصل عدد المشاركين في هذا الحدث الرياضي إلى 30 ألف شخص يسهر على أمنهم أكثر من 6800 شرطي. وتعتبر إينشيون ثالث مدينة كورية جنوبية تحتضن “الأولمبياد” الآسيوي بعد سيول (1986) وبوسان (2002)، وفازت بشرف الاستضافة في 17 أبريل 2007 بحصولها على 32 صوتا مقابل 13 للعاصمة الهندية نيودلهي.

ويبلغ عدد الرياضات في هذا العرس الرياضي القاري 36 لعبة منها 28 رياضة أولمبية، ويتضمن مجموعها 439 سباقا ومسابقة وهو عدد الميداليات الذهبية التي ستوزع على الفائزين أي بنقصان 38 ميدالية عن دورة غوانغجو الصينية عام 2010 والتي كانت تضم عددا أكبر من الألعاب (42 لعبة).

واختارت اللجنة المنظمة للألعاب شعارا معبّرا هو عبارة عن شمس تشع خيوطا زرقاء وخضراء على شكل ابتسامة وكتب إلى جانبه “التنوع يشع هنا”، ويعني فيما يعنيه التنوع الرائع في تاريخ وثقافات وأديان القارة. وتشكلت التعويذة من 3 فقمات تدور وتلتف حول بعضها واحدة باللون الأزرق والثانية بالوردي والثالثة بالبني وتدعى بارامي وفيشوون وتشومورو، وهي تعني الدوران والرقص والنور وترمز حسب المصمّمين إلى السلام المستقبلي بين الكوريتين الجنوبية والشمالية. واستثمرت الحكومة الكورية الجنوبية نحو 2 مليار دولار لإقامة الألعاب أنفق منها 1.39 مليار على المنشآت والمواقع الرياضية والبنى التحتية على مدى 7 سنوات، أهمّها الملعب الرئيسي الذي يتسع لنحو 61 ألف شخص وسيحتضن حفلي الافتتاح والاختتام وبعض الألعاب.

وقررت كوريا الشمالية إرسال وفد من 276 إداريا ومدربا ورياضيا، لكنها آثرت عدم إرسال جوقات الطرب والرقص المرافقة التي غالبا ما تلفت الأنظار بما تؤديه من فقرات فنية وتساهم في زيادة الحضور الجماهيري. وأثار هذا القرار حفيظة جارتها الجنوبية التي نددت به معتبرة أنه اتخذ من جانب واحد، علما وأن الدولة المنظمة وافقت على دخول هؤلاء إلى أراضيها وخففت من الإجراءات التي تقيّد تحركاتهم لأنها تخشى على الألعاب من قلة الحضور على غرار ما حدث في دورتي سيول وبوسان، وهي وضعت المجلس الأولمبي الآسيوي المسؤول عن إقامة الألعاب في صورة هذا الواقع مسبقا. وبعد وصول طلائع الوفد الكوري الشمالي إلى سيول، أعلنت اللجنة المنظمة أنها أزالت جميع أعلام الدول المشاركة من الشوارع القريبة من أماكن المنافسات تجنّبا لاحتجاجات ضد الجار الشمالي.

وبالفعل لا تدل الأجواء على صورة بلد يستعد لتنظيم دورة بهذا المستوى، وخلت الشعارات ووسائل الدعاية المفترض أن تنتشر بكثافة بدءا من المطار، أول مكان تطأه الأقدام، واقتصر تواجدها على بعض المناطق المحدودة. وتشارك كوريا الشمالية للمرة الأولى في دورة رياضية تقام في جارتها الجنوبية بعد مقاطعة لعشرة أعوام بسبب النزاع السياسي بين البلدين. ويبلغ عدد سكان كوريا الجنوبية نحو 50 مليون نسمة مقابل 25 مليون في جارتها الشمالية، و127 مليون في اليابان التي احتكرت صدارة جدول الميداليات في الدورات الثماني الأولى من نيودلهي 1951 إلى بانكوك 1978 قبل أن يخرج المارد الصيني من قمقمه ليحتكر بدوره السيطرة المطلقة على جدول الميداليات اعتبارا من الدورة التاسعة في نيودلهي 1982.

سيكون لكرة القدم العربية نصيب في آسياد بعد أن كان منتخب الإمارات قاب قوسين أو أدنى من تحقيق إنجاز تاريخي


وفد جنوبي شمالي


ظهرت كوريا بوفدين جنوبي وشمالي لأول مرة في دورة طهران (السابعة) عام 1974، وحلت الكوريتان في المركزين الثالث والرابع خلف اليابان والدولة المنظمة. ومنذ أن نظمت دورة سيول 1986 التي قاطعتها كوريا الشمالية، أحكمت كوريا الجنوبية قبضتها على المركز الثاني على حساب اليابان التي نجحت في انتزاعه مرة واحدة في هيروشيما (1994)، ثم سلمت بالأمر الواقع لغريمتها تاريخيا، علما وأنهما نظمتا معا مونديال 2002 لكرة القدم.

ورغم علمها المسبق والأكيد بأنها لا تستطيع مقارعة الصين (مليار و350 مليون نسمة) ومنافستها على المركز الأول قاريا، تريد كوريا الجنوبية تقليدها على الصعيد الرياضي أو التفوق عليها في بعض الألعاب، وقد نجحت في ذلك خصوصا في كرة القدم. ولهذا كانت لدى كوريا الجنوبية النية في البداية بإشراك جيش من الرياضيين يصل عدده إلى نحو 15 ألفا كما فعلت الصين في غوانغجو 2010، لكن الحكمة فرضت نفسها في نهاية المطاف واستقر الرأي على المشاركة بنحو 2025 رياضيا ورياضية لتقليص النفقات إلى حدودها القصوى.

وستدفع الصين التي أصبحت إحدى القوى العظمى خصوصا من الناحية الاقتصادية، بجيل من الشباب الذين كتبوا أسماءهم بحبر من ذهب سواء على الصعيد الآسيوي أو الدولي أو الأولمبي، ويأتي في طليعة وفدها المكون من 900 رياضي ورياضية بينهم 10 أبطال عالميين وأولمبيين، السباح سون يانغ الذي بات أول صيني يحصل على الذهب الأولمبي في السباحة (400 م حرة و1500 م حرة) في لندن 2012، والسباحة شيوين يي. وحققت الصين ما سعت إليه في الدورة التي نظمتها قبل 4 سنوات، فحصدت 416 ميدالية من مختلف الألوان بينها 199 ذهبية، مقابل النصف تقريبا لكوريا الجنوبية (231 بينها 76 ذهبية).

اهتمام إعلامي وجماهيري كبير بالحدث العالمي

ويأمل الصينيون في أن تكون محطة إينشيون مدخلا لأولمبياد ريو دي جانيرو (2016)، كما كانت غوانغجو مقدمة لأولمبياد لندن (2012)، “رغم أن كل الخبراء في المنطقة يجمعون على أنها ستتراجع بشكل كبير على صعيد الميداليات الذهبية”. وستحاول اليابان (216 ميدالية منها 48 ذهبية في غوانغجو) هذه المرة أن تجعل المركز الثاني من نصيبها كما يرى أحد المسؤولين الرياضيين فيها لأن ذلك يعزز موقفها في السباق إلى استضافة أولمبياد 2020. وبعيدا عن ثلاثي المقدمة، سينحصر الصراع على المراكز العشر التالية كما جرت العادة في السابق بين إيران والهند وكازخستان وتايوان وأوزبكستان وتايلاند وماليزيا وهونغ كونغ.


تحد جديد


يجد المشاركون العرب أنفسهم أمام تحد جديد على صعيد القارة، وقد يكون المركز الثالث عشر أفضل ترتيب وهو ما حصلت عليه السعودية قبل 4 سنوات برصيد 13 ميدالية (5 ذهبيات و3 فضيات و5 برونزيات) تلتها البحرين (5 ذهبيات و4 برونزيات ) ثم الكويت (4 ذهبيات و6 فضيات وبرونزية واحدة).

وتعتمد السعودية بشكل خاص على 3 رياضات هي ألعاب القوى والفروسية والكاراتيه، والبحرين على أم الألعاب (جميع ميدالياتها في الدورة السابقة كانت في ألعاب القوى)، والكويت على الرماية والبولينغ والكاراتيه وبنسبة ضئيلة جدا على ألعاب القوى (لم تحرز أي ميدالية في غوانغجو) وقطر على ألعاب القوى والرماية.

في المقابل، تعول سوريا خصوصا على الملاكمة وبنسبة أقل المصارعة، ولبنان والعراق والأردن والإمارات وغيرها من الدول العربية على الألعاب الفردية. وقد يكون لكرة القدم العربية نصيب في هذا الآسياد بعد أن كان منتخب الإمارات قاب قوسين أو أدنى من تحقيق إنجاز تاريخي بانتزاع الذهبية، لكنه أخفق في مسعاه واكتفى بالفضية بخسارته أمام اليابان يهدف يتيم سجله يوكي سانيتو (74). وتشارك في إينشيون 7 منتخبات عربية هي السعودية (المجموعة الأولى) وعمان وفلسطين (الثالثة) والكويت والعراق (الرابعة) والإمارات والأردن (السابعة). وتشارك أيضا سيدات الأردن في المجموعة الثانية.

من ناحية أخرى ساهم علي عدنان كاظم في فوز العراق الكبير والثمين على اليابان في مسابقة كرة القدم. فوضع العراق على بوابة التأهل إلى ثمن النهائي عن المجموعة الرابعة بعد أن حقق فوزه الثاني على التوالي. ورغم عدم تسجيله في هذه المبارة، كانت فرحة القائد يونس محمود لا توصف وبدا واثقا من التأهل بعد سطوع هذا النجم الشاب الذي أكمل العشرين من العمر في 19 ديسمبر الماضي. وقال يونس محمود: “بالطبع، بالنسبة إلى المنتخب العراقي، فإن المباراة ضد اليابان كانت مهمة جدا. أعتقد أنه كان من المفيد جدا بالنسبة إلى هؤلاء الشباب أن يحققوا الفوز على اليابان لأنه لن يأخذهم الخوف في المستقبل عندما يواجهون منتخبات قوية مثل اليابان وغيرها”. ويتمتع المدافع علي عدنان المولود في حي الكاظمية ببغداد في عائلة لها باع طويل في كرة القدم، بنزعة هجومية واضحة.

وساهم عدنان كاظم في إحراز منتخب العراق كأس آسيا للشباب التي أقيمت في طهران عام 1977، وشارك مع منتخب بلاده في أول نهائيات لمونديال الشباب في العام ذاته بتونس، ودافع عن ألوان أندية عدة منها الشباب والتجارة والرشيد. وتعلم علي عدنان من والده وعمه أهمية الالتزام والانضباط في التدريب واحترام الآخرين، وأن لعبة كرة القدم تعطي لمن يتفانى في سبيلها.

وتخرج علي عدنان من مدرسة المدرب القدير عمو بابا المواجهة لملعب الشعب في بغداد التي صقلت موهبته في فئتي البراعم والأشبال ثم التحق بنادي الزوراء حيث كان في صفوف الناشئين قبل أن ينتقل إلى القوة الجوية وسهر على رعايته المدرب يحيى علوان.
العالم يطرق أبواب كوريا الجنوبية

وبدأ مستوى علي عدنان الفني في الارتفاع تدريجيا وبات أقوى من أن ينازعه أحد على مركزه لدرجة أنه أخذ مكان زميله ومثله الأعلى باسم عباس، ثم التحق بأهلي جدة في 2013 ليأخذ مكان أنس شربيني. وفي فترة الانتقالات الصيفية من ذلك العام انضم إلى ريزي سبور التركي بموجب عقد لمدة 5 سنوات، وفي سبتمبر سجل له هدفا من 35 مترا في مرمى غازي عنتاب وصار موضع تشبيهات ومقارنات مع لاعبين كبار. وركزت الصحافة التركية مؤخرا على سرعته الفائقة وقوته البدنية الهائلة، وأطلقت عليه اسم “غاريث بايل الآسيوي” لأنه يتقن أسلوب النجم الويلزي لاعب ريال مدريد الأسباني في قيادة الهجمات المعاكسة.


مفارقات الآسياد


ظهرت مفارقات كثيرة قبيل الافتتاح الرسمي لدورة الألعاب الآسيوية السابعة عشرة. فالأيام القليلة التي سبقت الانطلاقة الرسمية للألعاب شهدت محطات منها التاريخي كلمّ شمْل الكوريتين الجنوبية والشمالية مجددا رغم الخلاف والانقسام بينهما، ومنها الطارئ كمشكلة التحرش الجنسي التي طفت بقوة، ويبدو أن أكثر من مشارك متورط فيها، وصولا إلى الناحية التنظيمية التي لا شك في أنها تتأثر حكما بالعدد الكبير من المشاركين من رياضيين ورسمييين وإعلاميين. وتعتبر دورة ألعاب إينشيون الأكبر حتى الآن في تاريخ الدورات الآسيوية التي انطلقت منتصف القرن الماضي، وتكاد توازي دورة الألعاب الأولمبية من حيث عدد المشاركين فيها والذين يتوزعون على نحو 10 آلاف رياضي ورياضية، ونحو 4 آلاف إداري ومدرب وحكم وقرابة 10 آلاف إعلامي، هذا فضلا عن ممثلي الاتحادات الرياضية الدولية والآسيوية والمتطوعين ورجال الأمن الكوريين الذين هم على علاقة مباشرة بالألعاب.

ورفع العلم الكوري الشمالي في قرية الرياضيين قبل أيام، لكن اللجنة المنظمة أزالته مع كل أعلام الدول الأخرى من الطرقات المحيطة بالمنشآت الرياضية “تجنبا لاحتاجاجات ضد كوريا الشمالية".

دورة إينشيون تعتبر الأكبر حتى الآن في تاريخ الدورات الآسيوية التي انطلقت، منتصف القرن الماضي

وقد تحدث الشيخ أحمد الفهد، رئيس المجلس الأولمبي الآسيوي في هذا الصدد عن “قدرة الرياضة على توحيد القارة الآسيوية”. وأضاف، “أن دورة الألعاب الأسيوية ليست فقط دورة رياضية، بل تتعلق بالسلام والثقافة وبجمع شباب هذه القارة معا كل أربع سنوات”. وتابع “أن المجلس الأولمبي الآسيوي كان يساعد الحركة الرياضية في كوريا الشمالية واللجنة الأولمبية فيها لأكثر من ثلاثين عاما، وقد تعاونا مع المسؤولين فيها لمشاركة الرياضيين في إينشيون، فمشاركتهم ستشكل إضافة جيدة لهذه الألعاب وتوجه رسالة سلام في شبه الجزيرة الكورية”. ويشارك أكثر من 200 رياضي من كوريا الشمالية في ألعاب إينشيون، وينافسون في 14 لعبة.

وركز الإعلام بطبيعة الحال على أخبار التحرش الجنسي مع بدء وصول البعثات إلى مقر سكنها، وتورط فيها حتى الآن مدير في منتخب كرة القدم الإيراني، ولاعب كرة قدم فلسطيني، ويتردد أن هناك حالة أخرى تتعلق برياضي باكستاني. واتخذ المجلس الأولمبي الآسيوي قرارا صارما بإبعاد أحد أفراد البعثة الإيرانية عن الألعاب بسبب قضية تحرش بإحدى المتطوعات في قرية الرياضيين، وأصدر المجلس الأولمبي بيانا أكد فيه أنه لن يتسامح أبدا مع حالات التحرش الجنسي.

من الناحية التنظيمية، يمكن تسجيل مفارقات قد لا تكون مؤثرة على سير الألعاب ونجاحها، ولكن تترك انطباعات غريبة في بلد سبق أن استضاف دورتي 1986 في سيول و2002 في بوسان، ونظم أيضا دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في سيول عام 1988، كما يستعد لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بيونغ تشانغ عام 2018.

22