آشوريو سوريا وأرمنيوها يحيون ذكرى مرور قرن على مجازر "سيفو"

الأحد 2014/04/27
جدارية تجسدد الاحتجاجات الأرمنية ضد أحداث العام 1915

رفضت أرمينيا التعازي التي قدمها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لأحفاد ضحايا مجازر الأرمن، في بادرة غير مسبوقة من جانب أنقرة. واتهمت يريفان أنقرة بمواصلة الانخراط في “الإنكار التام” لما تعتبره “إبادة جماعية” للأرمن إبان الحرب العالمية الأولى على يد العثمانيين.

أحيا أرمن سوريا وآشوريوها الذكرى 99 لمذابح المسيحيين والمعروفة لدى الآشوريين بـ (سيفو) على يد الجيش العثماني وبعض العشائر الكردية في ربيع وصيف 1915، التي قُتل فيها أكثر من مليون أرمني ونحو نصف مليون آشوري (سريان ـ كلدان) وعشرات الآلاف من اليونان.

إحياء الذكرى تم عبر إقامة القداديس والصلوات في الكنائس وتسيير مسيرات شموع ليلية وتنظيم مهرجانات خطابية تحت عناوين مختلفة، وكذلك تنظيم حملات تضامن عالمية عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع قضية الإبادة المسيحية لإرغام تركيا على الاعتراف بها وتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه ضحايا المذبحة باعتبارها وريثة السلطنة العثمانية.

في مدينة القامشلي، شمال شرق سوريا، أقيمت عدة فعاليات بهذه المناسبة أبرزها تلك التي أقامها (تجمع شباب سوريا الأمّ) بعنوان “لن ننسى”، في واحدة من ساحات المدينة، وطالب المشاركون الحكومة التركية بالاعتراف بما حدث قبل نحو قرن. وألقيت كلمات أكّدت على أن سياسة التطهير العرقي التي انتهجتها الحكومة التركية مازالت مستمرة، وانتقدت صمت المجتمع الدولي وشعاراته المنادية بحقوق الإنسان والعدالة الإنسانية واعتبروها وسيلة لتخدير شعوب العالم. وأشارت الحملة إلى أن ما تعيشه سوريا اليوم لا يقل فظاعة عما حدث في تلك الحقبة، وحلقات مسلسل الدم مازالت متواصلة وإن تغيرت الوجوه والمسميات.

ولتوضيح موقف الآشوريين والأرمن، قال سليمان يوسف، وهو باحث سوري مهتم بقضايا الأقليات، لـ (العرب) “كانت استراتيجية حركة (الاتحاد والترقي) المتطرفة، التي كانت لها اليد الطولى في إدارة شؤون السلطنة العثمانية بعد أن أطاحت بالسلطان عبدالحميد عام 1908 تقوم على أن لا يبقى في السلطنة العثمانية سوى الأتراك، وذلك بالتخلص من الأقوام المسيحية، وقد شكّل الدور الريادي الذي لعبه المسيحيون في انطلاق حركات التحرر القومي والوطني، لشعوب بلاد الرافدين وسوريا وبلاد الشام ضد العثمانيين، حافزا إضافيا للتخلص من المسيحيين.

وأضاف “لقد وجد قادة هذه الحركة الطورانية في الحرب العالمية الأولى (1914) الظرف المناسب لتنفيذ خططهم ومشاريعهم العنصرية، وإحكام السيطرة العثمانية على أجزاء واسعة وحيوية من أرمينيا وبلاد الرافدين وسوريا. قرن كامل مضى على مذابح المسيحيين (التطهير العرقي والديني)، وهي مازالت حية محفورة في الذاكرة التاريخية للأرمن والسريان الآشوريين ولعموم مسيحيي المشرق.

ويحيي الآشوريون والأرمن في سوريا سنويا ذكرى مذابح قامت بها الامبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها قُتل وهُجّر خلالها ما بين مليون و1.5 مليون أرمني، إضافة إلى مجموعات عرقية أخرى كالسريان والكلدان والآشوريين واليونانيين بقيت دون حساب، واعترفت بوقوعها 20 دولة، ويحاولون في كل عام تذكير العالم بها وتجديد المطالبة بالضغط على الدولة التركية، لإرغامها على الاعتراف بالمذابح وتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه الضحايا.

ووفق مصادر آشورية فإن “سكوت العالم الحر على تلك الجرائم سيشجع الأنظمة العنصرية والفاشية على ارتكاب مثل هذه الأعمال وعمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بحق الشعوب المستضعفة”.

وحتى الآن اعترفت عشرون دولة بالمذبحة بالإضافة إلى عشرات المنظمات والهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وتوالي الاعترافات الدولية بالمذبحة أجبر الدولة التركية على إخراج ملف المذابح من دائرة المحرمات والتراجع عن روايتها الرسمية القائمة على نكران المذبحة، وبدأت الحكومة التركية تبحث عن مبررات وذرائع لما حصل للمسيحيين وتقول إنهم ضحايا الحرب العالمية.

نصب تذكاري في العاصة الأرمنية، يريفان، لضحايا أحداث 1915

هذا التبدل في الخطاب الرسمي التركي حول الإبادة، لا يعني أن الحكومة التركية، بزعامة حزب العدالة والتنمية، قد تخلت عن محظوراتها الأيديولوجية والسياسية لمقاربة جدية وصادقة لمذابح المسيحيين، أو أنها دخلت مرحلة الاعتراف رسميا بها، فحتى التصريح الذي صدر يوم 23 أبريل الحالي، عشية ذكرى المذبحة، عن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والذي قدّم فيه تعازيه للأرمن، لا يعتبر تحولا نوعيا في موقف الحكومة التركية من قضية المذبحة الأرمنية، لأن كلامه لم يُشر إلى مسؤولية السلطنة العثمانية أو وريثتها الدولة التركية عن تلك الحادثة.

في هذا السياق قال سليمان يوسف: “مثلما وجد قادة الاتحاد والترقي في ظروف الحرب العالمية الأولى فرصتهم للتخلص من الأقوام المسيحية، يبدو أن العثمانيين الجدد، في حكومة حزب العدالة والتنمية، يجدون في ظروف الحرب السورية الراهنة الفرصة التي طالما انتظروها لإخلاء الجانب السوري من الحدود من الأرمن والأكراد والسريان الآشوريين. وبكل أسف نقول إن الموقف العربي والإسلامي، على المستوى الرسمي والنخبوي والشعبي، مازال يتراوح بين النكران والتجاهل والتبرير للمذابح، فباستثناء لبنان، المتميز بثقل الأرمن فيه، لم تعترف حتى الآن أي من الدول العربية والإسلامية بـ (المذبحة الأرمنية)”.

ويبقى الجدل قائما حول حقيقة ما حدث خلال المعارك التي بدأت عام 1915. وتقر تركيا بمقتل كثير من الأرمن في الاشتباكات لكنها تنفي أن ما يصل الى 1.5 مليون شخص لقوا حتفهم وأن هذا يشكل جريمة إبادة جماعية وهو تعبير يستخدمه كثير من المؤرخين الغربيين والبرلمانات الأجنبية.

4