آفة الحكم الزعامة..

الأحد 2013/10/27

بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وبعد أن فرضت عليها معاهدة فرساي (باريس، يونيو/حزيران 1919) أعباء اقتصادية ثقيلة، ناهيك عن الجرح الغائر للكرامة القومية الألمانية، وهو ما تمثل في الهزيمة واقتطاع أجزاء كبيرة من أراضي " الرايخ "، وذاك الشرخ الكبير في الذات الألمانية، أصبح العقل الجمعي الألماني مهيئاً لتقبل فكرة " المخلص " والمنقذ الذي يأتي من وراء الغمام وظهر الغيب، فيعيد للأمة مجدها وعزتها وازدهارها، وفوق ذلك كله كرامتها الممرغة في تراب الهزيمة من قبل أعداء الخارج ومتآمري الداخل. فكرة المخلّص المجهول، الذي يتمتع بقدرات تفوق قدرات البشر العاديين، هي نوع من أمل يكمن في أعماق الذات العامة لشعب من الشعوب حين يلف اليأس كل شيء، وتبدو الأمور وكأنها وصلت إلى طريق مسدود، ولا يعود من حل لكافة المشكلات والمعضلات إلا بشكل خارق للعادة، متجاوز لطبائع الأمور. وقد كانت هذه هي حالة ألمانيا في أعقاب الحرب الأولى: اقتصاد منهار، معنويات في الحضيض، كرامة وطنية مهدورة، مؤسسات سياسية ضعيفة (جمهورية فيمار)، سياسيون محترفون فاسدون. مثل هذا الوضع هيأ المسرح السياسي الألماني لدخول حزب العمال الألماني الأشتراكي الوطني (النازي) معترك السياسة، واعداً بإعادة ألمانيا إلى القمة من كل النواحي، ضارباً على وتر الكرامة القومية الضائعة، والحالة الاقتصادية المزرية للشعب الألماني، ملقياً باللوم في كل ذلك على "أعداء الأمة " في الداخل بوجه خاص، من شيوعيين وساسة فاسدين، يقف وراءهم مؤامرة يهودية خفية المعالم لا همّ لها إلا كسر إرادة الأمة الألمانية. من خلال هذه الأوضاع، ومن خلال دغدغة العواطف القومية للشعب، والتركيز على المفهوم الضبابي " لأعداء الأمة "استطاع زعيم الحزب أدولف هتلر (1889-1945) أن يصل إلى منصب " مستشار الرايخ "، أو رئيس الحكومة، عام 1933، بعد فوزه بالانتخابات العامة بأغلبية مقاعد "الرايخستاغ " (البرلمان الألماني).

وبالفعل استطاع أدولف هتلر أن يعيد بناء ألمانيا من جديد، وخلال ثلاثة أعوام فقط استطاع النهوض بالاقتصاد والقضاء على التضخم وخلق فرص عمل جديدة خفضت كثيراً معدل البطالة، وأعاد بناء الجيش وأعادة أجزاء كبيرة من أراضي الرايخ التي سلختها معاهدة فرساي من جسد الأمة، وأعاد حسّ الكرامة الوطنية إلى الشعب الألماني. كانت ألمانيا، وبجهود هتلر وحزبه خلال سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية، في طريقها لأن تُصبح قوة عالمية، أو حتى القوة العالمية الأولى في ذلك الزمان، ولكن في مقابل ذلك دمر هتلر كل مؤسسات الدولة الألمانية، وخلال سنة واحدة من حكمه لم يعد هنالك فرق بين الدولة وبين شخص الفوهرر (الزعيم) أدولف هتلر، وحل حكم الفرد وأجهزة الحزب الأمنية محل حكم المؤسسات التي أجهز عليها هتلر بدل أن يبعث فيها الحياة، بالإضافة إلى شمولية في الحكم نشرت الخوف بحيث أصبح جزءاً من الحياة اليومية في ألمانيا. حقيقة لقد حقق هتلر والحزب النازي معجزة ألمانية في كل النواحي، وأعاد الحياة إلى أدق دهاليز المجتمع الألماني، ولكنها تبقى معجزة مرتبطة بوجود الزعيم المهيمن وأجهزته، وليس بمؤسسات سياسية واجتماعية ذات قابلية للاستمرار حتى بعد اختفاء مؤسسيها، حيث أن كل تلك الإنجازات سوف تتهاوى بمجرد اختفاء الزعيم لسبب أو آخر، وذلك مثل قصر رملي منيف لا يلبث أن يتهاوى مع أول موجة قادمة من البحر، بعد مغادرة صاحبه رمال الشاطيء. من ناحية أخرى، فإن الزعيم، حين تنتفخ ذاته بمشاعر الزعامة، وأنه ليس كمثله من البشر، بل هو مبعوث قدر استثنائي لا يجود الزمان بمثله إلا نادراً، لا يعود نطاق معين يحده، سواء كان هذا النطاق وطنا أو أمة أو شعبا أو غير ذلك، بل يرى أن " مهمته التاريخية " تتجاوز كل نطاق، ومن هنا تبدأ النهاية، واندثار كل إنجاز، مهما بدا مبهراً وثابتاً، ومن هنا يمكن القول إن كل نظام حكم يقوم على أساس من زعامة مطلقة إنما يحمل بذور فنائه في ذاته، كما الرأسمالية وفق تحليلات كارل ماركس ورأيه، مهما بلغ هذا النظام من توهج في فترة من الفترات. المعجزة الألمانية الهتلرية انتهت بحرب كونية كانت محتومة، دمرت الدولة الألمانية في النهاية، وحولت مدنها المزدهرة إلى قاع صفصف ينعق فيه البوم والغربان، إذا استعرنا الوصف من سفر الحياة في ألف ليلة وليلة، أين منه حالها في أعقاب الحرب الأولى وجمهورية فيمار. ولم يُنقذ ألمانيا ويعيدها إلى مصاف الأمم المزدهرة بعد ذلك إلا قادة نبذوا الزعامة والتطلعات الإيديولوجية للزعيم والزعامة، من أمثال كونراد أديناور ولودفيغ أيرهارت وويلي برانت، ولم يوحدوا بين ذواتهم الزائلة وذات الدولة المستمر، وعملوا على إرساء مؤسسات ثابتة ترتكز عليها الدولة والمجتمع، وحُددت سلطاتهم بقوة القانون وقيد المؤسسات، فأصبح لهم نطاق لا يتجاوزونه، ولذلك بقيت إنجازاتهم واستمرت حتى بعد رحيلهم عن مسرح الحياة.

إن كل هذه الإطالة في محاولة تشريح التجربة النازية على عجل يبررها أن هذه التجربة ليست فريدة في تاريخ الإنسان، بل هي نموذج حقيقي يُمكن أن نراه في أجزاء كثيرة من العالم، سواء قديماً أو حديثاً. قد تقترب التجارب الإنسانية الأخرى أو تبتعد أو حتى تفوق التجربة النازية في ألمانيا في بعض مراحلها، إلا أن الجوهر في النهاية واحد: الكارثة والدمار رغم وعود الازدهار، بل وتحقيق الازدهار في فترة ما، ولكنها فترة محكوم عليها بالتلاشي طالما هي مرتبطة بالزعيم وفكرة الزعامة. وعالمنا العربي في تاريخه الحديث والمعاصر مليء بمثل هذه الأمثلة. فحين قام " الضباط الأحرار " بانقلابهم العسكري ضد الملك عام 1952، مستهلين وممهدين الطريق نحو ثورة حقيقية في المجتمع المصري والدولة المصرية، استطاعوا بزعامة جمال عبدالناصر أن يحققوا الكثير من الإصلاحات والتغيرات الجذرية الإيجابية، سواء بما يتعلق بمسألة العدالة الاجتماعية، أو مشروعات التنمية الجبارة، أو الرفع من شأن الدولة المصرية إقليمياً وعالمياً، أو حتى بعث الروح في الجسد المصري. ولكن كل ذلك كان مرتبطاً بشخص الزعيم وتطلعاته الإيديولوجية التي تتجاوز الدولة المصرية، فكان التورط في اليمن والدخول في مهاترات الحرب العربية الباردة، ومن ثم جاءت الكارثة: هزيمة يونيو/ حزيران 1967، فكان الانهيار الفعلي لدولة الزعيم بكل إنجازاتها الداخلية، التي كان من الممكن أن تُبقي على استمرارية ازدهار الدولة المصرية، لولا ارتباط هذه الدولة بشخص الزعيم، الذي مع رحيله الفعلي عام 1967، وليس الجسدي عام 1970، عادت مصر إلى نقطة الصفر من جديد، لتدخل تجربة زعامة أخرى، وإن كانت أخف وطأة مما سبقها، ولكن جرثومة الزعامة، مهما كان حجمها، لا تدخل في أمر إلا أفسدته، بكل ما تحمله هذه الجرثومة من ثمالة إيديولوجية، وتأليه للفرد الزعيم المعصوم عن كلل زلل، وشمولية حكم تُحصي الأنفاس وتكبتها، وتحسب خطوات البشر وتحاسب عليها، وتحدد ما يجوز وما لا يجوز حتى في طبيعة الهواء الذي يتنفسه البشر.

ذات الشيء يمكن أن يُقال عن عراق صدام حسين، أو ليبيا معمر القذافي، أو سوريا الأب والإبن حيث تلعب الزعامة دور الروح القدس الذي يدمج الثلاثة في واحد، أو سودان النميري والبشير اليوم، أو كل تلك التجارب الانقلابية-الثورية العربية، التي كانت تعد بالكثير، ولكنها في النهاية تقع في شبكة عنكبوت الزعامة بكل ما يتصل بها من نتائج، فتكون الكوارث هي الخاتمة، بكل ما ينتج عنها من إحباط ويأس وسوء حال تمهد الطريق من جديد لعودة "مخلص " ما، بمثل ما حدث في أعقاب ثورة يناير/ كانون ثاني 2011 في مصر، وتدور الدائرة من جديد. ولذلك ليس غريباً والحالة هذه أن لا يتغير حال العرب كثيراً نحو الأفضل، رغم كل الفرص والموارد، إن لم يكن العكس هو الصحيح، ويدورون في حلقة مفرغة من تجربة الانتقال من زعيم إلى زعيم، فيما أحوال الكثير من دول هذا العالم تغيرت وتحولت إلى مراحل أخرى خارج الدائرة، وخلال ذات الفترة التي كانت تعد العرب بالكثير. أجل هنالك الكثير من المعوقات التي كانت وما زالت تقف في طريق الانعتاق العربي من أجل وضع إنساني وحضاري أفضل وأرقى، فليس هناك عامل واحد يمكن أن يُفسر كل شيء، ولكن داء الزعامة ونسلها من شمولية وفساد وأوهام العظمة، يقف منتصباً كسبب رئيس لدائرة الحياة العربية المفرغة، حتى أنك مثلاً لا تجد فرقاً حقيقياً بين الوضع قبل بضع سنين والوضع الراهن اليوم، اللهم إلا إذا كان الثوب الجديد يُشفي جسداً قديماً نخرته العلل وعاثت فيه سوسة الداء، وليس مجرد ستر تلك العلل خجلاً من بثور وقروح لا تسر الناظرين.. وقانا الله في الخاتمة وإياكم شر العلل، ما ظهر منها وما بطن، وطابت لكم الأيام.

6