آفة الحكم الزعامة..

السبت 2013/12/28

بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وبعد أن فرضت عليها معاهدة فرساي (باريس، يونيو/حزيران 1919) أعباء اقتصادية ثقيلة، ناهيك عن الجرح الغائر للكرامة القومية الألمانية، وهو ما تمثل في الهزيمة واقتطاع أجزاء كبيرة من أراضي “الرايخ”، وذاك الشرخ الكبير في الذات الألمانية، أصبح العقل الجمعي الألماني مهيئا لتقبل فكرة “المخلص” والمنقذ الذي يأتي من وراء الغمام وظهر الغيب، فيعيد للأمة مجدها وعزتها وازدهارها، وفوق ذلك كله كرامتها الممرغة في تراب الهزيمة من قبل أعداء الخارج ومتآمري الداخل. فكرة المخلّص المجهول، الذي يتمتع بقدرات تفوق قدرات البشر العاديين، هي نوع من أمل يكمن في أعماق الذات العامة لشعب من الشعوب حين يلف اليأس كل شيء، وتبدو الأمور وكأنها وصلت إلى طريق مسدود، وليس هناك من حل لكافة المشكلات والمعضلات إلا بشكل خارق للعادة، متجاوز لطبائع الأمور. وقد كانت هذه هي حالة ألمانيا في أعقاب الحرب الأولى: اقتصاد منهار، معنويات في الحضيض، كرامة وطنية مهدورة، مؤسسات سياسية ضعيفة (جمهورية فيمار)، سياسيون محترفون فاسدون. مثل هذا الوضع هيأ المسرح السياسي الألماني لدخول حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني (النازي) معترك السياسة، واعدا بإعادة ألمانيا إلى القمة من كل النواحي، ضاربا على وتر الكرامة القومية الضائعة، والحالة الاقتصادية المزرية للشعب الألماني، ملقيا باللوم في كل ذلك على “أعداء الأمة” في الداخل بوجه خاص، من شيوعيين وساسة فاسدين، تقف وراءهم مؤامرة يهودية لا همّ لها إلا كسر إرادة الأمة الألمانية. من خلال هذه الأوضاع، ومن خلال دغدغة العواطف القومية للشعب، والتركيز على المفهوم الضبابي “لأعداء الأمة” استطاع زعيم الحزب أدولف هتلر (1889-1945) أن يصل إلى منصب “مستشار الرايخ”، أو رئيس الحكومة، عام 1933، بعد فوزه في الانتخابات بأغلبية مقاعد “الرايخستاغ” (البرلمان الألماني).

وبالفعل استطاع أدولف هتلر أن يعيد بناء ألمانيا من جديد، وخلال ثلاثة أعوام فقط استطاع النهوض بالاقتصاد والقضاء على التضخم وخلق فرص عمل جديدة خفضت كثيرا معدل البطالة، وأعاد بناء الجيش وإعادة أجزاء كبيرة من أراضي الرايخ التي سلختها معاهدة فرساي من جسد الأمة، وأعاد حسّ الكرامة الوطنية إلى الشعب الألماني.

كانت ألمانيا، وبجهود هتلر وحزبه خلال سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية، في طريقها إلى أن تُصبح قوة عالمية، أو حتى القوة العالمية الأولى في ذلك الزمان، ولكن في مقابل ذلك دمر هتلر كل مؤسسات الدولة الألمانية، وخلال سنة واحدة من حكمه لم يعد هنالك فرق بين الدولة وبين شخص الفوهرر (الزعيم) أدولف هتلر، وحل حكم الفرد وأجهزة الحزب الأمنية محل حكم المؤسسات التي أجهز عليها هتلر بدل أن يبعث فيها الحياة، بالإضافة إلى شمولية في الحكم نشرت الخوف بحيث أصبح جزءا من الحياة اليومية في ألمانيا.

حصاد 2013
كانت البدائل المتوفرة أمام المحرر في اختيار المقالات المتميزة على مدار العام الماضي أوسع من حصرها في مساحة صفحتين. أدى ذلك إلى صعوبة نابعة من كون كل نصوص كتابنا تتوفر على الجودة “لغة ومضمونا”، ولا غرور في القول هنا بأن “العرب” سقف انتظاراتها عال.

الصعوبة تنبع ثانيا من الحيز المحدود المتاح لإعادة نشر ما رأينا أنه الأفضل، بحيث لم يكن ممكنا نشر عدد كبير من المقالات.

ضروري هنا أن نشيد بمساهمات كل كتابنا الأوفياء؛ ولازم أيضا الاعتراف أننا قدمنا من خلال كتابتهم رؤية جادة ورصينة للراهن العربي، وواكبنا معهم كل الاعتمال المتغير في كل ساحة. وستكون هذه المساحة فرصة للاعتراف للجميع بفضل نصوصهم وتذكير قراءنا بأقوى لحظاتنا الفكرية، مع تأكيد أن النصوص التي لم نتمكن من نشرها، وإن غابت اليوم فذلك لا يُنقص شيئا من متانتها. وننشر اليوم مقتطفات ومفاصل من بعض النصوص التي قدرنا أنها تميزت في سبر أغوار بعض القضايا، وسننشر أيضا أفضل لوحات الكاريكاتور للفنان السوري، ياسر أحمد، التي التقطت اللحظات الأقوى في هذا العام.

إن كل هذه الإطالة في محاولة تشريح التجربة النازية على عجل يبررها أن هذه التجربة ليست فريدة في تاريخ الإنسانية، بل هي نموذج حقيقي يُمكن أن نراه في أجزاء كثيرة من العالم بقديمه و حديثه. قد تقترب التجارب الإنسانية الأخرى أو تبتعد أو حتى تفوق التجربة النازية في ألمانيا في بعض مراحلها، إلا أن الجوهر في النهاية واحد: الكارثة والدمار رغم وعود الازدهار، بل وتحقيق الازدهار في فترة ما، ولكنها فترة محكوم عليها بالتلاشي طالما هي مرتبطة بالزعيم وفكرة الزعامة. وعالمنا العربي في تاريخه الحديث والمعاصر مليء بمثل هذه الأمثلة. فحين قام “الضباط الأحرار” بانقلابهم العسكري ضد الملك عام 1952، مستهلين وممهدين الطريق نحو ثورة حقيقية في المجتمع المصري والدولة المصرية، استطاعوا بزعامة جمال عبدالناصر أن يحققوا الكثير من الإصلاحات والتغيرات الجذرية الإيجابية، سواء ما تعلق بمسألة العدالة الاجتماعية، أو مشروعات التنمية الجبارة، أو الرفع من شأن الدولة المصرية إقليميا وعالميا، أو حتى بعث الروح في الجسد المصري. ولكن كل ذلك كان مرتبطا بشخص الزعيم وتطلعاته الإيديولوجية التي تتجاوز الدولة المصرية، فكان التورط في اليمن والدخول في مهاترات الحرب العربية الباردة، ومن ثم جاءت الكارثة: هزيمة يونيو/ حزيران 1967، فكان الانهيار الفعلي لدولة الزعيم بكل إنجازاتها الداخلية، التي كان من الممكن أن تُبقي على استمرارية ازدهار الدولة المصرية، لولا ارتباط هذه الدولة بشخص الزعيم، الذي مع رحيله الفعلي عام 1967، وليس الجسدي عام 1970، عادت مصر إلى نقطة الصفر من جديد، لتدخل تجربة زعامة أخرى، وإن كانت أخف وطأة مما سبقها، ولكن جرثومة الزعامة، لا تدخل في أمر إلا أفسدته، بكل ما تحمله هذه الجرثومة من ثمالة إيديولوجية، وتأليه للفرد الزعيم المعصوم من كل زلل، وشمولية حكم تُحصي الأنفاس وتكبتها، وتحسب خطوات البشر وتحاسب عليها، وتحدد ما يجوز وما لا يجوز.

ذات الشيء يمكن أن يُقال عن عراق صدام حسين، أو ليبيا معمر القذافي، أو سوريا الأب والابن حيث تلعب الزعامة دور الروح القدس الذي يدمج الثلاثة في واحد، أو سودان النميري والبشير اليوم، أو كل تلك التجارب الانقلابية- الثورية العربية، التي كانت تعد بالكثير، ولكنها في النهاية تقع في شبكة عنكبوت الزعامة بكل ما يتصل بها من نتائج، فتكون الكوارث هي الخاتمة، بكل ما ينتج عنها من إحباط ويأس وسوء حال تمهد الطريق من جديد لعودة “مخلّص” ما، بمثل ما حدث في أعقاب ثورة يناير 2011 في مصر، وتدور الدائرة من جديد.

كاتب ومفكر سعودي

9