آفة الدين التعليب

الأحد 2013/11/17

في فيلم "سر طاقية الإخفاء"، المعروض لأول مرة في شهر مايو من عام 1959، بطولة الراحلين، عبدالمنعم إبراهيم وتوفيق الدقن، وإخراج الراحل نيازي مصطفى، يقوم "البلطجي أمين"، ويلعب دوره توفيق الدقن، بمضايقة الصحفي الطيب عصفور قمرالدين، ويلعب دوره عبدالمنعم إبراهيم، وذلك في تنافسهما على الزواج من الفتاة الجميلة "أمال"، وتلعب دورها الممثلة زهرة العلا.

من ضمن مشاهد الفيلم الكوميدية المتكررة، يقوم "أمين" بالتنكيل "بعصفور" الرعديد المرعوب، فيشده من ياقته وهو يمسك بعلبة خاتم مغلقة ويسأل عصفور عن محتواها: "العلبة دي فيها إيه؟"، فيرد عصفور بأن فيها خاتما، فيصفعه أمين مكررا سؤاله عن محتوى العلبة، فيرد عصفور بنفس الجواب. وبعد عدة صفعات يقول له أمين إن العلبة تحتوي على فيل، ولخوفه الشديد من أمين، وللتخلص من قبضته، يرد عصفور في النهاية أن ما في العلبة هو بالفعل فيل وليس خاتما، فيتركه أمين وسط ضحكات أهل الحارة الذين يضربون كفا بكف، وهم يتأسفون على ضياع عقل عصفور الذي يعتقد أن الفيل يقبع في علبة خاتم صغيرة، ويؤنبون أمين الذي دفع بعصفور إلى حافة الجنون وضياع العقل، ولكنهم مع الوقت يتقبلون الوضع وكأنه من حقائق الحياة، كما أن أمال التي يحبها عصفور وتحبه، تلومه على جبنه وخوفه الذي جعله يقر بما لا يقر به عاقل، وهو الشاب والصحفي المثقف الذي لا ينقصه عقل ولا حصافة.

منظر مضحك فعلا، ويثير السخرية حقا، سواء القول بوجود الفيل في العلبة، أو جبن عصفور الذي جعله يُقر بمثل هذا الوهم المفروض عليه بالقوة حتى تحول إلى نوع من الحقيقة. ولكن هذه الكوميديا في الفيلم تتحول إلى نوع من الكوميديا السوداء، أو حتى إلى تراجيديا من نوع ما، حين نكتشف أن مثل هذه الحكاية تُمارس وبشكل مستمر في حياتنا دون أن نعتبرها نوعا من الكوميديا، أو شيئا خارج العقل والمنطق والحس السليم، بعد أن تحولت إلى أمر مألوف يُمارس دون تفكير، ويُقبل دون تأمل أو إعمال العقل المجرد فيه، بمثل ما أنّ اضطهاد أمين لعصفور أصبح من "حقائق" الحياة اليومية سواء لعصفور أو لأهل الحارة، رغم أنها أبعد ما تكون عن الحقيقة، فالدين مثلا، هو العامل الأكبر المثير لكثير من الأحداث الحاسمة في عالم العرب والمسلمين اليوم، بمثل ما كان عليه الوضع في أوروبا القروسطية وأيام الحروب الدينية، ولكن ممارسة الدين في هذه الحالة، أي في أوروبا القروسطية وشرقنا الحالي، تجري وفق منطق أمين المفروض على عصفور، أي أن الفيل في العلبة، ومن لا يقبل مثل هذا الوضع الذي لا يتقبله عقل سليم، يكون الإكراه والتنكيل هو الحل لإدخال الفيل في العلبة حتى يصبح الأمر في النهاية من حقائق الوجود.

فالدين في المقام الأول وفي جوهره النقي، وحين تشريحه وتحليله إلى مكوناته الأولية، أو لنقل بالكشف المجهري لعموده الفقري المختفي تحت كتل تاريخية من لحم وشحم متراكم حاجب للرؤية، هو عبارة عن صلة روحية لا يحدها حدود بين الفرد والموجود الكلي غير المحسوس الذي لا تحده حدود، ولا تقيده قيود، وهو المتعالي على المكان والزمان، أو هو تلك القناة التي تصل ما بين عالم الغيب والشهادة بصفة عامة.

وفي ذلك يقول الفيلسوف البريطاني هربرت سبنسر (1820-1903) إن الدين في جوهره عبارة عن "الاعتقاد بالحضور الفائق لشيء غامض وعصي على الفهم ". وبذات المعنى تقريبا يقول الفيلسوف الألماني ماكس موللر (1822-1900)، "إن الدين هو كدح من أجل تصور ما لا يمكن تصوره، وقول ما لا يمكن التعبير عنه، فهو توق إلى اللانهائي".

خلاصة القول إن جوهر الدين هو البحث عن اللانهائية ومن ثم محاولة التعبير عنها، سواء بالقول أو الفعل أو تجسيد معانيه بشكل مرئي أو محسوس، ومن هنا تبدأ المؤسسة الدينية، بأفرادها وطقوسها ولغتها المميزة، بالظهور كممثل عن معان مهما كانت محاولة التعبير عنها تبقى نسبية غير قادرة على الإحاطة الكاملة بالجوهر، طالما أن تلك المعاني متسامية على ذات اللغة وذات التجسيد الذي يبقى ماديا بشريا ضمن حدود، فيما المعاني لا تحدها حدود. ولكن هذه النسبية وتلك المحدودية لا تنفي ضرورة وجود المؤسسة الدينية تاريخيا، أو أية مؤسسة كتجسّد مادي ملموس لفكرة مجردة غير قابلة للتقييد المطلق بطبيعتها، فالإنسان بطبيعته لا يستطيع أن يعيش وفق الفكرة المجردة أو المعنى السامي دون أن يُحس بوجود هذه الفكرة ماديا. فالتجسد المادي للفكرة يُبقيها حية في الذهن العام، وإلا فإنها تفقد قوتها حين تبقى في حيز التجريد المطلق، خاصة وأنه ليس كل البشر من ذوي الأذهان القلقة الباحثة عن المعاني الخفية والجوهرية لهذا الوجود. لذلك فإن وجود المؤسسة الدينية يبقى ضرورة تاريخية وحاجة بشرية طالما بقي هنالك إنسان على وجه هذه البسيطة، وطالما بقي الدين، بوصفه مبادىء عامة تشكل الحلقة الرابطة بين ماديات الأرض المحدودة ولا مرئيات الغيب اللانهائية، بل وطالما بقيت هناك أفكار ومبادىء عامة ومجردة سواء كانت دينية أو غير دينية، وبذلك أظن أن الباحث السوري فراس السواح (مواليد 1941)، قد أصاب كبد الحقيقة في كتابه "دين الإنسان"، حين وصف الإنسان بأنه "كائن متدين"، بالإضافة إلى كونه كائنا اجتماعيا وسياسيا ومفكرا وضاحكا وغيرها من أوصاف تميز الإنسان عن بقية المنتمين إلى المملكة الحيوانية، ولعل أفضلها كونه كائنا جشعا كما أراه شخصيا.

تجسيد اللامرئي واللانهائي وغير القابل للتحديد أو التقييد، على شكل مؤسسة أو طقوس تُمارس أو عادات وتقاليد تتوارثها الأجيال، مسألة تفرضها الضرورة التاريخية والحضارية لوجود الإنسان في هذه الدنيا، طالما بقيت قدرته العقلية نسبية ومقيدة بقيود الزمان والمكان مهما نمت وتطورت من خلال فعله الحضاري المستمر، ولكن يأتي الخلل ويبدأ الانحدار في الفعل الحضاري التاريخي للإنسان حين يُنظر إلى هذه المؤسسة أو تلك الممارسة المحددة، أو أي تجسيد للفكرة المجردة بشكل عام، على أساس أنها هي ذات الفكرة مكتملة في مثل هذا التجسّد، وبالتالي محاولة حشر ما هو لانهائي فيما هو نهائي، كما كان "أمين" يحاول أن يفرض على " عصفور " القول إن فيلا ضخما يقبع في حيز ضيق لا يتسع لأكثر من خاتم، رغم أن ذات الفيل كائن نهائي محدود بدوره، فما بالك بمن يُحاول حشر ما هو أبعد من ذلك، بل ما هو دون أبعاد وحدود، في علبة مغلقة أو حتى في قفص فيل وإن كان أكبر من العلبة، فإنه يبقى مقيدا بأبعاده.

في مثل هذه الممارسة، أي النظر إلى ما يمثل الفكرة أو المبدأ حسيا وتجسدها المادي على أنه ذات الفكرة أو المبدأ، يكمن الخلل، وتكمن مأساة الإنسان في وجوده الأرضي وفق ما أظن وأعتقد، وهي سبب من أسباب التطاحن بين بني الإنسان على اختلاف مراحل التاريخ، إن لم تكن هي السبب الرئيس. فدعوة السيد المسيح (عليه السلام) مثلا في جوهرها، هي مبادىء مجردة سامية تدعو إلى الحب والسلام والوئام، لدرجة الدعوة إلى محبة الأعداء، وإدارة الخد الأيسر لمن يصفعك على الخد الأيمن، وهي مبادئ من الصعب ممارستها عمليا والحق يُقال، ولكنها تبقى تعبيرا عن ضرورة البحث عن الحب بين البشر، والسلام بين الأمم، والوئام مع النفس. ولكنها حين مُؤسست وتجسدت في كنيسة معينة، أو "عُلّبت" كما يحلو لي أن أصف الأمر، وأصبح يُنظر إلى ذات الكنيسة، برجالها وطقوسها وتفسيراتها المحددة للفكرة وتأويلاتها المُلزمة للمبدأ، على أنها هي ذات الفكرة، أو أنها الكيان الأوحد الذي يمتزج فيه الجوهر بالمظهر، تحولت إلى نقمة بشرية ومعيق لتطور ونمو الحضارة والفعل الحضاري للإنسان في التاريخ. بل وتحولت إلى كل ما هو غير إنساني، في تناقض واضح مع الأسس التي يقوم عليها ذات المبدأ في جوهره، فكانت "الكاثوليكية" نقطة سوداء في التاريخ الأوروبي، بحروبها الدينية ومحاكم تفتيشها وتنقيبها عما في القلوب، مع أن القلوب هي الموطن الحقيقي للدين، وليست هذه المؤسسة أو ذلك الكيان من يحاول تعليب ما لا يعلب، وتحديد ما لا يحدد، لدرجة يمكن معها القول إنه لو ظهر المسيح في أوروبا الكاثوليكية في القرون الوسطى وأيام المجازر الدينية ومحاكم التفتيش بين القائلين بذات الدين وبينهم وبين غيرهم، لربما أنكر مسيحيّته جملة وتفصيلا، وأعلن أنه ليس مسيحيا وفق قرارات هذا المجمع المسكوني أو ذاك، بل وربما أنكرت هذه المجامع ورجالها المسيح ذاته، طالما أنه لا يقع ضمن الحدود التي قررتها تلك المجامع في طبيعة المسيح ومبادئه. ما يُقال عن المسيحية التاريخية ومسيحية المسيح ينطبق على أديان كثيرة ودعوات إنسانية كثيرة، كانت في جوهرها بحثا عن المطلق واللانهائي، وما يتضمنه كل ذلك من ارتقاء للروح الإنسانية وسموها، فإذا بها تتحول إلى كيان مقيد ومحدد لنفسه ولغيره، وساجن لكل جمال وسمو مطلق في علبة ضيقة منتهية الأبعاد، صُنعت للحفاظ على مجرد خاتم ضئيل الحجم، فما بالك بمبادئ مفتوحة الأبعاد، وفي مثل هذا القيد تكمن المأساة في النهاية.. وإلى لقاء أرجو أن يكون قريبا إن شاء الموجود.

ـــــــــــــــــــــــ


جزء أول من ثلاثة أجزاء

6