آفاق العزلة الاقتصادية والجيوسياسية الروسية

السبت 2014/06/28

تتزايد المؤشرات على تقهقر القيصر الروسي فلاديمير بوتين في المواجهة التي أشعلها مع الغرب في أوكرانيا بسبب التداعيات الكبيرة للعقوبات الضئيلة التي فرضها الغرب على روسيا وتماسك الموقف الغربي في دعم الرئيس الأوكراني الجديد بيوتر بوروشينكو.

حتى أن ذلك أجبر بوتين الجريح على مصافحة بوروشينكو في ذكرى إنزال النورماندي، وهي لحظة فاصلة أكدت اعترافه بشرعية انتخابه.

فشل بوتين في الالتفاف على المتغيرات الدولية وانتهت طموحاته بخروج أوكرانيا من خارطة طموحاته الأوروآسيوية، وأصبحت الحدود الأوكرانية مواقع افتراضية للناتو، مما يشكل تهديدا جديدا للأمن الروسي.

حتى العقد العملاق الذي أبرمته موسكو مع الصين لتزويدها بالغاز، والذي تصل قيمته الى 400 مليار دولار على مدى 30 عاما، وعقد مماثل مع الهند لم تتضح معالمه بعد، لن يعوضا خسائر بوتين الاقتصادية والجيوسياسية.

وها هو يدعو أمس الى هدنة طويلة بعد أن تعمقت جراحة بإبرام الاتحاد الأوروبي لاتفاقيات شراكة اقتصادية مع أوكرانيا وجورجيا ومولدافيا.

توتر علاقات روسيا بالدول الغربية لا يزال ينذر بتداعيات أوسع، رغم استمرار إمدادات الغاز لأوروبا عبر أوكرانيا.

خسائر النفوذ الروسي كانت قد دفعت بوتين الجريح للبحث عن منطقة نفوذ جديدة في حوض بحر قزوين مع الدول المطلة عليه وهي أذربيجان وروسيا وكازاخستان وتركمانستان وإيران، وهو يخطط لعقد قمة لهم في موسكو في سبتمبر المقبل.

ويعتبر حوض بحر قزوين ثاني أكبر حقل نفط في العالم بعد منطقة الخليج يحتوي على احتياطيات تقدر بنحو 28 مليار برميل.

وتهيمن روسيا على البحر منذ إغراقها للأسطول الإيراني عام 1856، رغم محاولات طهران منذ عام 1991 للتوصل لاتفاقية لتقاسم الدول الخمس المطلة عليه ليكون نصيب كل دولة 20 بالمئة من احتياطيات النفط والغاز.

لا بد أن نذكر هنا معارضة أذربيجان المدعومة من الولايات المتحدة، والتي تطالب بأن يتم التوزيع وفقا لطول سواحل كل دولة، ما يعني حصول إيران على 11 بالمئة وهو ما يصب في مصلحة كازاخستان أيضا.

وتتعثر جهود روسيا لتأسيس أكبر تحالف اقتصادي لمواجهة الأميركيين والأوروبيين، ولم تحقق سوى مكاسب معنوية بضم أرمينيا إلى الاتحاد الجديد وإعلان قرغيزستان الصغيرة رغبتها في الانضمام.

ويرى إلكسي مكاركين من مركز التكنولوجيات السياسية في موسكو أن هذا الاتحاد لن يكتمل في ظل غياب أوكرانيا وتحفظ كازاخستان وبيلاروسيا على الاندماج السياسي، رغم إغراءات الوصول للسوق الروسي.

وتتعاظم تكلفة ضغوط الدول الصناعية الكبرى على روسيا، حيث ترفض محاولات موسكو استخدام الغاز كورقة ضغط، وهي تتحدث بصوت واحد يرفض الابتزاز، وقد تمخض عن تجميد مد أنبوب غاز ساوث ستريم.

ويهدف الأنبوب لربط روسيا ببلغاريا عبر البحر الأسود للالتفاف على أوكرانيا قبل أن يواصل مساره إلى اليونان وإيطاليا وصربيا والمجر وسلوفينيا والنمسا.

عزلة روسيا وخسائرها من الأزمة الأوكرانية تتزايد، خاصة مع تزايد جهود الأوروبيين لتقليل اعتمادهم على الغاز الروسي، مما يزيد احتمالات تقهقر روسيا أمام هذا الموقف المتماسك.

وسوف تتزايد العزلة الروسية إذا ما تقدمت محادثات الشراكة عبر المحيط الهادي والتي يمكن أن تمثل ما يصل الى 40 بالمئة من حجم التجارة العالمية ونصف الناتج الإجمالي في العالم.

جميع محاولات بوتين للخروج من عزلته لن تكون كافية لمواجهة الدول الغربية، التي تحاول تعميق جراح روسيا من خلال محاولة احتواء الصين وإبعادها عن موسكو. وقد بدا ذلك واضحا في الاتفاقات التي أبرمتها بريتش بتروليم لتزويد الصين بالغاز، في محاولة لتقليل حجم الملاذ الذي ستجده موسكو في الصين لتعويض خسائر مغامرتها في أوكرانيا.

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة

10