"آشتون" ورسائلها المصرية

الاثنين 2014/04/14

في كل مرة تزور فيها كاترين آشتون الممثل الأعلى للسياسة والأمن في الاتحاد الأوروبي القاهرة، تترك خلفها إرثا من الجدل السياسي، يحاول المراقبون قراءة ما يحمله من معان مختلفة، والتعرف على مفاتيح الموقف الأوروبي العام من الأزمة السياسية في مصر، ومدى ودلالات الانحياز إلى أي من طرفيها، ولعل الزيارة التي اختتمتها الخميس الماضي هي الأكثر تعبيرا عن التغير الذي حدث في التقدير الأوروبي.

آشتون كانت حريصة على إظهار قدر من التعاطف الأوروبي مع الرئيس السابق محمد مرسي، عقب عزله مباشرة في 3 يوليو الماضي، وسواء كان ذلك بحجة مساندة ما يوصف بالشرعية ورفض “الانقلاب”، أو من باب المصالح السياسية، ففي الحالتين كان الانحياز فاضحا لصالح الإخوان، وبدت تجلياته في اللقاء الذي عقدته آشتون مع مرسي في مكان إقامته السري، وفي كل زيارة تتخلى آشتون عن ثوابتها الأولى، وتقترب من التعامل مع الموقف في مصر ببراغماتية وإيمان بالأمر الواقع، تبتعد عن الإخوان وتميل إلى جانب السلطات الحاكمة، حتى جاءت زيارتها الأخيرة، وتكاد تكون الممثلة الأوروبية قذفت بعيدا ورقة الإخوان، وانحازت لمساندة الأوضاع الجديدة في مصر.

التحول كان لافتا لكل من تابع زياراتها السابقة، والطريقة الناعمة التي تعاملت بها في المرة الأخيرة، وقد ظهرت المعالم في لقاءات شملت غالبية الرموز والقوى السياسية، الرسمية وغير الرسمية، فقد التقت الرئيس عدلي منصور والمشير عبدالفتاح السيسي، وممثلين عن أحزاب وتيارات متباينة، باستثناء المرشح الرئاسي حمدين صباحي، لأسباب تتعلق بالارتباك في موعد اللقاء، وجماعة الإخوان، المحظورة قضائيا، والمدرجة في قائمة الإرهاب المصرية، الأمر الذي ينطوي على التقدم الحاصل في خارطة الطريق التي أنجزت الدستور، وفي طريقها لإجراء استحقاق الانتخابات الرئاسية، كما أن ارتفاع معدلات العنف والإرهاب وتحميل الإخوان جانبا كبيرا من المسؤولية، ساهم في هذا الابتعاد، ناهيك عن المؤشرات التي تذهب إلى خروج الجماعة من المشهد السياسي، وعلى المستوى الخارجي حدثت تطورات عربية لعبت دورا في إعادة تفكير الدوائر الغربية من الإخوان، وحدثت تطورات على الساحة البريطانية، تتعلق بأمر التحقيق الذي أصدره رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بشأن جماعة الإخوان، وهو ما جعل الكثير من الدول الأوروبية تعيد النظر في حساباتها السابقة.

المثير أن القاهرة، تتعامل دائما مع مبعوثة الاتحاد الأوروبي بمرونة شديدة، منذ أن سمحت لها باللقاء السري الشهير مع مرسي، اعتقادا منها أن مفاتيح الحل والعقد في يد الغرب، لذلك منحت آشتون تسهيلات بالجملة، وتحركت في الأراضي المصرية كما شاءت، وهنا يطرح السؤال من يحتاج من أكثر، مصر أم أوروبا؟

الواضح أن مصر تتصرف كأنها الحلقة الأضعف والأشد احتياجا إلى أوروبا، ربما يكون ذلك مفهوما في سياق التحديات التي تواجهها، والمؤامرات الإقليمية والدولية التي تحاك ضدها، وطبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد، لكن عمليا وبحسابات المصالح والمنافع، الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى مصر، أكثر مما تحتاج إليه القاهرة.

والدليل، أن مصر تتمتع بموقع استراتيجي مهم لا يمكن للقوى الكبرى التفريط فيه، فإذا لم تكن داعمة، على الأقل لا تكون معرقلة، فقناة السويس تتحكم في نسبة كبيرة من تجارة العالم، وأغلبها قادم من أو متجه إلى الغرب، ولدى مصر مساحات شاسعة من الشواطئ المطلة على البحر المتوسط أصبحت مدخلا لهجرات غير شرعية، يمكن أن تهدد بلدانا أوروبية كثيرة، لذلك من الضروري الحفاظ على استقرار مصر، والتعامل مع السلطات التي تحقق هذه المهمة الحيوية، بالإضافة إلى المخاطر التي قد تأتي من ليبيا في اتجاه أوروبا، ومصر لديها قدرة على ضبط الأمور في هذا البلد الذي تحول إلى مصدر توتر لجيرانه، بالتالي فالعلاقة الجيدة مع القاهرة مليئة بالفوائد الأوروبية.

المشكلة أن أوروبا الرسمية بدأت تتعرف على التعقيدات الحاصلة في مصر، بحكم المصالح، ومن هنا يمكن فهم التغير في الموقف الذي عكسته آشتون إيجابا، لكن تظل العقبة في الجزء الشعبي، الذي لا يزال جزء كبير منه راضخا لرؤية الإخوان، لأن الجماعة تتحرك بنشاط في دوائر سياسية مختلفة، ونجحت في توصيل صوتها بطريقة أفضل من الجهات الرسمية في مصر، التي تحتاج إلى إعادة نظر في تصوراتها وتصرفاتها، حتى تنسجم الممارسات الغربية مع نبض الشارع، الذي يؤثر بقوة على التوجهات التي تعبر عنها آشتون وأمثالها، وما لم يحدث تعديل واضح في هذه المعادلة، ويصبح الموقفان متقاربان، ربما تجدّ في الأمور أمور.

الرسالة الأكثر جلاء في زيارة آشتون، أن مصر وضعت أقدامها على الطريق الصحيح، فقط تحتاج إلى ضخ دماء جديدة في مؤسساتها، حتى تتمكن من فك شفرة بعض الألغاز السياسية، التي جعلت آشتون في وقت من الأوقات مؤيدة للإخوان، والتحول في الموقف يصلح لبناء علاقة متينة تجنب البلاد بعض المنغصات خلال الفترة المقبلة.


كاتب مصري

9