آفاق القوى التقدمية في الانتخابات القادمة في تونس

الثلاثاء 2014/07/01

أقل من 120 يوما تفصل تونس عن أكبر حدث مصيري تشهده منذ 14 يناير 2011 تاريخ هروب زين العابدين بن علي وتخلّيه عن السلطة. هذا الحدث هو طبعا الانتخابات البرلمانيّة التي ستنعقد في 26 أكتوبر 2014، تتلوها بعد شهر الجولة الأولى من الرئاسيّة في 23 نوفمبر 2014. وتعدّ القوى التقدميّة مكوّنا رئيسيّا مهمّا من مكوّنات المشهد السياسي في تونس، ولذلك سنهتمّ في هذا المقال بقراءة آفاقها في الانتخابات القادمة بعد أن نقيّم واقعها ووضعها التنظيمي وحجمها الشعبي.

كانت القوى التقدميّة مشتّتة أثناء انتخابات 23 أكتوبر الماضية. وهو ما جعل نتائجها كارثيّة وما صنّفها أقليّة في المجلس التأسيسي. فعانت كثيرا في صراعها ضدّ أغلبيّة الترويكا بقيادة حركة النهضة. بعد ذلك حاولت هذه القوى أن تجمع صفوفها وأن تتوحّد في مشروع واحد. ونشأت الجبهة الشعبيّة يوم 6 أكتوبر 2012. وهي تعدّ اليوم الطرف السياسي الأكبر الممثّل للقوى التقدميّة في تونس، رغم عجزها عن ضمان وحدتها وعن منع التصدّعات التي سبّبها انسحاب بعض مكوّناتها لاسيما من المستقلّين الذي يمثّلون مكوّنا مهمّا من مكوّناتها.

لم تكن الجبهة الشعبيّة المشروع الأمثل لكلّ الأطراف التقدميّة فلم تجتمع جميعها تحت رايتها، وهذا شأن حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي، والحزب الاشتراكي اليساري وحزب العمل الوطني الديمقراطي وحزب الوطد الثوري وحزب النضال التقدّمي وحزب تونس الخضراء وكتلة مستقلّي الجبهة وحزب الكادحين. وللإشارة فإنّ بعض هذه القوى انتمت إلى الجبهة الشعبيّة عند تأسيسها وسرعان ما غادرتها أو دفعت إلى المغادرة. وبعضها الآخر لم ينضمّ إلى الجبهة أصلا، بل سعى إلى تحالفات أخرى مع أطراف تعدّ من خصوم الجبهة الشعبيّة.

هذه الأحزاب التقدمية اليسارية تعود جميعها إلى مرجعيّات ماركسية وترفع الشعارات نفسها، يعني الانحياز إلى الطبقات الفقيرة، وإلى العمال والفلاحين، وإلى المشروع الوطني المستقلّ، وإلى دولة المواطنة، وإلى قيم المدنيّة والديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة، ومع ذلك لم تتمكّن من التوحّد إلى حدّ الآن. بل إنّها مشتّتة ولا تخلو العلاقات بينها من تنافر يكاد يبلغ التعادي. وطبيعة هذه العلاقات انعكست على التنظيمات الشبابيّة اليساريّة لاسيما الطلابيّة منها. فظهر بينها التصادم في بعض الأجزاء الجامعيّة.

يعود الخلاف بين الأطراف التقدميّة في تونس أساسا إلى أمرين؛ الأوّل ذاتي والثاني موضوعي. السبب الذاتي نقصد به الصورة الحاصلة لزعماء اليسار عن أنفسهم أو التي ثبّتها فيهم أتباعهم. فكلّ منهم يرى نفسه قائدا ولا يقبل بأن يكون فردا في مجموعة تناضل من أجل هدف مشترك. ولذلك كان أيسر ما تتجلّى فيه هذه الزعاماتيّة هو الخروج عن الصفّ وتأسيس حزب جديد سرعان ما يتشظّى هو أيضا إلى “حزيبات” أخرى. وهذا العامل الذاتي هو أحيانا السبب الوحيد وراء انقسام حزب يساري أو انشقاق قيادات عنه.

السبب الموضوعي، وهو الأعقد والأبعد عن التحليلات اليسارية، نعني به الموقف من الثورة والرؤية لطبيعة المرحلة والممارسة الديمقراطية الداخلية. في ما يتعلّق بالموقف من الثورة تتبنى أغلب مكوّنات القوى اليسارية شعارات الثورة وأهدافها، دون أن تقدر على احتكارها إذ حتى القوى الرجعية تتكلم باسم الثورة. لكنّنا نكرّر ما كنّا بيّناه في مقال سابق من أنّه لا توجد قوى ثوريّة بالمعنى الكلاسيكي في تونس. وإنّما توجد قوى قريبة من الثورة وفيّة لأهدافها. وهي قوى مدنية تقدمية إصلاحية.

المشكلة أنّ هذه القوى لم تتمكّن من أن تملأ مكانها في الجهات المفقّرة، ولم تقدر على أن تنافس القوى الرجعيّة في استقطاب الطبقات المهمّشة. فالأيديولوجيات التقدميّة بطبيعتها العقليّة لم تجد رواجا كافيا عند من تتوجّه إليهم بسبب تدنّي الوعي الشعبي والافتقار إلى أدوات التحليل الماديّة، إضافة إلى الافتقار إلى عوامل الدمغجة والإغراء. والدليل المؤيد لهذا التحليل أنّ الفئات المفقّرة والمهمّشة هي رصيد انتخابي للإسلاميين، ورصيد احتياطي للتكفيريين.

في ما يتعلّق بطبيعة المرحلة، فإلى حدّ الآن لم تصدر القوى التقدميّة أدبيّات تحلّل فيها طبيعة المرحلة وموقعها في الكون وحجم حلفائها في العالم وقدرتها على الحكم وشكل النضال المطلوب. هل المرحلة مرحلة نضال ثوري راديكالي أم نضال إصلاحي ديمقراطي؟ هل الخيارات السياسيّة الاقتصاديّة الكبرى ناجعة ومقبولة اجتماعيّا أم لا، بقطع النظر عن وطنيتها؟ يعني بشكل مبسط؛ لو وصلت الجبهة الشعبيّة إلى الحكم، مثلا، ونفّذت برنامجها في تعليق تسديد الديون ووقف الاقتراض الأجنبي وضغطت عليها القوى المسيطرة على العالم بأن قلّصت حجم مبادلاتها مع تونس وغيرت وجهة سياحها وأفلست الميزانية وتأخرت الرواتب وانتفض الناس كيف ستتصرف؟ وبم ستقنع الناس؟ هل تكفي النوايا الوطنية والحماسة الثورية للنجاح في الحكم وتوفير الرفاه للناس؟ هل تم إعداد الخطط أ و ب و ج لكلّ الاستراتيجيّات والاحتمالات؟

المسألة الديمقراطية عند القوى التقدمية هل هي شعار استهلاكي أم مبدأ أصيل؟ فقراءة عابرة للممارسة الديمقراطيّة داخل الأحزاب التقدمية سواء المكوّنة للجبهة الشعبيّة أو التي خارجها، لا تجعل الباحث مطمئنا إلى سلامتها. فأغلب هذه الأحزاب تعاني من الولاءات والإخوانيّات والكاريزمات، ومؤتمراتها السياسيّة مليئة بالشعارات ومغمورة بالدمغجة ومشقوقة بالمكائد. وقيادات هذه الأحزاب التقدميّة لم تتغيّر منذ عقود بالانتخاب أو بغيره. فهي دائما تقود إلى أن تقاد إلى المقبرة. وحتى القيادات الشابة المتسللة إلى الصدارة، فإنها في الغالب قادمة لولائها لفكرة الزعيم وسيرها على نفس الخط ولا لأنّها تحمل بذرات التطوير والتجديد.

مسألة أخرى متعلّقة بالديمقراطية تحتاج إلى التفكير من هذه القوى التقدمية هي المسألة الانتخابية. فالأحزاب اليساريّة داخل الجبهة الشعبيّة وخارجها، ستخوض الانتخابات القادمة بكلّ قواها. الواضح إلى حدّ الآن أنّها ستتوزّع على أربع واجهات؛ واحدة تحت لواء الجبهة الشعبيّة، وأخرى في ظلّ غطاء وسطي ليبرالي ليبراليّته غير معلنة، وثالثة ضمن جبهة وطنيّة غير مصنّفة أيديولوجيّا، ورابعة ستكون منشقّة وغير منضبطة إلا لمراجعها الراديكالية. السؤال هو؛ هل سيجتمع الفائزون من هذه القوى بعد الانتخابات إذا لم يجتمعوا قبلها؟ وهل سيقبلون المشاركة في حكومة وحدة وطنية، لطالما دعت إليها حركة النهضة، تضمّ خصومهم الإيدولوجيين والتاريخيين، أم سيتمترسون في المعارضة إلى أن يفوزوا بالسلطة كلّها؟

المراجعات التأصيليّة لأدبيّات القوى التقدميّة منعدمة. والأطروحات الاستشرافيّة غير موجودة أو غير معلنة على الأقل. وهي أساس الخلاف والعداء بين الأطراف والأحزاب التقدميّة ممّا أدّى إلى انقسامها وإضعافها ووسم مستقبلها بالضبابيّة لاسيما أمام ما يحظى به خصومها الإسلاميون والليبراليون من دعم خارجي وامتداد داخلي.

ولكن المؤكد أنه سيكون لهذه القوى موقع في المشهد السياسي الذي ستفرزه الانتخابات القادمة. ولكن هل سيكون موقعها في الحكم أم في المعارضة؟ ولو كانت في الحكم فلن تكون بمفردها حتما ولا بأغلبية أيضا. فهل ستغير فهمها للديمقراطية في اتجاه اعتبارها مظلة مدنية تضمن العيش للجميع تحت القانون، ولا فضل لتونسي على آخر إلا بقدر اجتهاده في خدمة الوطن والولاء له وفي العمل على تحقيق دولة المواطنة والعدالة التي تتّسع للجميع؟


كاتب وباحث سياسي من تونس

9