آفاق الاقتصاد التونسي تتأرجح بين التفاؤل والتشاؤم بعد وعود طويلة

الجمعة 2014/09/12
فرنسا وشراكة دوفيل في صدارة قائمة الوعود لكن لم يترجم أي شيئ على أرض الواقع

تونس – يقول محللون إن هناك أسبابا قوية للتفاؤل بشأن مستقبل اقتصاد تونس منذ توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي في يونيو 2013، تحصل تونس بموجبة على 1.7 مليار دولار على مدار عامين.

وقد تعززت أسباب التفاؤل هذا الأسبوع بعد مؤتمر الاستثمار في تونس الذي أعلن فيه عن عدد من المشاريع الاقتصادية العملاقة.

لكن المراقبين يقولون إن الأرقام الاقتصادية لا تزال محبطة، فمعدل النمو الاقتصادي لم يصل في العام الماضي الى المعدل المستهدف عند 3.5 بالمئة وتم خفضه إلى 2.3 بالمئة فقط. ومن المستبعد أن يتجاوز النمو في العام الحالي نسبة 2.8 بالمئة.


أرقام مخيبة


وتشير بيانات البنك المركزي إلى أن نتائج النصف الأول من العام غير مبشرة، حيث بلغ معدل النمو الاقتصادي 2.1 بالمئة. وسجل ميزان المدفوعات عجزا بلغ نحو 29.3 بالمئة، بعد ارتفاع عجز الميزان التجاري إلى 18.2 بالمئة، وتراجع إيرادات السياحة.

ولا يزال معدل التضخم مرتفعًا نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والسلع الغذائية، بعد خفض الدعم الحكومي، فبيانات شهر يوليو الماضي تشير إلى بلوغ التضخم نسبة 6 بالمئة، مقارنة بنحو 5 بالمئة في مارس الماضي.

كما أن معدل البطالة لا يزال بحدود 16 بالمئة، ويصل إلى أكثر من 30 بالمئة بين الشباب، مما يشكل عبئا كبيرا على الحكومة التونسية.

ويلخص تقرير بعثة صندوق النقد الدولي في نهاية أغسطس بالقول إن “الموقف الاقتصادي يظل صعبا، فالنمو محدود والبطالة لا تزال مرتفعة، كما يتسبب تصاعد الاختلالات الخارجية في فرض ضغوط على سعر الصرف والاحتياطيات”.

ويأتي تقييم الصندوق المتشائم بعد أكثر من عام من توقيع الاتفاق بين الصندوق والحكومة التونسية، والذي حصلت تونس بموجبه على 1.1 مليار دولار من قيمة القرض، ولا تزال تنتظر إطلاق 600 مليون دولار في الأشهر المقبلة.

صندوق النقد الدولي: الموقف الاقتصادي لا يزال صعبا.. النمو محدود والبطالة لا تزال مرتفعة

ويتساءل المراقبون عن فرص تونس في تجاوز أزمتها الاقتصادية خلال الأشهر السبعة المتبقية من عمر اتفاقها مع صندوق النقد، وما إذا كانت ستضطر للدخول في برنامج جديد بقرض جديد مع الصندوق بعد انتهاء فترة البرنامج الأول؟

كما يتساءلون عن التبعات الاقتصادية والاجتماعية السلبية التي سيجنيها المجتمع التونسي نتيجة الاتفاقات مع صندوق النقد؟.


الأعباء الاجتماعية


ويرى الخبراء أن تجارب الصندوق مع الدول التي تعاني من أزمات مالية تنطوي على أعباء اجتماعية قاسية أحيانا، نتيجة فرضه تقليص الدعم الحكومي للسلع الأساسية وخفض الانفاق على الكثير من الخدمات العامة الموجهة لشريحة عريضة من المجتمع.

وتساهم بعض السياسات التي يطالب بها صندوق النقد في تفاقم معدلات التضخم مثل تطبيق الحد الأدنى للأجور، والدخول في برنامج يستهدف دعم الأسر الفقيرة.

ويقدر صندوق النقد حجم القطاع غير الرسمي في تونس بما يصل إلى 35 بالمئة من حجم الاقتصاد التونسي، وهو يعرقل تنفيذ السياسات والبرامج الحكومية التي يفرضها الصندوق.

ولا يحصل العاملون في القطاع غير الرسمي على مزايا الحد الأدنى للأجور المطبق في القطاع المنظم، سواء الحكومي أو القطاع الخاص.

كما أن برنامج دعم الأسر الفقيرة لا يمكنه تحمل الأعباء الكبيرة بسبب مخصصاته المحدودة التي لا تستطيع مواكبة إلغاء الدعم وتقليص الوظائف الحكومية وانتشار البطالة، التي تؤدي إلى اتساع عدد الأسر الفقيرة وسقوط الشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة في شريحة الفقراء.


الارتباط بالخارج


وتراهن الحكومة التونسية ومعها صندوق النقد الدولي على مجموعة من العوامل التي من شأنها أن ترفع مستوى أداء الاقتصاد التونسي، ومنها الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وانتعاش حركة السياحة وزيادة الصادرات التونسية للدول الأوروبية.

بيانات النصف الأول من العام
6 بالمئة معدل التضخم

16 بالمئة معدل البطالة

2.1 بالمئة معدل النمو الاقتصادي

29.3 بالمئة عجز ميزان المدفوعات

18.2 بالمئة عجز الميزان التجاري

ولكن الواقع لا يساعد على تحقيق هذه الفرضيات، فقد أدى الوضع المالي المتأزم في الدول الأوروبية إلى تقليل فرص تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى تونس وتراجع تدفق السياح الأوروبيين إليها.

كما أدى عدم الاستقرار السياسي والأمني إلى عزوف السياح الغربيين. وقد تفاقم ذلك بسبب الاغتيالات السياسية والاحتجاجات والمواجهات المسلحة بين الجماعات المتطرفة والقوات الحكومية.

ولم تتمكن تونس من زيادة الصادرات التونسية للدول الغربية، بحسب بيانات الميزان التجاري، وهو ما يعني اتساع الفجوة بين الواردات والصادرات، وهي نتيجة

طبيعية بسبب تراجع معدلات النمو الاقتصادي.

ويستبعد المراقبون أن تنتعش الصادرات في ظل معدلات النمو الاقتصادي الهزيلة. ولم يتمكن تراجع سعر صرف الدينار التونسي من زيادة القدرة التنافسية للصادرات، في ظل عدم مرونة القطاع الإنتاجي للاستفادة من تراجع العملة في زيادة الصادرات.


لا مجال لتأجيل


ويعول صندوق النقد الدولي كثيرا على نتائج مؤتمر “الاستثمار في تونس″ الذي عقد الأسبوع المنتهي، كوسيلة للنهوض بالاقتصاد التونسي. وهو يؤكد أن الانجازات السياسية وخارطة الطريق الواضحة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية سوف تدفع لاستعادة الثقة بالاقتصاد التونسي، وأن المؤتمر سيحقق نتائج جيدة.

وقد تم خلال المؤتمر عرض 22 مشروعا استثماريا قدرت تكلفتها الاستثمارية بنحو 8 مليار دولار. ولكن لم يتم توقيع سوى اتفاقيتين، أحدهما مع شركة نمساوية لمد خط للغاز الطبيعي، واتفاقية قرض لدعم المؤسسات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بقيمة 40 مليون يورو.

ويقول محللون إن المحصلة النهائية للمؤتمر ستكون مشابهة للمؤتمرات التي شهدتها دول المنطقة من قبل، مثل مصر والأردن والمغرب، حيث جرى الحديث عن عدد كبير من المشاريع التي لم تجد طريقا إلى أرض الواقع.

ويجمع المراقبون على أن الضغوط الاقتصادية في تونس لم تعد تحتمل التأجيل.


الرهان الخليجي


النقطة المضيئة في المؤتمر، كانت الإعلان عن مشروع مدينة صناعية متكاملة بتمويل خليجي، تشمل أنشطة اقتصادية متعددة، وتعمل على توفير 250 ألف فرصة عمل على مدار 10 سنوات وتصل تكلفتها إلى 50 مليار دولار. لكن البعض يشكك في إمكانية ترجمتها إلى أرض الواقع. ويقول محللون إن تدفق الاستثمارات الخليجية إلى هذا المشروع قد يمثل أحد المخارج المهمة للاقتصاد التونسي لتخفيف المشكلات الاقتصادية الضاغطة، وزيادة احتياطات النقد الأجنبي وانعاش الشركات المحلية التي ستساهم في المشروع.

كما يأملون في أن تؤدي لتخفيف مشكلة البطالة عن طريق فرص العمل المباشرة وغير المباشرة التي سيخلقها المشروع.

11