آفاق سياسية أمام "الإسلام الإندونيسي"

الاثنين 2015/06/15

ذكرت في مقال الأسبوع الماضي (البحث عن وجه إسلامي جديد)، أن هناك جهات عالمية تبحث عن وجه متسامح، يقف كحائط صد ضد التيارات التكفيرية حاليا، بعد فشل الرهان على الإخوان.. وهنا التتمة.

الواضح أن هناك مشكلة بين كثير من القيادات والمجتمعات الغربية مع المسلمين وليس الإسلام، بسبب التصرفات المتشددة وأصحاب المشروعات السياسية ممن تصوروا أنهم “معتدلون”، ورغبة ممثلي هؤلاء وهؤلاء في تغيير نمط الحياة الغربية، التي جاءت نتيجة تراكمات وخبرات تمتد لمئات السنين، لصالح نمط حياة جديد عليهم، وفرض أسلوب يبدو متنافيا مع كثير من القيم التي تربوا عليها، وأهمها الحريات الفردية والتسامح والمساواة والعدالة.

في حين أن جوهر الإسلام لا يبعد عن المنظومة الجماعية السائدة في كثير من الدول الغربية، خاصة التي تتعلق بالقيم السابقة، لكن من قدموا أنفسهم على أنهم يعبروا عن الدين الحنيف، بالقوة والقتل والتكفير وما إلى ذلك من عبارات قاسية، أوجدوا حالة هلع من الإسلام لدى البسطاء، لكن النخبة التي تعرف حقيقة الدين على اقتناع أنه أكثر رحابة وتسامحا مما هو شائع الآن.

ولأنه من الصعوبة اقتلاع الإسلام من المجتمعات الغربية، كدين سماوي له ملايين الأتباع، بدأ البحث في بعض الدوائر الأوروبية عن جماعة تكون واجهة حضارية لا تصطدم مع القيم الأساسية المنتشرة في أوروبا وأميركا، ولا تعيد إليهم مآسي العصور الوسطى التي كانت فيها الكنيسة مهيمنة على مفاتيح الحل والعقد في جميع مناحي الحياة. الأمر الذي يفسر أحد أسرار العداء الظاهر للجماعات الإسلامية المتطرفة، التي تطمح إلى نشر الإسلام بحد السيف، وتتجاهل الخصال التي ينطوي عليها هذا الدين، لذلك كانت هناك ميول متعاطفة مع كل جماعة تقدم نفسها على أنها معتدلة، وعلى استعداد أن تتكيف مع المنظومة الغربية بكل ما تحمله من معايير أخلاقية. حتى من وصفوا بـ”المعتدلون” حصل خلاف معهم، لأنه تم اكتشاف الكثير من المخاطر في الجزء الكامن من أفكارهم والذي يهدد الغرب نفسه، ليس لأنهم تحولوا إلى منبع خصب لكل المتشددين، لكن لامتلاكهم مشروع سياسي معقد سوف يقود إلى الصدام مع المجتمعات الغربية من خلال محاولات التغيير التدريجي.

ما يظهر من بقايا تعاطف مثلا مع جماعة الإخوان، لا يخرج عن ثلاثة أسباب رئيسية، الأول التزام تاريخي بدعم يصعب التنصل منه بسهولة، والثاني تغلغل عناصر الجماعة في نسيج المجتمعات الغربية، سياسيا وإعلاميا واقتصاديا، ورفع الغطاء تماما يحتاج أيضا بعض الوقت، والثالث انتظار إيجاد البديل الذي يحل مكان الإخوان، كوجه معتدل بصورة حقيقية وليست زائفة، ويكون مقنعا لتوفير الدعم اللازم له، الخفي والمعلن.

في هذه الأثناء، يشير خط سير التحليل السياسي، بناء على معطيات استقاها الكاتب من خبراء غربيين في شؤون الحركات الإسلامية، وجود نفور من فكرة دعم أي تيار إسلامي عربي، لاسيما أنه ترسخ في العقل والوجدان أن روافده تخفي غالبا وجوها متشددة، من هنا تم الاتجاه نحو ما يسمى بـ”الإسلام الآسيوي”، الذي تشي معطيات متعددة أنه أكثر اعتدالا، وأقل استعدادا لتصدير أي أفكار تبدو متطرفة للآخر، وأخف جموحا في التفسيرات الملتبسة، وأشد حرصا على التسامح ونشر القدوة والمثل الفردي.

الفكرة راقت لجماعة إسلامية كبيرة في إندونيسيا، تسمى جمعية “نهضة العلماء” تحت عباءتها نحو 70 مليون عضو في الداخل، وبدأت تستثمر الفراغ الحاصل في المشهد الإسلامي العام، على الرغم من زخم الجماعات المختلفة، والحاجة الغربية لوجه جديد، يقدم الدين في صورته الأكثر تسامحا، والتي تتماشى مع عادات وتقاليد المجتمعات الغربية، ودون أن تتصادم مع قيمها.

الجمعية لديها تصور تطلق عليه “الإسلام الإندونيسي” لتأكيد الخصوصية، والابتعاد عن الوجوه والتيارات الأخرى التي خلقت انطباعات سلبية عن الإسلام، عماده التسامح بمفهومه الواسع، الذي جعل دولة في ضخامة إندونيسيا تستوعب جميع أصحاب الديانات والثقافات إلى جوار الإسلام.

على هذا الأساس، أخذت المسألة تخرج من إطارها المحلي إلى العالمي من قبل أصحابها، وحدثت خطوط تواصل بين قيادة الجمعية وبعض الحكومات الغربية، بدأت بتكوين نواة صغيرة في عدد من الدول تحت مسمى “بيت الرحمة”، مهمة كل واحدة فيها التأكيد على نموذج التسامح الذي تحمله “نهضة العلماء”، والتعايش مع الآخر واحترام خصوصيته، والاستفادة من القواسم الإنسانية المشتركة التي تحملها جميع الديانات.

المثير للانتباه، حسب معلومات من شخصيات تتولى هندسة التواصل بين “الإسلام الإندونيسي” الذي تمثله “نهضة العلماء” وجهات غربية، أن هناك مفكرين وأكاديميين وإعلاميين اقتنعوا بالفكرة، وأخذوا يروجون لها تدريجيا، لتهيئة البيئة المحلية (الغربية) لتقبل هذا النموذج المتسامح، ومنهم من أصبح عضوا في بعض “بيوت الرحمة” أو متعاطفا معها، والتي لها فروع في كل من الولايات المتحدة والنمسا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا، فضلا عن فروع الجمعية في دول مختلفة.

المعلومات التي حصلت عليها خلال زيارة أخيرة لجاكرتا، كشفت عن تلقي دعم مادي من حكومات غربية، أضحت تتبنى النموذج الإندونيسي، علاوة على الدعم المعنوي، والفكرة التي في طريقها لأن تكتمل معالمها، بدأت تختمر في ذهن دوائر كثيرة، كمدخل أو مشروع جديد لتقليص تمدد التيارات الإسلامية المتشددة في بعض المجتمعات الغربية، وكمبرر للتحلل من التزامات متباينة حيال جماعة الإخوان، حيث تحولت إلى عبء سياسي على كاهل شخصية في حجم ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا.

من توافقوا على دعم هذه الفكرة استمدوا ثقتهم من عاملين، الأول التقليل من هوس الصدام بين الغرب والإسلام، وتوظيف مساحات التعايش بين الجانبين، وسد الفراغ الذي يستغله المتطرفون، والثاني الدور التاريخي للإسلام الآسيوي، أو بمعنى أدق للمسلمين المنحدرين من أصول آسيوية الذين لعبوا دورا إيجابيا في مسيرة هذا الدين، حيث ظهرت سلالة من المبدعين في مجالات مختلفة تميل للتوافق وتنبذ التنافر.

كاتب مصري

9